الديمقراطية..من فصل الدين إلى فصل المقدس عن الدولة

رسلان عامر
رسلان عامر

العالم الديمقراطي المتقدم ليس فيه اليوم أية دولة غير مفصولة عن الدين، فهذه القضية قد حسمت منذ زمن حسما نهائيا لا رجعة فيه!

وهذا يطرح تساؤلا فلسفيا عن السبب الذي جعل الديمقراطية وبناء الدولة الحديثة يتمّان بشكل يشكّل فصل الدين عنه أحد شروطه اللازمة؟!

هنا بالطبع يجب النظر في الأسس التي تتم عليها عملية البناء هذه، والغايات التي تسعى إليها، فأسس هذه العملية عقلانية علمية، وهي تتم على العقل والعلم، ويشكل العقل العلمي الحر دعامتها الأساسية، وهذا العقل لا يمكنه أن يكون كذلك إلا إذا امتلك الحرية التامة في السؤال والبحث والنقد والمساءلة والمراجعة بلا أية حظورات أو خطوط حمراء؛ وغاية هذه العملية هي الإنسان، فهي تسعى إلى سعادته، التي لا يمكن أن تتحقق إلا إذا شغل الإنسان فيها موقعا محوريا وقِـمّويا، بحيث لا يدور في فلك أية قضية أخرى..فلا تتقدم أو تعلو عليه، وهذا يقتضي أن يُنظر إلى الإنسان نظرة محض إنسانية تتمركز وتتركز على إنسانيته وحدها، وتجعل من كل الناس متساوين تماما انطلاقا من إنسانيتهم، وبغض النظر عن أية صفة أخرى، كما يقتضي أن يكون الإنسان حرا، فكل من الهوية وشرط المساواة الإنسانيين يقتضيان حرية الإنسان، فانعدامها يقزّم أو يلغي حيازة الذات المتبلورة الفاعلة، التي لا يمكن بلاها امتلاك هوية حقيقية، كما أن نقص أو غياب الحرية يضع الإنسان في موضع التبعية أو الخضوع لغيره، وهذا مناقض لمبدأ التساوي الإنساني.

هذه القضايا لا تتوافق مع طبيعة الدين، فهو لا يقوم على العقل، ولو كان كذلك لأصبح فلسفة وليس دينا، وهو إيماني تسليمي غيبي، ويعتمد مبدأ الحقيقة المتعالية المقدسة، القادمة من مستوى أعلى من مستوى الإنسان، ومتعال عن حدود العقل البشري، الذي يجب عليه أن يبقى في إطارها، ويبقى مسقوفا بها، وممنوعا عليه أي تشكيك بأطروحاتها أو أي نقد لمعطياتها!

كما أن الدين هو أيضا ذو طبيعة تمييزية، إذ أنه يمايز ويفارق بين الناس على أساس عقائدي، حيث ينقسم الناس فيه إلى مؤمنين وغير مؤمنين، وصفة الإيمان هذه تغدو هوية تعلو على الهوية الإنسانية نفسها، فيتم الحكم فيها على الإنسان والتعامل معه ليس وفقا لمؤهلاته الإنسانية، بل بناء على موقعه الديني، فيتعرض للانتقاص أو التهميش أو حتى الإلغاء بسبب دينه.

تاريخيا.. حدثت الكثير من الصراعات الدينية والمذهبية، واضطهد الكثير من العلماء والمفكرين بدعوى الكفر، وكثيرا ما تحالفت القوى الدينية مع الحكام والسلاطين وأعوانهم على قمع واستغلال شعوبها، واستـُغل الدين في مآرب غير إنسانية وضد إنسانية شتى!

هنا كان لا بد للعقل التحرري الإنساني من أن يحل مشكلة الدين هذه، فالدين يرفض حرية العقل وحرية الإنسان والمساواة بين الناس، ولا يمكنه إلا أن يضع نفسه فوق العقل والإرادة الحرة وعلى أساس إيمانوي محض، وأن يفارق بين الناس على أساس معتقدي، ولذا وجب إبعاد الدين عن عملية بناء الدولة والمجتمع الإنسانيين، وإحالته إلى الميدان الفردي ليدخل في نطاق حقوق وحريات الإنسان، ذلك أن الأطروحة الدينية المقدسة، الإيمانية الطابع، غير القابلة للنقد والتغيير، لا تتفق مع الأطروحة العقلية ذات الطابع البرهاني والنقدي، والقابلة للتعدد والتنوع والتطور، ما يجعل الطرح الديني ميتافيزيائيا سرمديا واستاتيكيا، مقابل ديناميكية العقل اللازمة لحركة المجتمع التقدمية التطورية؛ هذا ناهيك عن موضع الإنسان الثانوي في الأطروحة الدينية، وتغليب الديني على الإنساني، مقابل مركزية الإنسان في الأطروحة العقلية، وتقدُّم ورفعة الإنسانية على أي شيء آخر!

في إحالة الدين إلى إطار الفردية، يأخذ الدين موقعه الإنساني الحقيقي، ومن حيث المبدأ هو بذلك لا يهمـَّش ولا يقلـَّص، بل على العكس، فهذه الفردية وما يرتبط بها من حقوق هي قضية جوهرية في الديمقراطية، التي تعطي وحدها الحق الكامل للفرد بأن يكون فردا كما يشاء بشرط ألا يعتدي وألا يؤذي غيره كأفراد أو كمجتمع، وفقط في الديمقراطية تصبح الفردية ميدانا حقيقيا يمكن للفرد فيه يظهر فرديته بشكل حر فاعل، أما في كل الأنظمة غير الديمقراطية فالفردية إما تطمس أو تهمش، أما في الديمقراطية، فهي تتسع إلى أقصى حدود الممكن، وهذه السعة تكون مفتوحة وممتدة أمام الدين نفسه، ففيها لا يمنع دينٌ دينا، ولا يمنعه سلطان أو يستغله مستغـِل، وهو يبقى وينمو أو يتراجع وفقا لمدى قدرته على تلبية متطلبات الإنسان الروحية والانسجام مع مستواه العقلاني والمعرفي!

ليست مشكلة الديمقراطية مع الدين نفسه من حيث المبدأ، بل مع دوره وشكل ممارسته، ومع نمط الحقيقة الغير عقلاني والقدسي الذي يفرضه النظام الديني، فينشأ عنه حكما تقييد العقل وتفريق الناس، ولذا فـُصل الدين عن الشأنين الرسمي والجمعي، واتسع الفصل ليشمل كل عقيدة أو إيديولوجية تفعل فعل الدين.

في أنظمة الحكم الفردي، يوضع الحاكم موضع الإجلال والتعظيم، ويغدو فعليا شخصية مقدسة، لا يـُسمح بنقدها أو مخالفتها أو تغييرها، مهما كانت سياسته سيئة وعواقبها وخيمة على الشعب.

وفي الأنظمة القومية تصبح القومية بدورها مقدسة وكذلك العقيدة القومية، ويتم التفريق بين الناس على أساس قومي، ولا يسمح بعقائد وأفكار مغايرة.

وفي الأنظمة الشمولية التي كثيرا ما انزلقت إليها الأحزاب الشيوعية -مثلا- تصبح الإيديولوجيا مقدسة، ويتحول الحزب إلى حاكم مطلق، ويمنع التعدد والاختلاف والنقد على هذا المستوى.

ومن يخالف في هذه الأنظمة يشهر بوجه سيف التخوين كما يشهر سيف التكفير في الأنظمة الدينية، وكما يقسم الناس دينيا إلى مؤمنين وكفرة، يقسمون كذلك في هذه الأنظمة إلى موالين وخونة.

ومن هذا المنطلق لا تتبنى الدولة والمجتمع الديمقراطيين أية عقيدة رسمية دينية أو غير دينية، وفعليا تقف الدولة والمجتمع موقف الحياد من قضية المقدس، فتبنّي أي مقدس على الصعيدين الرسمي والجمعي يعني إعطائه قوة الفرْض، وتهميش غيره من المقدسات أو إلغائها، ما يقوض وحدة المجتمع الإنسانية، وحق الإنسان بالاختلاف، الذي لا تتم إنسانيته بدونه.

 

واليوم الدولة الديمقراطية لا تتخذ أي شكل من أشكال المقدس، فهي ليست دينية، وبنفس الوقت ليست قومية ولا إيديولوجية ولا زعامية! إنها دولة الجميع، وهي تقوم على أساس إنساني، وتتعامل مع مواطنها على أساس إنساني محض، وفردي محض، ولا علاقة لها بدينه أو طائفته أو قوميته أو حزبه أو أبطاله وهلم جرى، والعلاقة بينها وبينه منظمة تماما بالقانون الذي يشارك هو بصفته شخصا عاقلا حرا في وضعه وتفعيله.

 

في أحد أحاديثه عن الديمقراطية يقول رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق ليونيل جوسبان أنها مشاركة الناس في الحياة السياسية بذكاء، وفي  كتابه “ما الديمقراطية؟” يقول عنها عالم الاجتماع الفرنسي الكبير آلان تورين أنها النظام الذي يكون فيه الإنسان “ذاتا فاعلة”، ويتحدث عن أفول الدولة القومية في الغرب وعن التضاد بين الديمقراطية والطائفية!

 

بالطبع الدولة والإنسان الغربي لم يصبحا مثاليين، فالعيوب والمشاكل ما تزال هناك كثيرة، لكن مع ذلك، ومع أنه ما يزال لدى الإنسان في الغرب طائفته وقوميته ودينه وحزبه وسواها، وهذا كله من حقه، إلا أنه قد قطع شوطا كبيرا على طريق المشاركة الذكية الفاعلة في الحياة السياسية وفي غيرها من مجالات الحياة!

وهذا الإنسان تعلم بدرجة حسنة أن يضع مقدسه الخاص في إطار خصوصيته، وألا يحاول فرضه على النطاق العام، كي لا يصطدم بمقدسات الآخرين، فيحل الصراع محل البناء، وهذا ما تضمنه الدولة الديمقراطية المتطورة، التي لا تتخذ لنفسها مقدسا وتمنع فرض المقدسات من أي كان وبأي شكل كان، ولكنها بنفس الوقت تضمن حق كل شخص بالمقدس، وتلعب بذلك دورا أساسيا في عملية أنسنة المقدس، وليس فقط في حفظه وضمانه كحق كبير من حقوق الإنسان، بل وفي تهيئة السبيل لجعله عاملا فعالا في تنمية إنسانية الإنسان.. يجد فيه الإنسان المعنى الأعمق لوجوده الإنساني ويضيف به الكم والكيف الكبيرين من الغنى الثقافي الجوهري لعالمه الإنساني، وبذلك تكون الديمقراطية فعليا حامية للمقدس من الجور والاستغلال والضلال والتشوه، وكل ما يحوله إلى “فاقد للإنسانية أو متناقض معها”، فالمقدس في الديمقراطية لا يَضطهد ولا يُضطهد ولا يُستغل ولا يتعصب أو يتطرف، إنه فقط يتأنسن ويتماهى مع إنسانية الإنسان ليطور الإنسان ويتطور بالإنسان.

رسلان عامر

العالم الديمقراطي المتقدم ليس فيه اليوم أية دولة غير مفصولة عن الدين، فهذه القضية قد حسمت منذ زمن حسما نهائيا لا رجعة فيه!

وهذا يطرح تساؤلا فلسفيا عن السبب الذي جعل الديمقراطية وبناء الدولة الحديثة يتمّان بشكل يشكّل فصل الدين عنه أحد شروطه اللازمة؟!

هنا بالطبع يجب النظر في الأسس التي تتم عليها عملية البناء هذه، والغايات التي تسعى إليها، فأسس هذه العملية عقلانية علمية، وهي تتم على العقل والعلم، ويشكل العقل العلمي الحر دعامتها الأساسية، وهذا العقل لا يمكنه أن يكون كذلك إلا إذا امتلك الحرية التامة في السؤال والبحث والنقد والمساءلة والمراجعة بلا أية حظورات أو خطوط حمراء؛ وغاية هذه العملية هي الإنسان، فهي تسعى إلى سعادته، التي لا يمكن أن تتحقق إلا إذا شغل الإنسان فيها موقعا محوريا وقِـمّويا، بحيث لا يدور في فلك أية قضية أخرى..فلا تتقدم أو تعلو عليه، وهذا يقتضي أن يُنظر إلى الإنسان نظرة محض إنسانية تتمركز وتتركز على إنسانيته وحدها، وتجعل من كل الناس متساوين تماما انطلاقا من إنسانيتهم، وبغض النظر عن أية صفة أخرى، كما يقتضي أن يكون الإنسان حرا، فكل من الهوية وشرط المساواة الإنسانيين يقتضيان حرية الإنسان، فانعدامها يقزّم أو يلغي حيازة الذات المتبلورة الفاعلة، التي لا يمكن بلاها امتلاك هوية حقيقية، كما أن نقص أو غياب الحرية يضع الإنسان في موضع التبعية أو الخضوع لغيره، وهذا مناقض لمبدأ التساوي الإنساني.

هذه القضايا لا تتوافق مع طبيعة الدين، فهو لا يقوم على العقل، ولو كان كذلك لأصبح فلسفة وليس دينا، وهو إيماني تسليمي غيبي، ويعتمد مبدأ الحقيقة المتعالية المقدسة، القادمة من مستوى أعلى من مستوى الإنسان، ومتعال عن حدود العقل البشري، الذي يجب عليه أن يبقى في إطارها، ويبقى مسقوفا بها، وممنوعا عليه أي تشكيك بأطروحاتها أو أي نقد لمعطياتها!

كما أن الدين هو أيضا ذو طبيعة تمييزية، إذ أنه يمايز ويفارق بين الناس على أساس عقائدي، حيث ينقسم الناس فيه إلى مؤمنين وغير مؤمنين، وصفة الإيمان هذه تغدو هوية تعلو على الهوية الإنسانية نفسها، فيتم الحكم فيها على الإنسان والتعامل معه ليس وفقا لمؤهلاته الإنسانية، بل بناء على موقعه الديني، فيتعرض للانتقاص أو التهميش أو حتى الإلغاء بسبب دينه.

تاريخيا.. حدثت الكثير من الصراعات الدينية والمذهبية، واضطهد الكثير من العلماء والمفكرين بدعوى الكفر، وكثيرا ما تحالفت القوى الدينية مع الحكام والسلاطين وأعوانهم على قمع واستغلال شعوبها، واستـُغل الدين في مآرب غير إنسانية وضد إنسانية شتى!

هنا كان لا بد للعقل التحرري الإنساني من أن يحل مشكلة الدين هذه، فالدين يرفض حرية العقل وحرية الإنسان والمساواة بين الناس، ولا يمكنه إلا أن يضع نفسه فوق العقل والإرادة الحرة وعلى أساس إيمانوي محض، وأن يفارق بين الناس على أساس معتقدي، ولذا وجب إبعاد الدين عن عملية بناء الدولة والمجتمع الإنسانيين، وإحالته إلى الميدان الفردي ليدخل في نطاق حقوق وحريات الإنسان، ذلك أن الأطروحة الدينية المقدسة، الإيمانية الطابع، غير القابلة للنقد والتغيير، لا تتفق مع الأطروحة العقلية ذات الطابع البرهاني والنقدي، والقابلة للتعدد والتنوع والتطور، ما يجعل الطرح الديني ميتافيزيائيا سرمديا واستاتيكيا، مقابل ديناميكية العقل اللازمة لحركة المجتمع التقدمية التطورية؛ هذا ناهيك عن موضع الإنسان الثانوي في الأطروحة الدينية، وتغليب الديني على الإنساني، مقابل مركزية الإنسان في الأطروحة العقلية، وتقدُّم ورفعة الإنسانية على أي شيء آخر!

في إحالة الدين إلى إطار الفردية، يأخذ الدين موقعه الإنساني الحقيقي، ومن حيث المبدأ هو بذلك لا يهمـَّش ولا يقلـَّص، بل على العكس، فهذه الفردية وما يرتبط بها من حقوق هي قضية جوهرية في الديمقراطية، التي تعطي وحدها الحق الكامل للفرد بأن يكون فردا كما يشاء بشرط ألا يعتدي وألا يؤذي غيره كأفراد أو كمجتمع، وفقط في الديمقراطية تصبح الفردية ميدانا حقيقيا يمكن للفرد فيه يظهر فرديته بشكل حر فاعل، أما في كل الأنظمة غير الديمقراطية فالفردية إما تطمس أو تهمش، أما في الديمقراطية، فهي تتسع إلى أقصى حدود الممكن، وهذه السعة تكون مفتوحة وممتدة أمام الدين نفسه، ففيها لا يمنع دينٌ دينا، ولا يمنعه سلطان أو يستغله مستغـِل، وهو يبقى وينمو أو يتراجع وفقا لمدى قدرته على تلبية متطلبات الإنسان الروحية والانسجام مع مستواه العقلاني والمعرفي!

ليست مشكلة الديمقراطية مع الدين نفسه من حيث المبدأ، بل مع دوره وشكل ممارسته، ومع نمط الحقيقة الغير عقلاني والقدسي الذي يفرضه النظام الديني، فينشأ عنه حكما تقييد العقل وتفريق الناس، ولذا فـُصل الدين عن الشأنين الرسمي والجمعي، واتسع الفصل ليشمل كل عقيدة أو إيديولوجية تفعل فعل الدين.

في أنظمة الحكم الفردي، يوضع الحاكم موضع الإجلال والتعظيم، ويغدو فعليا شخصية مقدسة، لا يـُسمح بنقدها أو مخالفتها أو تغييرها، مهما كانت سياسته سيئة وعواقبها وخيمة على الشعب.

وفي الأنظمة القومية تصبح القومية بدورها مقدسة وكذلك العقيدة القومية، ويتم التفريق بين الناس على أساس قومي، ولا يسمح بعقائد وأفكار مغايرة.

وفي الأنظمة الشمولية التي كثيرا ما انزلقت إليها الأحزاب الشيوعية -مثلا- تصبح الإيديولوجيا مقدسة، ويتحول الحزب إلى حاكم مطلق، ويمنع التعدد والاختلاف والنقد على هذا المستوى.

ومن يخالف في هذه الأنظمة يشهر بوجه سيف التخوين كما يشهر سيف التكفير في الأنظمة الدينية، وكما يقسم الناس دينيا إلى مؤمنين وكفرة، يقسمون كذلك في هذه الأنظمة إلى موالين وخونة.

ومن هذا المنطلق لا تتبنى الدولة والمجتمع الديمقراطيين أية عقيدة رسمية دينية أو غير دينية، وفعليا تقف الدولة والمجتمع موقف الحياد من قضية المقدس، فتبنّي أي مقدس على الصعيدين الرسمي والجمعي يعني إعطائه قوة الفرْض، وتهميش غيره من المقدسات أو إلغائها، ما يقوض وحدة المجتمع الإنسانية، وحق الإنسان بالاختلاف، الذي لا تتم إنسانيته بدونه.

 

واليوم الدولة الديمقراطية لا تتخذ أي شكل من أشكال المقدس، فهي ليست دينية، وبنفس الوقت ليست قومية ولا إيديولوجية ولا زعامية! إنها دولة الجميع، وهي تقوم على أساس إنساني، وتتعامل مع مواطنها على أساس إنساني محض، وفردي محض، ولا علاقة لها بدينه أو طائفته أو قوميته أو حزبه أو أبطاله وهلم جرى، والعلاقة بينها وبينه منظمة تماما بالقانون الذي يشارك هو بصفته شخصا عاقلا حرا في وضعه وتفعيله.

 

في أحد أحاديثه عن الديمقراطية يقول رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق ليونيل جوسبان أنها مشاركة الناس في الحياة السياسية بذكاء، وفي  كتابه “ما الديمقراطية؟” يقول عنها عالم الاجتماع الفرنسي الكبير آلان تورين أنها النظام الذي يكون فيه الإنسان “ذاتا فاعلة”، ويتحدث عن أفول الدولة القومية في الغرب وعن التضاد بين الديمقراطية والطائفية!

 

بالطبع الدولة والإنسان الغربي لم يصبحا مثاليين، فالعيوب والمشاكل ما تزال هناك كثيرة، لكن مع ذلك، ومع أنه ما يزال لدى الإنسان في الغرب طائفته وقوميته ودينه وحزبه وسواها، وهذا كله من حقه، إلا أنه قد قطع شوطا كبيرا على طريق المشاركة الذكية الفاعلة في الحياة السياسية وفي غيرها من مجالات الحياة!

وهذا الإنسان تعلم بدرجة حسنة أن يضع مقدسه الخاص في إطار خصوصيته، وألا يحاول فرضه على النطاق العام، كي لا يصطدم بمقدسات الآخرين، فيحل الصراع محل البناء، وهذا ما تضمنه الدولة الديمقراطية المتطورة، التي لا تتخذ لنفسها مقدسا وتمنع فرض المقدسات من أي كان وبأي شكل كان، ولكنها بنفس الوقت تضمن حق كل شخص بالمقدس، وتلعب بذلك دورا أساسيا في عملية أنسنة المقدس، وليس فقط في حفظه وضمانه كحق كبير من حقوق الإنسان، بل وفي تهيئة السبيل لجعله عاملا فعالا في تنمية إنسانية الإنسان.. يجد فيه الإنسان المعنى الأعمق لوجوده الإنساني ويضيف به الكم والكيف الكبيرين من الغنى الثقافي الجوهري لعالمه الإنساني، وبذلك تكون الديمقراطية فعليا حامية للمقدس من الجور والاستغلال والضلال والتشوه، وكل ما يحوله إلى “فاقد للإنسانية أو متناقض معها”، فالمقدس في الديمقراطية لا يَضطهد ولا يُضطهد ولا يُستغل ولا يتعصب أو يتطرف، إنه فقط يتأنسن ويتماهى مع إنسانية الإنسان ليطور الإنسان ويتطور بالإنسان.

رسلان عامر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit