كوميديا 2020 السورية تعاني من عدم الاحترافية

بسام سفر

تستند الكوميديا السورية في العقدين الأخيرين إلى آليات العمل الجماعي وفق صيغة اللوحات التي أثبتت حضورها في المحطات الفضائية العربية، خصيصاً التي عمل عليها المخضرم ياسر العظمة في “مرايا” حتى أصبحت ظاهرة كوميدية سورية، وتقاطع معها خريجو المعهد العالي للفنون المسرحية، في سلسلة “بقعة ضوء” بأجزائها التي وصلت إلى أكثر من(12) جزءاً. كوميديا 2020 السورية 

بينما كانت الكوميديا السورية تستند في الإضحاك التعبيري البصري إلى أمرين: الأول، غرائبيّة التصرّف لبعض الشخصيات، والثاني، التناقض والطرافة في تشكيل المشهد منذ الثنائي (دريد، نهاد) إلى محاولات إيجاد ثنائيات جديدة (باسم ياخور، الراحل نضال سيجري) في ضيعة ضايعة، (دريد لحام، رشيد عساف) في الخربة.

ورغم التراجع الحاد بالإنتاج الدرامي السوري في الموسم 2020، إلا أنّه بقي محافظاً على تنوع كوميدي من زاوية الشكل العام للأعمال الدرامية الكوميدية حيث قدّم “ببساطة”، الذي يعتمد على لوحات درامية كوميدية، وإلى جانب ذلك “هواجس عابرة” الذي يقدّم حلقات متصلة منفصلة، و”بوشنكي” الذي حاز على تقييم سيء في الحضور الدرامي. كوميديا 2020 السورية 

ولذا وجدنا أنّ الفضائيات السورية استعانت بقديم بقعة ضوء ومختاراتها، وأيضاً ع المكشوف وعربيات لملئ الفراغ الكوميدي السوري هذا العام.

لكن لوحات ببساطة لم تستطيع الخروج من عباءة بقعة ضوء، فعملية إضحاك الناس في الواقع السوري المرير أصبحت من المهام الصعبة جداً، ونجد ذلك في أكثر من لوحة، منها “خطة” التي كتبها معن سقباني، عن كيفية الحصول على طاولة طعام كبيرة في ظل المباريات الدولية المنقولة على الفضائيات بدون دفع ثمن الأكل والمشروب والأراكيل، وهي من بطولة (أحمد الأحمد، وعبد المنعم عمايري)، ويستمرّ السطو على المطاعم بدون دفع ثمن الطعام الموجود على الطاولة إلى أن يقع الاثنان في أحد مباريات الدوري السوري، إذ لا يبقى أحد في المطعم غيرهما، وعندها لا يستطيعان المغادرة، فيخرج لهما جميع أصحاب المطاعم التي أكلوا بها، وتبدأ حفلة الضرب لهما.

أما لوحة التحقيق التي كتبها “طوني خليفة” تعالج وضعية الصحفي “عبد المنعم عمايري، رامي” الذي يرغب في كتابة تحقيق صحفي عن فساد شركة رامي مشنشط وحساباتها الوهمية من خلال صفقة “التحاميل”، وصفقة “مربى المشمش” الفاسد، وتعين شركة الأيادي النظيفة ابن الصحفي رامي فيها، ويشيد صاحب الشركة بالصحفي، ويوضّح الابن للأب أنّ (راتبه 300 ألف ليرة) مع تأمين صحي وسيارة، مما يدفعه لتغيير رأيه بالشركة وصاحبها، فالرشوة لم تكن له، وإنما في الاستثمار، الابن.

رغم تميّز بعض اللوحات في عملية الإسقاط الاجتماعي حول حضور البخل مثل لوحة “معي المفتاح” من تأليف مازن طه، وتضخيم الظاهرة على مستوى العلاقات العاطفية والإعجاب، إلا أنّ ذلك يظهر مقدار المهادنة وعدم الاحتجاج بعلاقته مع زوجته وابنه، في حين تظهر بعض اللوحات تطوّر الأداء في الصراخ الصوتي بعيداً عن ترابط الصوت والحركة والأداء المدروس، وهذا يتضح في أداء باسم ياخور في لوحة، وعلاقته بزوجته والنصيحة التي يقدمها لزميله في كيفية إقناع زوجته بصدق ما يقول لتبرير التأخير الدائم عنها وعن الحضور في البيت.

لكن المفاجأة في نهاية اللوحة، عندما تنادي عليه زوجته، يخرج مباشرة ليس عن طريق الدخول، وإنما عن طريق التخبيط في مياه بحرة (المقهى) نتيجة خوفه من زوجته إذ كان يدّعي أنّها ترتعب منه لمجرد سماع صوته.

والإسقاط الاجتماعي هنا هو اللون الكوميدي بذاته بعيداً عن الاعتماد على الشخصية الكوميدية، لكن المبالغة في الأداء يأخذ الحالة نحو التهريج وليس نحو الكوميديا.

وإذا كان للوحات الكوميدية قدرة على جذب المشاهد نحو المتابعة نتيجة تعدّد اللوحات ومدتها القصيرة، يصبح الأمر مفجعاً في الكوميدي الاجتماعي ذي الحلقات المتصلة المنفصلة “هواجس عابرة”، وهو يقع في بناء واحد مؤلف في عدة طوابق ومحال فيه “استديو تصوير، عيادة طبية، كوافيرا، ومحل تجميل، محال تجارية…”. كوميديا 2020 السورية 

والطابق الثاني شقة سكنية فيها زوجان، الزوج يغار على زوجته كثيراً ويحاول أن يعزلها عن البناء وسكانه ومحيطها، وتعاني الأحداث من البطء الشديد في البناء الدرامي الخاص بكل حلقة، فالغيرة التي يعاني منها الزوج “أحمد الأحمد” على زوجته “كاريس بشار”، لكن الحدثين الأبرز في أكثر من حلقة، هي عمليه سرقة البناء من قبل شخصية ذات سوابق تسهر مع الأحمد في منزله لتقوم بسرقة كاملة لمحلات البناية وعيادتها، ويتحوّل موضوع إثبات عدم تورّط الأحمد إلى مشكلة المشاكل، وقبل ذلك علاقة الزوج مع بقية سكان البناء بعد حرد زوجته في بيت أهلها وعمليات نشر الغسيل على المناشر _الأسياخ_ أمام “برندا” الشقة، والثياب مازالت مبتلة بالمياه حيث تسقط المياه على رؤوس السكان في الطابق الأسفل، ويتابع نشر الغسيل على مستطبات الدرج، وعلى الأدراج ذاتها بحيث تعيق الصعود والنزول، والشكاوي التي يقدمها الحكيم “جرجس جبارة” والد المتزوج “الأحمد”، بحيث يستطيع حل المشاكل عن طريق الأب عندما يعتذّر الحوار مع الابن.

إنّ الأحداث العادية لا تصنع الإضحاك إذ يحتاج الأمر إلى رصد المضحك في كافة الزوايا، وفي العمل الدرامي “هواجس عابرة” كان هناك محاولة لإيجاد المضحك عبر إدخال “لهجة أهل السويداء” في محيط الطبيب “فادي صبيح”، لكن هذا الخط اللهجوي لم يدعم بأحداث قادرة على خلق كوميديا لهجة في العمل الدرامي، إذ إنّ خلق شخصية كوميدية تحتاج إلى مشهدية وتصعيد وتطوير كوميدي ينقل التناقضات والتفاصيل التي تثير الضحك إلى حيّز يبرز التطرّف تجاه الحالة والصورة في داخل حركة الحياة.

فاللهجة عنصر كوميدي موجود كمعطى في الشخصية، يتحوّل داخل الصورة الاجتماعية في البناء، لكنه لا يستطيع أن يستقل ويشكل حالة استطباب كوميدي داخل العمل بدون حدث مهم وواضح، إذ إنّ النصّ الدرامي لم يرتقِ إلى حبكة درامية تستطيع التشويق والإثارة رغم نجومية الأسماء المشاركة في العمل.

أما مشكلة المشاكل في الأعمال الدرامية، كانت في العمل الكوميدي “بوشنكي” من تأليف يسر دولي، ومن إخراج نضال عبيد، وإنتاج شركة “جود فيلمز” حيث استوحى الاسم من لعبة “البابجي” الواسعة الانتشار، وهي إحدى مناطق الخريطة التي تقام عليها المعارك، لكن المفاجأة جاءت من المؤلف الذي كتب على صفحته أنّ هناك ثلاث حلقات في المسلسل لم يفهم منها شيء بسبب قصقصة مشاهد ولعب بالمونتاج.

وهذا يوضح أنّ المؤلف ينسحب في ثلاث حلقات في العمل ويضعها في ذمة مخرج العمل والمونتاج.

ولاقى العمل هجوماً واسعاً على صفحات التواصل الاجتماعي، واستكمل بالنقد الإعلامي والصحفي حيث وصفه عدد قليل “بالأسوأ، الأردأ، الحضيض، الإسفاف، الابتذال، السخف، القرف”، وطالب العديد بوقف عرضة، وكتب أحدهم: “سخيفين وعيب ينعرض بالشهر الكريم”، وكتب آخر: “قمة السخافة وقلّة الأدب حرام كلمة مسلسل فيه”، وثالث: “عار على الدراما السورية”، وجاء في تعليق رابع: “مستوى فن هابط”.

وتقوم حكاية العمل على قصة شخصية “مايا” مدرسة الأطفال التي تحب التمثيل، وتتعرّف عن طريق صفحات التواصل الاجتماعي على فتاتين وتلتقي بهن ويقررن استئجار مزرعة، لكن الفتيات يتفاجأن بأنّ ضرة المرأة التي أجرتهم المزرعة قامت بتأجير المزرعة ذاتها لشباب بهدف تطفيش الصبايا لتبدأ الأحداث والمفارقات والتناقضات بينهم على أرضية الصراع بين الشباب والصبايا ومن يستطيع الاستيلاء على المزرعة وإخراج الآخر منها.

إنّ “بوشنكي” شكّل صدمة درامية بصرية للمشاهد الرمضاني بسبب عدم وجود بناء درامي متصاعد في الصراع الموجود في المسلسل، وتأتي عملية الارتجال في الأداء التي لم تكن موفقة في صناعة “الكركترات”، بالإضافة إلى لغة سوقية شوارعية، ولعب المكياج الفاضح والصارخ دوراً كبيراً في السخرية في الممثلين المشاركين فيه. كوميديا 2020 السورية 

أخيراً، إنّ كوميديا 2020، لم ترقَ إلى المستوى الذي حققته الكوميديا السورية في  العديد من المواسم السابقة، من زاوية كتابة نصّ درامي كوميدي قادر على إضحاك المشاهد، أو بناء شخصيات كوميدية قادرة على إيجاد المضحك، وتوظيف الصورة كتعبير بصري، من حرية اختيار الشكل الفني الثقافي وفق ممكنات الثقافة المرئية في كسر عناصر السرد البصري لصور الحياة بأسلوب درامي حكواتي شيّق، ليصبح المشهد الكوميدي نقطة جذب في العمل الكوميدي الدرامي.

ليفانت – بسام سفر