طهران تبتزّ باريس باعتقال مواطنيها وتلفيق التهم لهم

باريس

معروف عن طهران انتهاجها سياسة الابتزاز بغية الضغط على الجهات التي تقابلها للحصول على مرادها منهم، ولعلّ ذلك ما يفسر الضغط الإيراني على مواطنين فرنسيين، من مزدوجي الجنسية (فرنسي-إيراني)، من خلال اعتقالهم وتوجيه الاتهامات التي يكون معظمها ملفقاً لهم، بغية الضغط على باريس في ملفها النووي تحديداً.

ولعلّ تلك المعادلة ما يمكن لها أن تفسر ما ذهبت إليه السلطة القضائية الإيرانية، في الثلاثين من يونيو الماضي، عندما عمدت إلى الحكم بالسجن 5 سنوات على المواطنة الفرنسية من أصول إيرانية، وهي فريبا عادل خواه، حين صرّح الناطق باسم السلطة القضائية، أنّ المحكمة أقرّت الحكم بالسجن 5 سنوات على فريبا عادل خواه، لإدانتها بما أسماها بـ”ارتكاب جرائم أمنية”، وذلك على الرغم من دعوة فرنسية سابقة لطهران بغية إطلاق سراحها.

 

وأتى الحكم الإيراني على المواطنة “عادل خواه”، رغم اعتبار وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لو دريان، في مايو الماضي، أنّ العلاقات مع إيران أصبحت أكثر صعوبة على خلفية توقيفها، مشيراً أنّ قرار اعتقالها له دوافع سياسية، لتجدّد فرنسا، في الخامس من يونيو، دعوتها لطهران بغية الإفراج عن الأكاديمية الفرنسية، لافتةً أنّ احتجازها يضر بالثقة بين البلدين.

حيث غرّد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على “تويتر” بالقول: “قبل عام اعتقلت فاريبا عادلخاه تعسفاً في إيران، من غير المقبول أن تظلّ في السجن”، مضيفاً: “رسالتي للسلطات الإيرانية: مطلبنا العادل هو الإفراج الفوري عن مواطنتنا”، لكن تلك الدعوة قوبلت برفض إيران قائلةً، إنّ ذلك يمثل تدخلاً في شؤونها الداخلية، ولن يساعد في حلّ المشكلة.

العلاقة بين المعتقلين والملف النووي الإيراني

ولا يبدو، في الحقيقة، أنّ التهم الموجهة إلى عادل خواه والمتمثلة بالجرائم الأمنية المزعومة، هي السبب الحقيقي لاعتقالها أو غيرها من الفرنسيين، فالعلاقة بين الجانبين تحكمها قضايا عدة، لعل أهمها الاتفاق النووي الإيراني الذي أمضته إيران في العام 2015، مع مجموعة دول “5+1” بغية إلغاء العقوبات المفروضة عليها، مقابل السماح بمراقبة دولية على برنامجها النووي، قبل أن تنسحب منه الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عام 2018، لتشدد طهران، من جهتها، عقب اغتيال اللواء قاسم سليماني بغارة أمريكية بالعراق، في يناير عام 2020، على أنّها لم تعد ملزمة بأيّة اتفاقيات أو قيود حول عملياتها النووية، بما في ذلك، قدرة التخصيب، ونسبة التخصيب، وكمية المواد المخصبة، والبحث والتطوير، كما لم تعد ملزمة بتحديد تعداد أجهزة الطرد المركزي المشغلة في المفاعلات النووية في البلاد.

 

ليبقى الاتفاق هشّاً، بالتزامن مع مطالبات باقي أطراف الاتفاق لإيران بضرورة الالتزام به، وهو ما طالب به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في السابع من أبريل الماضي، عندما دعا إيران إلى احترام تعهداتها النووية، وذلك أثناء محادثة مع الرئيس حسن روحاني، حيث ذكر بيان صادر عن قصر الإليزيه: “يأمل (ماكرون) أن تحترم إيران تعهداتها النووية وأن تحجم عن اتخاذ تدابير جديدة تتناقض مع خطة العمل الشاملة المشتركة، وأن تساهم في تخفيف التوتر الإقليمي”.

كما يمكن الإشارة، في ذات السياق، إلى تنبيه وزارة الخارجية الفرنسية، في التاسع والعشرين من أبريل الماضي، من أنّ رفع الحظر الأممي المفروض على الأسلحة الإيرانية في أكتوبر، ستكون له تداعيات على استقرار منطقة الشرق الأوسط، وذلك في توافق مع الموقف الأمريكي حول ذات القضية، إذ قال وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، قبل يوم (الثامن والعشرين من أبريل)، إنّهم لن يسمحوا لإيران بشراء أسلحة تقليدية عند رفع حظر السلاح المفروض عليها، كما أكّد بومبيو حينها أنّ الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالحصول على أسلحة غير تقليدية، منوّهاً إلى “أنّ طائرات الإرهاب الإيرانية تواصل نقل المقاتلين في الشرق الأوسط”.

إيران والاستعلاء أمام فرنسا

ولأنّ باريس لم تقبل الابتزاز الإيراني، مارست طهران المزيد من الابتزاز، فأوردت وكالة الأنباء الإيرانية، في السابع والعشرين من مايو الماضي، عن المتحدّث باسم وزارة الخارجية، عباس موسوي، قوله، إنّ تهديدات فرنسا وتدخلها يعقد قضية الأكاديمية الفرنسية من أصل إيراني، مسجونة في إيران، وذكرت الوكالة، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية قوله: “جرت متابعة هذه القضية في المحكمة مع مراعاة اللوائح، وحقوق المواطنة كانت مضمونة للسيدة عادل خاه”.

 

وأردف: “أيّ خطاب ينطوي على تهديد وتدخل، من شأنه أن يدفع القضية صوب مزيد من التعقيد.. إيران لا تقبل عدم احترام مبادئها الحاكمة، بما في ذلك استقلال القضاء”. فيما كانت قد اعتقلت طهران، في يونيو 2019، الخبيرة في الشؤون الشيعية في مركز الأبحاث الدولية بكلية العلوم السياسية بباريس، فاريبا عادل خاه، وزميلها المتخصص في القرن الأفريقي، في المركز نفسه رولان مارشال، ورغم مساعي باريس المستمرة للإفراج عنهما، لا تقرّ طهران بازدواج الجنسية، وتقوم بسجن الأجانب في إيران بشكل مضاعف، خاصة الذين يحملون جنسيتين، منذ انسحاب للولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، وإعادة فرضها عقوبات مشددة ضدها.

ضغوط فرنسية على طهران

ومع مواصلة باريس مهامها وفق ما هو منصوص عليه ضمن الاتفاق النووي الإيراني، ازدادت الهجمة الإيرانية على باريس عبر معتقليها الموجودين لديها، خاصة عقب أن أوضحت باريس، في السادس عشر من يونيو الماضي، أنّها تسعى مع الشركاء للضغط على إيران للسماح بدخول مفتشي وكالة الطاقة الذرية لمواقع ترفض طهران، حتى الآن، السماح لهم بزيارتها.

 

وأشارت فرنسا، حينها، أنّها تعمل مع بريطانيا وألمانيا لدفع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التابع للأمم المتحدة على الضغط على طهران، للتعاون على نحو كامل وفوري للسماح لمفتشي الوكالة بدخول مواقع لا تقبل طهران، حتى الآن، السماح لهم بزيارتها، إذ ذكرت أنييس فون دير مول، وهي الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في إفادة يومية عبر الإنترنت، أنّ “على إيران مثلها مثل أي دولة ترسل إليها الوكالة طلباً لدخول مواقع، أن ترد دون تأخير أو شروط، للسماح لمفتشي الوكالة بالتحقق من عدم وجود مواد أو أنشطة نووية غير معلنة على أراضيها”.

وعليه، لا يبدو النهج الإيراني القائم على الابتزاز مع باريس أو غيرها جديداً، ليبقى مصير “فريبا عادل خواه” وغيرها من مزدوجي الجنسية، رهناً لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الغربية، التي ما تزال ملتزمة به رغم انسحاب واشنطن منه، وهو ما قد يعني أنّ فريبا ربما لن ترى النور قريباً.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

معروف عن طهران انتهاجها سياسة الابتزاز بغية الضغط على الجهات التي تقابلها للحصول على مرادها منهم، ولعلّ ذلك ما يفسر الضغط الإيراني على مواطنين فرنسيين، من مزدوجي الجنسية (فرنسي-إيراني)، من خلال اعتقالهم وتوجيه الاتهامات التي يكون معظمها ملفقاً لهم، بغية الضغط على باريس في ملفها النووي تحديداً.

ولعلّ تلك المعادلة ما يمكن لها أن تفسر ما ذهبت إليه السلطة القضائية الإيرانية، في الثلاثين من يونيو الماضي، عندما عمدت إلى الحكم بالسجن 5 سنوات على المواطنة الفرنسية من أصول إيرانية، وهي فريبا عادل خواه، حين صرّح الناطق باسم السلطة القضائية، أنّ المحكمة أقرّت الحكم بالسجن 5 سنوات على فريبا عادل خواه، لإدانتها بما أسماها بـ”ارتكاب جرائم أمنية”، وذلك على الرغم من دعوة فرنسية سابقة لطهران بغية إطلاق سراحها.

 

وأتى الحكم الإيراني على المواطنة “عادل خواه”، رغم اعتبار وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لو دريان، في مايو الماضي، أنّ العلاقات مع إيران أصبحت أكثر صعوبة على خلفية توقيفها، مشيراً أنّ قرار اعتقالها له دوافع سياسية، لتجدّد فرنسا، في الخامس من يونيو، دعوتها لطهران بغية الإفراج عن الأكاديمية الفرنسية، لافتةً أنّ احتجازها يضر بالثقة بين البلدين.

حيث غرّد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على “تويتر” بالقول: “قبل عام اعتقلت فاريبا عادلخاه تعسفاً في إيران، من غير المقبول أن تظلّ في السجن”، مضيفاً: “رسالتي للسلطات الإيرانية: مطلبنا العادل هو الإفراج الفوري عن مواطنتنا”، لكن تلك الدعوة قوبلت برفض إيران قائلةً، إنّ ذلك يمثل تدخلاً في شؤونها الداخلية، ولن يساعد في حلّ المشكلة.

العلاقة بين المعتقلين والملف النووي الإيراني

ولا يبدو، في الحقيقة، أنّ التهم الموجهة إلى عادل خواه والمتمثلة بالجرائم الأمنية المزعومة، هي السبب الحقيقي لاعتقالها أو غيرها من الفرنسيين، فالعلاقة بين الجانبين تحكمها قضايا عدة، لعل أهمها الاتفاق النووي الإيراني الذي أمضته إيران في العام 2015، مع مجموعة دول “5+1” بغية إلغاء العقوبات المفروضة عليها، مقابل السماح بمراقبة دولية على برنامجها النووي، قبل أن تنسحب منه الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عام 2018، لتشدد طهران، من جهتها، عقب اغتيال اللواء قاسم سليماني بغارة أمريكية بالعراق، في يناير عام 2020، على أنّها لم تعد ملزمة بأيّة اتفاقيات أو قيود حول عملياتها النووية، بما في ذلك، قدرة التخصيب، ونسبة التخصيب، وكمية المواد المخصبة، والبحث والتطوير، كما لم تعد ملزمة بتحديد تعداد أجهزة الطرد المركزي المشغلة في المفاعلات النووية في البلاد.

 

ليبقى الاتفاق هشّاً، بالتزامن مع مطالبات باقي أطراف الاتفاق لإيران بضرورة الالتزام به، وهو ما طالب به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في السابع من أبريل الماضي، عندما دعا إيران إلى احترام تعهداتها النووية، وذلك أثناء محادثة مع الرئيس حسن روحاني، حيث ذكر بيان صادر عن قصر الإليزيه: “يأمل (ماكرون) أن تحترم إيران تعهداتها النووية وأن تحجم عن اتخاذ تدابير جديدة تتناقض مع خطة العمل الشاملة المشتركة، وأن تساهم في تخفيف التوتر الإقليمي”.

كما يمكن الإشارة، في ذات السياق، إلى تنبيه وزارة الخارجية الفرنسية، في التاسع والعشرين من أبريل الماضي، من أنّ رفع الحظر الأممي المفروض على الأسلحة الإيرانية في أكتوبر، ستكون له تداعيات على استقرار منطقة الشرق الأوسط، وذلك في توافق مع الموقف الأمريكي حول ذات القضية، إذ قال وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، قبل يوم (الثامن والعشرين من أبريل)، إنّهم لن يسمحوا لإيران بشراء أسلحة تقليدية عند رفع حظر السلاح المفروض عليها، كما أكّد بومبيو حينها أنّ الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالحصول على أسلحة غير تقليدية، منوّهاً إلى “أنّ طائرات الإرهاب الإيرانية تواصل نقل المقاتلين في الشرق الأوسط”.

إيران والاستعلاء أمام فرنسا

ولأنّ باريس لم تقبل الابتزاز الإيراني، مارست طهران المزيد من الابتزاز، فأوردت وكالة الأنباء الإيرانية، في السابع والعشرين من مايو الماضي، عن المتحدّث باسم وزارة الخارجية، عباس موسوي، قوله، إنّ تهديدات فرنسا وتدخلها يعقد قضية الأكاديمية الفرنسية من أصل إيراني، مسجونة في إيران، وذكرت الوكالة، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية قوله: “جرت متابعة هذه القضية في المحكمة مع مراعاة اللوائح، وحقوق المواطنة كانت مضمونة للسيدة عادل خاه”.

 

وأردف: “أيّ خطاب ينطوي على تهديد وتدخل، من شأنه أن يدفع القضية صوب مزيد من التعقيد.. إيران لا تقبل عدم احترام مبادئها الحاكمة، بما في ذلك استقلال القضاء”. فيما كانت قد اعتقلت طهران، في يونيو 2019، الخبيرة في الشؤون الشيعية في مركز الأبحاث الدولية بكلية العلوم السياسية بباريس، فاريبا عادل خاه، وزميلها المتخصص في القرن الأفريقي، في المركز نفسه رولان مارشال، ورغم مساعي باريس المستمرة للإفراج عنهما، لا تقرّ طهران بازدواج الجنسية، وتقوم بسجن الأجانب في إيران بشكل مضاعف، خاصة الذين يحملون جنسيتين، منذ انسحاب للولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، وإعادة فرضها عقوبات مشددة ضدها.

ضغوط فرنسية على طهران

ومع مواصلة باريس مهامها وفق ما هو منصوص عليه ضمن الاتفاق النووي الإيراني، ازدادت الهجمة الإيرانية على باريس عبر معتقليها الموجودين لديها، خاصة عقب أن أوضحت باريس، في السادس عشر من يونيو الماضي، أنّها تسعى مع الشركاء للضغط على إيران للسماح بدخول مفتشي وكالة الطاقة الذرية لمواقع ترفض طهران، حتى الآن، السماح لهم بزيارتها.

 

وأشارت فرنسا، حينها، أنّها تعمل مع بريطانيا وألمانيا لدفع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التابع للأمم المتحدة على الضغط على طهران، للتعاون على نحو كامل وفوري للسماح لمفتشي الوكالة بدخول مواقع لا تقبل طهران، حتى الآن، السماح لهم بزيارتها، إذ ذكرت أنييس فون دير مول، وهي الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في إفادة يومية عبر الإنترنت، أنّ “على إيران مثلها مثل أي دولة ترسل إليها الوكالة طلباً لدخول مواقع، أن ترد دون تأخير أو شروط، للسماح لمفتشي الوكالة بالتحقق من عدم وجود مواد أو أنشطة نووية غير معلنة على أراضيها”.

وعليه، لا يبدو النهج الإيراني القائم على الابتزاز مع باريس أو غيرها جديداً، ليبقى مصير “فريبا عادل خواه” وغيرها من مزدوجي الجنسية، رهناً لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الغربية، التي ما تزال ملتزمة به رغم انسحاب واشنطن منه، وهو ما قد يعني أنّ فريبا ربما لن ترى النور قريباً.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit