آيا صوفيا وأوهام المجد | The Levant

آيا صوفيا وأوهام المجد

هوازن خداج
هوازن خداج

وسط الانقسام بين مؤيّد ومعارض ومحايد حول تحويل آيا صوفيا لمسجد، يعود التاريخ ليحطّ رحاله فوق مكان اكتسب خصوصيّة فيما شهده من أحداث تاريخيّة وتسجيله للانفصال المسيحي (الكاثوليكي -الأورثوذكسي) في مجمع خلقيدونية سنة 451م، وتحالفهم المؤقت عام 1452م لمنع التمدد الإسلامي في عهد الإمبراطورية العثمانية، ثم اعتباره مسجداً بعد أن استولى عليه السلطان محمد الفاتح أثناء الصراع الإمبراطوري المسيحي/الإسلامي، وأقام أول مئذنة بـ”آيا صوفيا” عام 1453. آيا صوفيا

واكتسب رمزية مضافة باعتباره شاهداً على تحولات تركيا نفسها من الزمن العثماني إلى الجمهورية التركية، في عهد أتاتورك، ثم الالتفاف عكساً من الجمهورية إلى السلطنة على يد الرئيس أردوغان، بتحويل آيا صوفيا لمسجد، منتفضاً على الماضي العلماني في رمزية المتحف، وعلى الحاضر في السير على خطى الفاتحين، لمداعبة حلم المجد الغابر مستخدماً رمزية المكان لاستعادة ما كان.

تحويل آيا صوفيا لمسجد لا يمكن اعتباره حدثاً عابراً أو مقارنته بغيره من سوابق تاريخية قام بها آخرون، فلكل حادثة سياقها وأسبابها ونتائجها. والقرار الحالي لتركيا لا يمكن تناوله بعيداً عما يجري من تحولات داخل الجمهورية التركية نفسها، وفق المنهج الذي رسم معالم سياستها وارتباطاتها وتحركاتها على المستويين، الإقليمي والدولي، بالاعتماد على المنطلقات الفكرية لحزب العدالة والتنمية، الذي يسعى لانتصار الهوية الإسلامية والخلاص من الهوية الثانية التي صاغها كمال أتاتورك، في رحلة الانضمام إلى العالم الأوروبي المتحضّر، وإطلاقه مرحلة تحديث وعلمنة تركيا في عام 1923، حتى وفاته 1938، واعتبارها الخط الفاصل بين العالم الإسلامي في الشرق، والعالم المسيحي في الغرب، ليعود الصراع الهويّاتي في المرحلة اللاحقة، وظهور الدين مرة أخرى في الواجهة السياسية التركية، مع تسلّم أحزاب ذات ميول إسلامية للسلطة، ابتداء من 1960 وصولاً إلى يومنا، وما رافقه من إشكاليات عدم قدرتها على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لأسباب موضوعية وذاتية، انعكس سلباً في مسألة سعيها لإتمام التحوّل العلماني.

استكملت تركيا تخلّيها عن العلمانية بدخولها دوامة المتغيرات التي طالت منطقة الشرق الأوسط، عموماً، عقب الثورة الإيرانية، وأزمات المنطقة العربية الإسلامية إثر التمدد الشيعي، ورغبتها في حثّ الخطى باتجاه الاستفادة من عوامل القوة لديها، القائمة على مكانتها الجيوسياسية في المنطقة، وعلى أهميتها في الإستراتيجية الأميركية لحصار إيران، كما أنّ سلطة الحكم في تركيا كانت تسير وفق إيعاز أميركي في المرحلة الأولى من التصدّع السوري، وتتناغم مع اتجاهات الإخوان المسلمين، فحزب العدالة والتنمية الإخواني قادر على بناء تحالفات مختلفة بالادعاء أنّه الطرف الوحيد الذي يستطيع لعب دور “الحامي” للأغلبية السنية من “الخطر الإيراني”، ثم إعلاء هذا الشأن للوصول نحو تحقيق مجد (الأمة الإسلامية)، وأخذ تركيا مكانتها المفترضة بالنسبة لدولة كانت يوماً ما إمبراطورية إسلامية.

الوضع السوري بتشابكاته وأزماته، لم يسمح عموماً بإعلاء شأن الدور التركي لدرجة التسيّد الإسلامي السنّي، كمقابل لتصدير الثورة الشيعية، بل جعل تركيا أكثر ضعفاً من تنفيذ أحلامها، واقتصر دورها على حاضنة للمجموعات المسلحة وللمعارضة الإسلامية، والعمل من خلال منظومة التحالف مع الدول الضامنة للأزمة السورية (روسيا وإيران) والقيام بتدخل متفق عليه في أغسطس من العام 2016، والسيطرة على مناطق عديدة، أدخلتها في إشكاليات مختلفة على صعيد المنطقة، من دعم الإرهاب وارتكاب الجرائم الإنسانية المختلفة بحق السوريين، عرباً وكرداً، في المنطقة المجاورة.

ولكنها لم تثنِها عن محاولة الاستفادة من أوجه الصراعات المنتشرة والكثيرة، التي ما تزال تقودها رغبة أردوغان بالزعامة الإقليمية التي بدأها، أولاً، باحتضانه للإخوان المسلمين، ومحاولة التغلغل التركي في الدول العربية الإسلامية، وأهمها القدس، متّخذاً شكل جمعيات خيرية، كمنظمة IHH ومنظمة تيكا، لتخليص القدس من أيدي المشروع الإيراني ومن أيدي العرب، وتحويلها إلى قضية إسلامية بحتة، وهذا ما ظهر جلياً في البرنامج الانتخابي الرئاسي لأردوغان 2018، متعهداً بمواصلة الجهود حتى ينال الشعب الفلسطيني وطنه الحرّ، ويتحقق الأمان والسلام في قبلتنا، القدس. ومؤخراً توجهه نحو ليبيا لاستكمال دائرة الانتهاكات طمعاً بالمكاسب المحتملة، والسعي لتحقيق طموحاته في إستراتيجية السيادة الإسلامية. معطيات المنطقة المتغيرة سياسياً بسرعة فائقة، لم تسمح لأردوغان بتحقيق حلمه في قيادة الشرق الأوسط، انطلاقاً من سوريا، والصلاة في الأموي، حسب تصريحه في 2012، حينما كان رئيساً للوزراء، قائلاً: “إن شاء الله سندخل الشام في أقرب وقت ممكن، سنقرأ الفاتحة على قبر صلاح الدين الأيوبي، وسنصلّي في المسجد الأموي”. وتكلّلت في ضعف قدرتها على إمساك زمام الأمور ومحاولة إدارة أزمتها من موقع الضعف في العودة إلى قرارات لوزان، والابتزاز في استخدام ورقة اللاجئين السوريين على أراضيها للضغط على أوروبا وتوسيع الشرخ بين الضفتين.

الغاية التي وضعها أردوغان نصب عينيه في تنصيب نفسه “قائداً عرفياً” للمسلمين السنّة في العالم العربي، لاستعادة حلم الأمة الإسلامية، مرتبطة بالإمبراطورية العثمانية، والاندفاع نحو أسلمة تركيا والانقلاب على العلمانية، أبعدها عن إمكانية التقارب المحتملة مع الدول الأوروبية، ويشكّل قرار تحويل كنيسة آيا صوفيا لمسجد، تتويجاً لها.

تحويل المتحف لمسجد مهما كانت مبرراته في الحصول على بعض المكاسب الانتخابية، أو الالتفاف على أزمات الداخل والخارج، أو غيرها، وأياً كانت المحاولات في إضفاء المشروعية على هذا التحول، باعتباره حقّاً مشروعاً لها منذ زمن الإمبراطورية، فإنّها لا تقدم بلغة المصالح الاقتصادية أو السياسية انتصاراً، بل خسارة على كلا المستويين. ولا يتعدّى توظيفها للدين الإسلامي وتحويله إلى ورقة سائلة في العلاقة بين الدين والعلمانية في تركيا، فاستمرارية استخدام الدين الإسلامي، كقوة مقدّسة مضافة، لم يفقد فعاليته بل صار سلاحاً قابلاً للتدوير، ينتقل من يد لأخرى، ويمكن استخدامه من قبل الجميع، أفراداً وجماعات ورؤساء ودولاً، هذه الورقة البائسة التي يرفعها المسلمون لحشد المؤيدين في الانتصار وفي العجز، لم تقدّم سابقاً سوى سكاكين تنغرز في خاصرة الدين الإسلامي، ولن تقدم حالياً سوى سيف سلطنة سيصيب صدؤه المسلمين أنفسهم، على الأقل في أوروبا.

بالنتيجة، لا ربح سيجنيه الشعب التركي بتحويل متحف يضم أثر التاريخ للإمبراطوريات الغابرة، لمسجد فائض عن اللزوم، ولا نصر سيجنيه المسلمون بتحويل مَعلم إنساني صار مُلك البشرية بقرار منظمة اليونسكو، لمَعلم إسلامي. إنّه استكمال لدائرة الخيبة التي يجنيها الإسلام السياسي في بحثه المأزوم عن وهم الماضي، عبر حركات جهادية أو رؤساء أو دول، لينتشلوهم من مظلومية سنّية يجري استغلالها ليسقطوا أكثر خارج التاريخ.

ليفانت – هوازن خداج  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

آيا صوفيا وأوهام المجد

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك

قناتنا على اليوتيوب