المســـــــمارُ الأخيرُ في تابوتِ الشّعبِ السوريّ (الصامد) | The Levant

المســـــــمارُ الأخيرُ في تابوتِ الشّعبِ السوريّ (الصامد)

عبير نصر
عبير نصر

مع ركودٍ اقتصادي عالميّ يفرضه فيروس كورونا، وارتفاعٍ جنونيّ لسعر صرف الدولار يرافقه ارتفاعٌ غير معقول في أسعار السلع الغذائية، يترقّبُ الشعبُ السوري بدءَ سريان قانون سيزر (قيصر)، بينما يتساءل: ما الذي يمكن أن يحدثَ لسوريا أكثر من هذا الجحيم اليوميّ الذي يبدو أنّه لن ينتهي قريباً؟، ومنْ يتمُّ عقابه أساساً: الحكومة السورية أم السوريين الذين لم يكنْ لهم ناقةً أو جملاً من كلّ ما حصل ويحصل؟، وهل سيتمّ الدفاعُ عن حقّهم في حياةٍ كريمة من قبلِ بلدٍ عملاقٍ تفنّنَ عبر تاريخه في ابتزازِ العالم الأضعف؟، وللأمانة كلّ السيناريوهات الناجمة عن تطبيقِ هذا القانون مفتوحة، لكن من المؤكد أنّها ستكون، في الدرجة الأولى، سياسةً للضغط الأقصى من الناحية الاقتصاديةِ للنيلِ مما تبقّى من كرامةِ المواطن السوري. الشّعبِ السوريّ 

ولا شكّ أنّ تمريرَ قانون سيزر ضمن موازنة الدفاع الأمريكية يهدفُ إلى إقناعِ الرأي العام بأنّ القضيةَ تتعلّقُ بأمنهم القوميّ، لِمَ لذلك من حساسيةٍ عند كافةِ مكوناتِ المجتمع الأمريكي، وهذا يبرّرُ للإدارةِ الأمريكية ذاتِ المواقف المتشددة والمتطرفة اتخاذَ كافة الإجراءات مهما كانت، وبالتالي يُتوقّع أن يكونَ لهذا القانون أثراً كبيراً خاصة على حياة سورييّ الداخل، فهم يعرفون أصلاً أنّ قانونَ قيصر موجّهٌ ضد الدول المتحالفة مع سوريا أكثر منه موجهاً ضد دمشق، لذا لا يمكنهم الثقةَ بالإدارةِ الأميركيةِ المحترفةِ في استخدامِ أوراقِ الترهيب وجزّ الرقاب، واليوم تلجأ إلى ممارسةِ الإرهابِ الاقتصادي من خلال الحصارِ وتضييقِ الخناق على شعبٍ لا حول له ولا قوة، أسوة بالممارسات الكثيرة الفاشلة تجاه دولٍ كإيران والعراق وفنزويلا وكوبا، حيث زادت في معاناةِ شعوبها بصورةٍ لم يشهدها التاريخُ الحديث من التعجرفِ والعنفِ والعنجهيةِ واستعراضِ القوة ونهبِ مقدرات الشعوب ومحاولاتِ إسقاط حكوماتها.  الشّعبِ السوريّ 

ولا ننسى أنّ الولايات المتّحدة كانت قد عطّلتْ قراراً دولياً بشأن دخولِ المساعداتِ الإنسانيةِ إلى سوريا، في حين تحتلّ جزءاً منها بالقوة، كما غضّتِ الطرفَ عن استهدافِ الطيران الإسرائيلي للأراضي السورية مراتٍ متكررة، ودعمتْ تركيا في احتلالِ جزءٍ آخر، وقبل يومين فقط من توقيع القانون، أعلنتْ أنّها ستبطلُ قرارَ المحكمةِ الجنائيّة الدولية بشأن التحقيق في الجرائم التي ترتكبها سلطاتُ الاحتلال الإسرائيلي. إذاً كيف يمكن التصديق أنّ قانون (سيزر) هو لحماية المدنيين وهم أول ضحايا هذا القانون؟، فالمحتلُ لا يزرع الورودَ، ولا يمكن لنواياه أن تكونَ صادقةً، وغايته نهب الشعوب، وسرقة ثرواتها وتراثها وحضارتها.

وفي سوريا تُفرضُ اليوم عقوباتٌ جديدة على حكومتها والدولِ التي تدعمها لمدة 10 سنوات، في مجالاتِ الطاقةِ والأعمالِ والنقلِ الجوي، كما تُفرضُ عقوباتٌ على أيّ جهةٍ تتعامل مع النظام السوريّ أو توفّر له التمويل، أو تتعامل مع المصارف الحكومية بما فيها المصرف المركزي السوري، وكل هذا ليس إلا استخداماً سافراً لسياسةٍ مستجدّة لتجويعِ المدنيين وليس حمايتهم كما يدّعون، ومما لا شكّ فيه أنّ قانون سيزر يأتي ليدقّ المسمارَ الأخير في تابوتِ السوريين، بعد فرضه عقوباتٍ لا تُرفع إلا بتحقيق شروطٍ أهمها التوقّف عن استخدامِ المجالِ الجويّ السوريّ من النظام وروسيا أو أي جهةٍ أخرى تقصفُ المدنيين، وإطلاقِ سراح جميع المعتقلين في السجون، كما يؤكد القرار بأنّ القانون لا يُوقف إلا في حالِ توقّفتْ جميعُ القوات عن استهدافِ المنشآتِ الطبيةِ والسكنيةِ والأسواقِ والمنشآتِ العامة، بالإضافة إلى عودةٍ آمنةٍ وكريمةٍ للسوريين إلى منازلهم، وتقديمِ مرتكبي جرائمِ الحربِ إلى العدالةِ الدولية.

وفي المقابل، سيسعى النظامُ السوريّ كعادته لإيجاد طرقٍ تخفّفُ من آثار هذه العقوبات من خلال الالتفافِ عليه والمراوغة التي يشتهر بها، وظهرتْ بوادرُ هذا التعنّت عندما أدلتِ المستشارةُ الإعلاميةُ للقصرِ الجمهوريّ أنّ الحلَّ الوحيد هو (الصمود) مثيرةً سخطَ الشارعِ السوري، لذا يبدو أنّ هذا التشريع الجديد ليس مهيّأ بالدرجة الأولى للتسبب في المزيد من الاختناق للنظام السوري، وعزله عن النظام العالمي وحسب، وإنّما للشعب الذي يقع 83% منه تحت خطِّ الفقر حسب إحصائيات الأمم المتحدة، فيما ينعدم الأمنُ الغذائي لـ33% من أفراده، وتأكيداً على ذلك، تداولتْ وسائلُ التواصل الاجتماعيّ مؤخراً أنّ سبعَ حالاتِ بيعِ كليةٍ حدثتْ في محافظة دمشق خلال يومين فقط، بسبب تردّي الوضعِ المعيشي والغلاءِ الفاحش في السوق السورية، والذي دفع فئةً من السوريين الغاضبين في محافظةِ السويداء للتظاهر، بينما يؤكدُ الإعلامُ السوريّ الرسميّ أنّ الحراك الشعبي كان ضدّ قانون سيزر، وليس ضدّ الحكومةِ البليدةِ اللامبالية، والتي جلّ ما فعلته أنّها عقدتْ اجتماعاً طارئاً تبرّرُ فيه وعبر خطاباتها الممجوجة والزئبقيةِ سببَ الانهيارِ الاقتصاديّ للبلد، دون العملِ على إيجادِ حلولٍ ناجعة تطمئنُ الشعبَ المقهور والجائع.  الشّعبِ السوريّ 

وظاهرياً تهدفُ الإدارةُ الأمريكية من خلالِ قانون سيزر إلى جرّ النظام للعمليةِ السياسية، وإجباره على الرضوخِ للقرارات الدولية، لكن في حقيقةِ الأمر تبدو النوايا أكثر شرّاً عندما لا يُؤخذ الشعبُ السوريُّ المسجون في الداخل بعين الاعتبار، فالواضح أنّ الحكومةَ الأميركية تريد تعميقَ الفجوة بين ما يمكن أن يكون وما هو كائن على أرضِ الواقع، حيث تسعى إلى تحقيقِ مكسبٍ سياسيّ واقتصاديّ للجمهورِ الداخليّ في الولايات المتحدة بعد جلّ الهزائم في المنطقة، وتحاول (بذريعة قانون سيزر) الإمساكَ بالعصا من الوسط من خلال السماحِ للرئيسِ الأمريكيّ بإلغاءِ العقوباتِ على أساسِ كلّ حالةٍ على حدى، كما يمكن تعليقُ العقوبات إذا جرتْ مفاوضاتٌ هادفة في المستقبل تمكّن الولاياتِ المتحدة من إعادة توزيعِ الكعكة الاقتصادية مع الأطراف الدولية الأخرى، لاسيما المشاركة في إعادة الإعمار.  الشّعبِ السوريّ 

ومن المفيد ذكره، أنّ هذا اللقب أُطلق على أحد سجانِيّ الأمنِ السوري الذي كانت مهمته تصوير جثثِ المعتقلين الذين يموتون تحت التعذيب في سجونِ النظام السوري، إلا أنّه انشقَّ عنه وهربَ من البلادِ مسرّباً معه عشراتِ الآلاف من الصور التي التقطها للضحايا، اعتمدتْ عليها لجنةُ التحقيقِ الدولية المُكلّفة ببحثِ جرائمِ الحرب في سوريا، لإثبات وقوعِ جرائم ضدّ الإنسانية على يدِ النظام السوري، في حين أنّ المعطيات المحلية والعالمية تؤكد أنّه ليس بالإمكان تعليقِ آمالٍ كبيرةٍ على قانون سيزر، لأنّ السياسةَ والمصالح أقوى من القانون وحقوقِ الإنسان والقيم الأخلاقية، فالعقوبات الأميركية لا تطال -حتى اللحظة- إلا ملايين السوريين الذين طحنهم الفقرُ والقتلُ والذلُّ والتشرد، داخل البلاد وخارجها، لتشملَ العصبَ الرئيسي للحياةِ اليومية من الوقودِ والأغذية والأدوية؟، وأخيراً السؤال الذي يطرحُ نفسه وبقوة: لمَ الآن تنتفض أميركا لأجلِ هذا البلد الذي عانى لعقودٍ طويلةٍ بسبب التعتيمِ التام على الانتهاكاتِ الجسيمة بحقّه ومن قبلِ العالم أجمع؟.  الشّعبِ السوريّ 

ليفانت – عبير نصر  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

المســـــــمارُ الأخيرُ في تابوتِ الشّعبِ السوريّ (الصامد)

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب