روحاني يُكابر على الألم الناجم عن العقوبات الأمريكية المُتوالية

روحاني

من الواضح أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية عاقدة العزم على مواجهة الأدوار التخريبية للسلطات الإيرانية في منطقة الخليج العربي وسوريا واليمن، عبر توالي فرض العقوبات عليها، والسعي إلى منعها من استحواذ الأسلحة، التي يرفع عنها الحظر في أكتوبر القادم، لكن واشنطن تعمل في الوقت الراهن على إعادة تشريعه وفرضه عليها من قبل مجلس الأمن، رغم المعارضة الروسيّة والصينية لذلك. 

لكن ذلك ليس إلا إحدى نطاقات العقوبات الأمريكية على طهران، فقد عمدت الولايات المتّحدة، أمس الاثنين، إلى توسيع قائمة عقوباتها التي تطال إيران، بفرض قيود على أكثر من 100 سفينة وشركتين على صلة بقطاع إنتاج النفط الإيراني، وذلك عقب إرسال طهران 5 ناقلات نفطية إلى فنزويلا ونظام الرئيس نيكولاس مادورو، الخصم الآخر لأمريكا.

طهران مُهدّدة على الدوام

واستحوذت إيران على إعفاءٍ من عقوبات بموجب اتفاق النووي عام 2015 مع الولايات المتّحدة وروسيا والصين وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، والذي منع طهران من تطوير أسلحة نووية، لكنّه أتاح العودة إلى العقوبات إذا انتهكته إيران، فيما خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العام 2018، من الاتفاق النووي المبرم في عهد الرئيس الديمقراطي، باراك أوباما، واعتبر أنّه أسوأ اتفاق على الإطلاق، وأشارت واشنطن أنّ بوسعها تفعيل عودة عقوبات الأمم المتّحدة، لأنّ قراراً لمجلس الأمن في العام 2015 دعم الاتفاق، لا يزال يحدّد الولايات المتحدة كطرف.

ولم تتوانَ الولايات المتحدة، في الرابع عشر من مايو، عن تهديد طهران علنياً بتفعيل العودة إلى فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران، إذا لم يُمدّد مجلس الأمن حظر الأسلحة على طهران المُقرر أن ينتهي في أكتوبر حسب الاتفاق النووي، حيث شدّد المبعوث الأمريكي الخاص بإيران، برايان هوك.

اقرأ أيضاً: أردوغان يُنصّب نفسه وصيّاً على إرادة الأتراك واختياراتهم الانتخابيّة

ودوّن هوك، في صحيفة وول ستريت جورنال: “إنّ واشنطن ستضمن بطريقة أو بأخرى استمرار حظر الأسلحة”، وأردف أنّ الولايات المتّحدة أعدّت مسودة قرار لمجلس الأمن، وستمضي قدماً في الدبلوماسية وتحشد الدعم، وقال: “غير أنّه إذا أحبط الفيتو الدبلوماسية الأمريكية، فإنّ الولايات المتحدة تحتفظ بالحق في تمديد حظر الأسلحة بوسائل أخرى”، لافتاً إلى قدرة أيّ طرف في الاتفاق النووي على تفعيل ما يسمى بالعودة الفورية لجميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران، والتي تشمل حظر الأسلحة.

فيما اعتبرت البعثة الأميركية في مجلس الأمن، ببيان حول خروقات إيران للقرار 2231 الخاص بالاتفاق النووي، في ذات التاريخ (14 مايو)، أنّ طهران مازالت تمدّ وكلاءها في اليمن وسوريا ولبنان والعراق بالسلاح، وأكدت أنّ الحوثيين استخدموا قبل أسابيع تكنولوجيا إيرانية في هجمات نحو السعودية، كما شدّدت على أنّ الحرس الثوري منظّمة إرهابية مسؤولة عن موت الآلاف في المنطقة، وتعليقاً على برنامج إيران الفضائي، رأت أنّ إشراف الحرس الثوري على هذا البرنامج يكذّب سلميته.

تصريحات متناقضة من روحاني

عقوباتٌ يبدو أنّها باتت تؤتي أكلها، حيث يخرج الرئيس الإيراني حسن روحاني بشكل متوالٍ معلناً أنّها تزيد من أحماله، وسط تضاعف الشكوك من قدرته فعلاً على مواجهتها، لدرجة أنّه شبّه تلك العقوبات لما أسماها بـ”سياسة الركب على الرقاب”، في تلميح إلى مقتل المواطن الأمريكي، جورج فلويد، نتيجة ضغط شرطي أمريكي بركبته بشكل متواصل على رقبة المغدور، والتي أودت في النهاية إلى فقدانه حياته، وهو ما يشير بشكل جلي إلى تأثير تلك العقوبات القوي على السلطات الإيرانية.

وادّعى روحاني أنّ الولايات المتّحدة تهدف من سياسة “الركب على الرقاب” إلى حرمان الشعب الإيراني من تلبية احتياجاته الأساسيّة في مجالات الطاقة والماء والكهرباء والغاز والغذاء والدواء، ومواصلة الضغوط حتى “تغيير النظام الإسلامي في إيران”، وتابع: “بعد مرور أكثر من عامين على هذه الضغوط، تمكّنت الحكومة بفضل توجيهات القيادة الحكيمة ومشاركة الشعب وتماسكه، من صدّ الأمريكيين وعدم السماح لركبهم، من تضييق الخناق على رقبة الشعب الإيراني”.

اقرأ أيضاً: مادورو متشبّث بالسلطة على ما بقي من أنقاض فنزويلا

لكن تلك الأقاويل، والتي يفهم منها رغبة السلطات الإيرانية في المكابرة على الألم، ومحاولة مواجهتها بالهرب إلى الأمام، تتعارض مع تصريحات سابقة لروحاني نفسه، والذي قال، في الخامس من مايو الماضي، إنّ بلاده باتت تواجه مشكلات كبيرة في تأمين المعدّات الطبيّة والمواد الغذائيّة، نتيجة تشديد العقوبات الأمريكية على إيران.

وقال روحاني ذلك خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، مبدياً أسفه لتشديد “العقوبات الأمريكية الجائرة على طهران وتداعياتها الاقتصادية القاسية”، زاعماً أنّ الولايات المتّحدة كانت التي تبدأ دائماً في إثارة التوتر الإقليمي في الخليج، وأنّها تعمل على إثارة التوتر في الأسابيع الماضية في العراق ومنطقة الخليج.

مساعي طهران للاستحواذ على تعاطف دولي

كما تتعارض تصريحات روحاني المزاودة بالصمود في وجه أمريكا، مع تصريحات سابقة له، في السادس والعشرين من مايو، عندما طلب الرئيس الإيراني خلال اتصال هاتفي مع الرئيسة السويسرية، سيمونيتا سوماروغا، أن تلعب سويسرا دوراً أكثر فعالية في ظل مضاعفة العقوبات الأمريكية على طهران، حيث أشار حينها إلى أنّ تفشّي فيروس كورونا والعقوبات الأمريكية وزيادة الضغوط الاقتصادية، جعلت الأوضاع المعيشية أكثر صعوبة على الشعب الإيراني.

وزعم الرئيس الإيراني أنّه من الضروري أن تعمل الدول الأوروبية الثلاث للحفاظ على الاتفاق النووي وإيجاد توازن في تطبيق الالتزامات النووية، موضحاً أنّه يمكن لسويسرا أن تلعب دوراً في تعزيز الاتفاق النووي، كما أبدى روحاني ترحيبه بإنشاء القناة المالية السويسرية، وشدّد على ضرورة تفعيلها بشكل أكبر.

إلا أنّ واشنطن واصلت مراقبة السلطة الإيرانية، واستمرت في فرض العقوبات عليها إن كان على شكل عقوبات تطال الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات، والتي كان منها، في الثامن والعشرين من مايو، إعلان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، عن إدراج اثنين من كبار المسؤولين في المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، على قائمة العقوبات الأمريكية، وذلك في بيان، أوضح فيه أنّ العقوبات شملت ماجد أغائي وأمجد سازغار، نتيجة دورهما في تطوير صناعة أجهزة الطرد المركزي في إيران.

اقرأ أيضاً: إيران التي لا ترى مسلّتها وتُشاهد إبرة واشنطن

وغرّد بومبيو على “تويتر”: “إنّ على العلماء الإيرانيين أن يختاروا مواصلة العمل السلمي خارج نطاق الانتشار النووي أو التعرّض لخطر العقوبات”، فيما أفصح المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون إيران، برايان هوك، أنّ سياسة الإدارة الأمريكية تمنح إيران خيارين، بين التفاوض مع الولايات المتحدة، أو مواجهة “الانهيار الاقتصادي الناجم عن العقوبات الأمريكية”.

ولا يبدو أنّ السلطة الإيرانية مكترثةً فعلاً لمصالح شعبها، بقدر تركيزها على تصدير مشروعها التوسّعي المستتر بالشماعة الطائفية، والتي وإن كان قد دفع ثمنها الأبرياء في مختلف بلاد الشرق الأوسط، لكن تأثيرها بات مردوداً الآن أكثر من أي وقت مضى على الداخل الإيراني المتهيّء للاتّقاد في أيّ وقت، بعد أن بلغ الفقر الرقبة، والسيل الزبى، وباعترافات ضمنية من روحاني نفسه.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة