مادورو متشبّث بالسلطة على ما بقي من أنقاض فنزويلا

مادورو

يبدو أنّ الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، مُصرّ على التشبّث بالسلطة والحكم التي تلقفها من سابقه، هوغو تشافيز، مهما كلّف ذلك بلاده المنقسمة إلى فريقين، بينه وبين رئيس البرلمان خوان غوايدو، حيث تعيش البلاد انقساماً سياسياً كبيراً بسبب الصراع المتصاعد بين الجانبين، منذ يناير 2019.

ويحظى غوايدو بدعم من الولايات المتّحدة والدول الغربية، بمواجهة الرئيس نيكولاس مادورو، المدعوم من قطب آخر متمثّل بالدول المعادية لأمريكا، ومنها إيران، الأمر الذي فاقم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها فنزويلا بالأصل، نتيجة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها منذ سنوات.

وما بين اتهام مادورو المتكرّر لخصومه السياسيين بمحاولة إسقاط إدارته بدعم أمريكي، وتشبّثه بالسلطة والحكم، يعاني الشعب الفنزويلي الأمرّين، في ظلّ عقوبات تشلّ صادرات النفط في بلده العضو في منظمة أوبك.

محاولات الانقلاب المستمرّة

ومنذ تقلّد مادورو للحكم، تعرّض لمجموعة من الحوادث، كان أبرزها، محاولة اغتياله بطائرة درون، في الخامس من أغسطس العام 2018، ليتكرّر ذلك في بداية مايو الماضي، عندما قالت فنزويلا، إنّها أفشلت محاولة توغّل عن طريق البحر لـ”مرتزقة إرهابيين” سعوا لدخول البلاد لتنفيذ انقلاب على السلطة قادمين من كولومبيا المجاورة.

وفي الخامس من مايو، وجّه مادورو أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقال إنّ أحد المعتقلين الأمريكيين الذين سعوا إلى دخول البلاد لتنفيذ انقلاب على السلطة، كان يعمل حارساً شخصياً للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: تركيا تُحاكم مُواطنة كُردية سُورية، وترفض إخلاء سبيلها

فيما عدّت واشنطن تصريحاته حول وجود “مؤامرة لغزو” بلاده بمشاركة مواطنين أمريكيين اعتقلتهما كراكاس بأنّه مجرد “ميلودراما” و”حملة تضليل ضخمة”، حيث صرّح متحدّث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تعقيباً على الاتهام: “هناك حملة تضليل ضخمة يقوم بها نظام مادورو، مما يجعل من الصعب التمييز بين الحقائق والدعاية”.

ونوّه المتحدّث باسم الخارجية إلى أنّ “مادورو وشركاءه معروفين بأكاذيبهم وتلاعباتهم”، مطالباً بعدم أخذ كل ما يصدر عن السلطات الفنزويلية على محمل الجد، مشدداً أنّ “ما هو مؤكد” بالنسبة لبلاده هو أنّ فنزويلا “تستخدم هذا الحدث لتبرير قمع متزايد”، فيما أكد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ووزير الدفاع في إدارته، مارك إسبر، عدم وجود أي علاقة للولايات المتحدة بمحاولة الانقلاب في فنزويلا.

وهو ما ذهب إليه مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، في الثامن من مايو، عندما قال إنّ الولايات المتّحدة “لم تهاجم” الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ولم تسعَ للإطاحة به، مشدداً أنّه لو أراد، لكان ذلك بشكل “علني ومباشر وفعال”.

وأردف المجلس: “إنّ الإدارة الأمريكية لا تزال تركّز على أغراضنا السياسية لتحقيق انتقال ديمقراطي سلمي في فنزويلا”، وأوضحت واشنطن تمسكها بشرعيّة زعيم المعارضة الفنزويلية، خوان غوايدو، رئيساً لفنزويلا، قائلةً: “تراقب الولايات المتّحدة عن كثب أي تهديدات محتملة لسلامة وأمن الزعيم الشرعي لفنزويلا، خوان غوايدو”.

نظرية المؤامرة من أمريكا إلى كولومبيا

ولا يكتفي مادورو بتوجيه الاتهام للولايات المتّحدة، حيث اتّهم مادورو دولة كولومبيا، بالوقوف إلى جانب الولايات المتّحدة والمعارضة الفنزويلية، وتنفيذ “غزو بحري” لبلاده بهدف الإطاحة به، مدعياً وجود معلومات حول إعداد كولومبيا مسلحين جدد للهجوم على بلاده.

وقال مادورو في مؤتمر صحفي، في الرابع عشر من مايو: “تخضع مجموعات من الإرهابيين والمرتزقة للتدريب في كولومبيا، بهدف إشعال الحرب ضدّ فنزويلا مدعومة من رئيس كولومبيا إيفان دوكي”.

اقرأ أيضاً: إيران التي لا ترى مسلّتها وتُشاهد إبرة واشنطن

اتهامات رفضتها كولومبيا، حيث ذكر وزير الدفاع الكولومبي، كارلوس هولميس، في تصريح للإذاعة المحلية، في السادس عشر من مايو، أنّ “هذه أكاذيب مطلقة، وموقف كولومبيا تجاه فنزويلا واضح تماماً، وقد أفصحت عنه أمام جميع المحافل الدولية عندما كنت وزيراً للخارجية”، وأردف: “إنّ كولومبيا تستخدم كل الآليات الممكنة لتهيئة الظروف للتغيير في فنزويلا، وهذا ما يؤكد عليه الرئيس إيفان دوكي.

التحالف مع إيران

وليست الإشكالية فقط في إصرار مادورو على عدم الامتثال لصناديق الاقتراع، حيث صوت 100 من أصل 167 نائب في الجمعية الوطنية لمنافسه غوايدو، في بداية يناير الماضي، بل يتعدّاها إلى التحالفات المشبوهة لنظام مادورو مع دول ذات سجل سيء في حقوق الإنسان والانتخابات، كإيران، والتي كانت آخر صورها، تزويد طهران نظام مادورو بخمس ناقلات نفطية، بغية تغطية احتياجاتها النفطية المتفاقمة في ظلّ الفساد والخراب الذي طال القطاع النفطي الفنزويلي نتيجة الصراع على السلطة فيها.

كما يظهر ذلك التحالف، من خلال المساندة السياسية بين الجانبين، كالرسالة التي تم توجيهها، في الثامن عشر من مايو الماضي، عندما بعثت 10 دول رسالة إلى المفوضة السامية لحقوق الإنسان، تطالب فيها بالرفع الفوري للعقوبات الأحادية الجانب وبشكل خاص تلك التي تفرضها الولايات المتحدة، وهي كل من: روسيا، الصين، إيران، سوريا، كوبا، فنزويلا، زمبابوي، كوريا الشمالية، نيكاراغوا، وكمبوديا.

اقرأ أيضاً: “هونغ كونغ” وحلبة الصراع الجديدة بين الصين والغرب

قائمة دول يكفي التمعن فيها لمعرفة أي أنظمة تحكمها، خصوصاً في سوريا وصولاً إلى كوريا الشمالية وفنزويلا وإيران، حيث قالت تلك الدول في رسالتها أنّ التضييق المالي والمصرفي والعقوبات على عدّة قطاعات اقتصادية على البلدان المستهدفة، أدّى إلى حرمان هذه الأمم من مواردها الماليّة من جهة ومنعهم من استيراد المواد المنقذة للحياة كالأدوية والمعدّات الطبية من جهة أخرى.

وفي ظلّ عدم اعتراف كثير من دول العالم بمادورو، وإصرار الأخير على مواجهة خصمه غوايدو بدعم من الجيش الفنزويلي، يبدو أنّ تلك البلاد ستبقى طويلاً في قائمة الدول العشرة السابقة، خاصة مع دعم دول كثير للمعارضة الفنزويلية في مواجهته، ليبقى الحديث الفصل للشعب الفنزويلي، الذي لا يبدو أنّه سيجد خيراً مادام الصراع مستمراً، خاصة لو تمكن مادورو من الغلبة.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة