الدولة الوطنية ومسألة الهوية والآخر

رسلان عامر
رسلان عامر

إنّ قضيتي الهوية والعلاقة مع الآخر، وهما قضيتان وثيقتا الارتباط، تعتبران من القضايا الخطيرة في المجتمعات التقليدية، التي تتميز عموما بعصبية الهوية وتوتر العلاقة مع الآخر، وتبقى فيها هذه القضايا مشاكل معلقة، لتتحول إلى قنابل اجتماعية موقوتة قابلة في أية لحظة للانفجار وتقويض حالة السلم الهشة في هذه المجتمعات. 
وبالطبع لا يمكن النظر إلى هذه المشكلة بشكل منفصل عن بقية مشاكل الواقع الاجتماعي الذي تنتمي إليه، رغم أنها تمتلك عواملها الذاتية الخاصة، ولكنها كأيّة مشكلة أخرى، وبحكم انتمائها إلى واقع كلي، فهي تتأثر حتى على مستوى وضعها الداخلي بمجمل الوضع الاجتماعي الكلي القائم، وتعود بدورها لترد الفعل من جهتها وتؤثر بدورها في هذا الواقع ككل، ما يعني أنّ العلاقة بين العوامل الداخلية المرتبطة بمشكلة الهوية والعلاقة مع الآخر هي مشكلة تتفاعل فيها على مستواها الذاتي الخاص وعلى مستوى محيطها الاجتماعي عواملها الداخلية الخاصة والعوامل الخارجية المنتمية إلى ذلك المحيط، ويدخل فيها السياسي والاقتصادي والحقوقي والثقافي وسواه.

ترتبط هذه المشكلة في معظم الأحيان بحالة تواجد جماعات بشرية مختلفة (دينية، عرقية، طائفية، قبـَلية، إلخ…) في مشترك معيشي واحد، ويشكل عادة مجتمعاً ودولة، وهذه الحالة تنطبق على أكثرية دول العالم المعاصر، المتقدمة والنامية، التي يدخل في تركيبها السكاني جماعات بشرية مختلفة ومتداخلة ديموغرافياً عادة، وهذا ما ينطبق على جميع الدول العربية، وإن اختلفت فيها درجات اختلاف وتداخل جماعاتها البشرية، وبكل تأكيد تختلف العلاقة بين هذه الجماعات في كل دولة بشكل يرتبط جوهرياً بمستوى تطور هذه الدولة ككيان سياسي اجتماعي وكمؤسسة، ففي الدول المتقدّمة تكون العلاقات بين الجماعات مرنة وودية وسلمية وتغني مجتمعات هذه الدول ثقافياً، أما في الطرف المقابل فهذه العلاقات غالبا ما تكون متشنجة وغير وديّة ومتوترة، وتتحوّل في كثير من الأحيان إلى علاقات نزاع وتناحر هدامة.

مما لا شك فيه أنّ الدولة بمفهومها الحديث لا يمكن أن تنفصل عن مجتمعها، فهي تتكامل معه بشكل جوهري، ويتمثّل فيها، كمؤسسة، الجوانب القيادية والسياسية والإدارية والتنظيمية لهذا المجتمع، أما المجتمع بمفهومه الحديث، فهو قطعاً ليس تجمّع “جماعات بشرية مختلفة”، ولا هو بنية مركبة تتكوّن من هذه الجماعات، فالمجتمع الحديث هو بنية قائمة بحدّ ذاتها، وبما أنّه يشترك في التواجد مع عدد من الجماعات البشرية المختلفة في نفس النطاق الديموغرافي، فهو لا يكون مجتمعاً إلا إذا كانت هذه الجماعات قد حققت درجة من الانفتاح على بعضها البعض والاندماج مع بعضها البعض، إلى درجة تنتج فيها هوية مشتركة تعلو وتتقدم على كل هذه الجماعات نفسها، وإلا فهو لن يكون إلا “تجمع جماعات” أو “شبه مجتمع” في أحسن أحواله، وبكل تأكيد للدولة دور أساسي في هذه العملية، فهي إما تعزّز عملية الاندماج الاجتماعي هذه، أو تعرقلها أو ترسّخ حالة التفرّق وتعزّزها.

واقعياً في علاقة الدولة مع المجتمع والجماعات البشرية يمكن تمييز عدّة نماذج من الدولة:

1-الدولة السلطانية: وهي دولة تستطيع أن تحكم بالقوة، “تجمع جماعات غير منسجم، وليس لديه هوية جامعة”، وتحت نير هذه الدولة، يكون الجميع مقموعاً، و”الدولة الملكية الأرستقراطية” تصلح مثالاً على هذا النموذج، وفيها يعتمد بشكل أساسي على قوة الطبقة الحاكمة، ممثلة بالملك وأعوانه من الإقطاعيين، كما أنّ الدولة العسكرية أيضاً يمكن اعتبارها نموذجاً من الدولة السلطانية يقوم على القوّة العسكرية، وحتى في حال كان سكان هذه الدولة ينتمون إلى جماعة واحدة، فهذه الجماعة لا تشكّل تحت نير هذه الدولة مجتمعاً، لأنّها لا تمتلك الفرصة الكافية للنشاط الاجتماعي، ولا يكون لها دور اجتماعي فاعل، ما يجعلها بالتالي “مجتمعاً مع وقف التنفيذ”.

2-الدولة الفئوية: وهي التي تعتمد على قوة فئة محددة (ملّة، طائفة، عرق، قبيلة…)، فتستأثر (عصبة) من هذه الفئة عبر هذه الفئة التي تستغلها هذه النخبة الطغمة الفئوية بالسلطة وتتحكم بسواها وبشكل تـُمايز فيه بين الناس حسب انتمائهم، وهذه الدولة هي “دولة ضد مجتمعية”، وتخرّب الاندماج المجتمعي بدلاً من أن تقويه وتنمّيه.
3-الدولة الهويوية: وهي الدولة التي تتخذ لنفسها هوية محددة، وتحاول فرضها على جميع سكانها، أو تميز بينهم على أساس هذه الهوية، وإلى هذا النموذج من الدولة تنتمي الدولة الدينية والدولة القومية والدولة المتأدلجة، وهذا النوع من الدول يمكن القول عنه إنه يسعى لصنع “مجتمع قسري”.
4-الدولة الديمقراطية: هذه الدولة هي دولة الشعب والمجتمع، وهي دولة للجميع بشكل متساوٍ، وهي تشكل في مجتمعها نظام قيادة وإدارة أكثر منها نظام حكم وسلطة.

وحدها الدولة الديمقراطية هي القادرة على تنمية حالة الاندماج والهوية الجامعة، وهذه الهوية تتمثّل في “الوطنية”، أما بقية النماذج فلا يمكنها فعل ذلك، فحالة الاندماج ونمو الهوية الوطنية، لا يمكن أن تتحقق إلا عبر حالة تطوّر اجتماعي متكامل شامل، وفيها يتطوّر الاقتصاد وتتطور منظومة حقوق الإنسان، ويتطور الوعي والثقافة، وهذا ما لا تفعله الدولة السلطانية، التي لا يهم الطغمة الحاكمة فيها إلا الحفاظ على سلطانها ومكاسبها الخاصة، وهذا يقتضي أن تبقى كل الفئات والجماعات الخاضعة لهذا السلطان مقموعة، وتبقى على حالها من الانكفاء على ذاتها وتدني مستوى الثقافة وعنصرية هذه الثقافة، وهذا يرسّخ حالة التفرّق، كما ويمكنه أن ينمّيها أيضا، إذ يمكن للطغمة الحاكمة أيضا إما أن تتلاعب بالجماعات الموجودة وتعزّز تفرقها ليسهل عليها التحكم بها، أو تنمي نزعة الانفصال الخلاصي عند بعض الفرق بما يتسبب به قمعها واستغلالها من أحاسيس بالغبن والحرمان والنقمة.

والدولة الفئوية، كونها فئوية، لا يمكنها قطعاً إلا أن تنمّي حالة التفرق والتوتر بين الفرق الموجودة، أولاً بسبب انتمائها الفئوي، الذي يجعل كل الآخرين فيها يشعرون بأنّهم محكومون من قبل أغيار، وثانياً بسبب سياسات التمييز التي تتبعها بحق هؤلاء الآخرين ما يولّد لديهم الإحساس بالانتقاص والغبن، وهذا يولد لديهم النقمة ضد هذه الفئة المستأثرة، كما وينمي عندهم عصبية فئوية خاصة مضادة، ما يجعل كل فئة في المحصلة تتعصب لنفسها، وهذه حالة جد خطيرة، وإضافة إلى ذلك فهذه الدولة أيضا يمكنها أن تتلاعب بالوضع الفئوي فتعزّز بشكل متعمّد الفئوية وتستغلّها.

أما الدولة الهويوية، فهي الأخرى بتركيزها على هوية واحدة تضع نفسها في موضع علاقة الإلغاء أو الانتقاص من الهويات الأخرى، وهذا ما يولد ردة فعل مزدوجة لدى هؤلاء الآخرين، أولهما، هي ضد هذه الدولة التي تكون بالنسبة لهم غريبة وظالمة بنفس الوقت، وثانيهما، تتم عبر زيادة التشبّث بهوياتهم المهددة أو المعتدى عليها، والتركيز عليها، وردة الفعل هذه يمكنها أن تتحوّل إلى غلو وتطرّف، وتتحوّل إلى تعصب، وفي المحصلة ينتج لدينا حالة فرق متعصبة لذواتها ومتعادية مع دولتها، وتعصبها لذواتها يمكنه أيضا أن يتحوّل إلى عداء في ما بينها، رغم أنّه يمكن أحياناً أن يتم التحالف بين أصحاب الهويات المهددين ضد عدوهم المشترك، ولكنه عادة يكون تحالفاً هشاً قصير الأجل.

أما في الدولة الديمقراطية، وهي وحدها الدولة الوطنية الحقيقية، فهذه الدولة لا تـُشعر أحداً فيها بأنّه محكوم أو مستغل من قبل جماعة أخرى غريبة عنه، ولا من قبل سلطة متسلطة تستغله وتقمعه وتهدر حقوقه، أو من قبل دولة تسعى لإلغاء هويته أو تنتقص من حقوقه بسببها، وفي هذه الدولة يشعر كل شخص بأنّه في دولته التي ينتمي إليها، وتنتمي إليه، ككل شخص آخر، وعدا ذلك فهذه الدولة بما أنّها دولة الشعب، فيكون هدفها العمل لمصلحة الشعب، وتطوير مستويات معيشته وثقافته.

وهكذا عندما يجد صاحب هوية ما نفسه مواطناً متساوي الحقوق مع كل الآخرين، في دولة تحمي حقوقه، وتعمل لمصلحته، في أجواء تنمو وتنتشر فيها الثقافة العقلانية الإنسانية، فهذا الشخص سيحس بأنّ هذه الدولة عندها هي وطنه، وسينمو لديه الإحساس بالإنتماء إلى هذه الدولة الوطنية، وتتشكّل لديه هوية وطنية تربطه بها وتوحده مع كل من ينتمي مثله إلى هذه الدولة من أبناء الجماعات المختلفة الأخرى، وفي النتيجة سيجد كل هؤلاء أنفسهم في هوية جامعة تجمعهم هي “الهوية الوطنية”، ومع نمو وتطور هذه الهوية، تصبح هي هويتهم الرئيسة والأقوى، وتتحوّل الهويات الأخرى من هويات غريبة ومحذورة أو مرهوبة أو مكروهة بالنسبة لبعضها البعض إلى روافد اجتماعية وثقافية تغني الحالة الوطنية الجامعة، ويحل محل الغربة والتناقض مفاهيم التعددية والتنوع والتوافق البناءة.

لا وطنَ تحت نير حكم سلطاني أو فئوي أو هويوي، وكل أشكال القمع والاستبداد والاستغلال، لا تصنع وطناً حقيقياً، بل العكس، فالوطن المزعوم بالنسبة للمقهور والمحروم والمظلوم هو مجرد مكان بائس جائر تهدر فيه إنسانيّة الإنسان، والولاء له لا يعدو أن يكون حالة إيمان أعمى لا يختلف عن عبادة الأصنام، أما الوطن الحقيقي، فهو حيث يستطيع الإنسان أن يعيش كإنسان حياة إنسانية حقيقية، تتحقق وتتطور فيها إنسانيته، وبذلك يحسّ فيه الإنسان بأنّه ينتمي إليه لأنّه بيته الإنساني، وهذا لا يتم إلا بوجود دولة عادلة تحترم حقوق وحريات الإنسان وتعمل لصالحه كإنسان، وبصفته إنسانا فقط.

في الحالة السورية، كما هو الحال في أيّة حالة أخرى، لا يمكن تحقيق ما تقدم إلا عبر الدولة الوطنية، التي تعلو فيها الوطنية على كل أشكال الهوية والانتماء، وهي لا تكون وطنية إلا بقدر ما تكون ديمقراطية حقيقية، وتعمل لصالح مواطنيها بصفتهم الإنسانية المجردة، وبشكل منفصل عن الدين والقومية والجنس والحزب وكل أشكال الهوية والانتماء الأخرى.

إنّ “دولة عربية الهوية” هي من سيضع فيها الكردي والشركسي والأرمني والآشوري وسواهم من القوميات خارج دائرة الانتماء إليها.
و”دولة إسلامية” هي الأخرى ستخرج من انتمائها المسيحي والإيزيدي والعلماني وكل أصحاب المعتقدات الأخرى، وإن كانت “إسلامية مذهبية” فهي عندها ستتحول إلى “دولة فئوية مذهبية”، وسيكون غريباً فيها وعنها كل أبناء المعتقدات الأخرى، بما فيهم أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى.

وفي كلتا الحالتين السابقتين، القومية والدينية، لن يتوقف الأمر عند درجة اغتراب المختلف وحسب، فعندما يقترن هذا الاغتراب بعسف أو جور أو انتقاص لأسباب تتعلق بالهوية، فعندها سيتطوّر الأمر إلى نزاع وصراع، يخسر فيه الجميع ويدفعون فيه أبهظ الأثمان، كما يحدث الآن.

وبالطبع لا يمكن لدولة مستبدة _مهما كانت صفتها_ إلا أن تفسد ما سبق أن تحقق من اندماج وانتماء وطني، فكلما نما الاستبداد نما معه الفساد، ونما معهما القهر والحرمان وبؤس المعيشة، واضمحل الشعور بالوطن، ونمت الرغبة بالخلاص الخاص الانفصالي لدى بعض الجماعات، كما نما التعصب بسبب الجهل والفقر اللذين ينتجهما الاستبداد وفساده، وبسبب الهروب من بؤس الواقع إلى الملجأ الديني الذي يكمن فيه الكثير من المتطرفين والاستغلاليين الذين يقتنصون اللاجئين إلى الدين ويجندوهم في ما يخدم عصبياتهم المريضة أو مصالحهم الخبيثة.

لكن في دولة وطنية ديمقراطية، تكون فيها الديمقراطية حالة لازمة للوطنية، وليس هذا فحسب، بل تعطي لهذه الوطنية مضمونها ومعناها، كمضمون ومعنى إنساني، تتحول قضية الهوية والعلاقة مع الآخر من “مشكلة” إلى “مزيّة”، فمن كان قومياً، ويضع قوميته فوق كل قومية وانتماء، فبالنسبة له سيكون كل المنتمين إلى قوميات أخرى أغراباً أو خصوماً، ونفس الكلام يقال عن المتدين، أو أصحاب الإيديولوجيا المتشددة.

لكن لو نظرنا إلى هذه الهويات نفسها، فسنجد حتى فيها مجالاً واسعاً في التاريخ والجغرافيا لعناصر الانتماء، فالعروبي السوري مثلا يحسّ بوحدة الانتماء مع امرؤ القيس وعنترة، اللذين عاشا في جزيرة العرب قبل الإسلام، ويحس اليوم بوحدة انتماء مع حافظ إبراهيم المصري وأبي القاسم الشابي التونسي وسعاد الصباح الكويتية، وسواهم من المبدعين العرب المعاصرين خارج دولته.
والمسلم المتدين السوري بدوره يحس بوحدة انتماء تجمعه مع حسان بن ثابت وأبي بكر الرازي وأبي حامد الغزالي ومن ماثلهم من التاريخ الإسلامي، وهو اليوم يحس بهذه الوحدة مع محمد إقبال الهندي أو مهاتير محمد الماليزي وهلم جرى.
والشيوعي السوري أيضا يحس بانتماء جامع مشترك يجمعه مع روزا لوكسمبورغ الألمانية، وغيفارا الأرجنتيني، ونيرودا التشيلي، وهوشي مينه الفيتنامي وهكذا دواليك.
ذاك إيجابي، ولكنه ليس إيجابياً تماماً، كونه يبقى مؤطراً بشكل رئيس في إطار الهوية الخاصة، فالعروبي السوري مثلاً لا يحس بأي انتماء تجاه أي شاعر أو أديب أو مفكر كردي أو أرمني أو شركسي وما شابه، حتى وإن كانوا يعيشون معه في دولته نفسها، فهؤلاء بالنسبة له أغيار، والقومي الكردي سيكون له موقف مشابه لا ينتمي فيه إلا إلى ما هو كردي.
لكن في الحالة الوطنية، وعندما يصبح لدى كل من الكردي والعربي رابطاً وطنياً أعلى، فلن يرى عندها كل منها في الآخر غريباً، وعندما يكونان سوريين، فسيكون كلاً منهما سورياً بالنسبة للآخر، وهذا لا يعني قطعاً أن يوضع كل ما يخصّ الكردي وحده أو ما يخصّ العربي وحده خارج نطاق هذا الانتماء والهوية السوريين، بل على العكس من ذلك تماماً، فكل ما يخصّ الكردي، وكل ما يخصّ العربي سينتميان عندها بدورهما _ضمن معيارية إنسانية تنسجم مع المفهوم الإنساني للوطن_ إلى الانتماء والهوية السورية، وعندها سيجد السوري العربي في “شيفان” مثلاً مغنياً قريباً منه، مثلما يجد في “محمد منير”، وسيحتفي مع الكردي بعيد النيروز، ومع الآشوري بعيد الأكيتو، ومع المسيحي بعيد الميلاد، حتى وإن لم يكن مسيحياً، فكل هذا سيتحول عندها إلى تنوع ثقافي يغني ثقافته الوطنية بعناصر مختلفة من النتاج الإنساني.

لا شك بأنّ كثيرين سيرون في هذا الطرح حالة رومانسية حالمة بعيدة عن الواقع، وهم على حق ما دمنا في حالة لا نرقى فيها إلى مستوى الوعي الوطني، الذي لا يمكنه إلا أن يكون وعياً إنسانياً، وينطلق بإنسانيته من “الوطن الأصغر” المتمثل بـ”الدولة الوطنية الديمقراطية” إلى “الوطن الأكبر” المتمثّل بالعالم ككل، وفي مثل هذه السوية من الوعي لا تعود قيمة الشيء مرتبطة بالعلاقة العصبوية معه، بحيث يحب العربي أمراً _مثلاً_ لأنّه عربي، ويهمل أو يكره سواه لأنه أجنبي، بل يصبح معيار العلاقة مع الأمور إنسانياً، ويُحب ويُحترم فيه كل ما هو إنساني أيا كانت صفته أو هويته الفرعية، وهنا يصبح “الاختلاف في الهوية وصفة الآخر” عامل إغناء للهوية الإنسانية العليا، وشكلاً آخر لنفس الذات الإنسانية الشاملة الواحدة في جوهرها الإنساني، وفي هذا المنظور الإنساني، لا ينقسم الإنساني إلى “قريب” و”غريب”، فكل ما هو إنساني يكون قريباً، ولكنه فقط يختلف في الموقع، بحيث يكون إنسانياً خاصاً _مثلاً_ على مستوى الدولة الوطنية، وإنسانياً عاماً على مستوى العالم ككل.

هذه الحالة لكي تتحوّل إلى حالة جمعية واقعية، تحتاج إلى دولة وطنية حقيقية، دولة ديمقراطية، تنمو وتتطوّر فيها الثقافة والقيم الإنسانية، التي يتعلمها الإنسان من عيشه في هذه الدولة حياة كريمة تحترم فيها حقوقه كإنسان، وتعلو فيها إنسانيته على كل القيم والانتماءات والاعتبارات، وتصبح فيها الإنسانية واقعاً حياً معاشاً على كل مستوياتها.

ليفانت – رسلان عامر

إنّ قضيتي الهوية والعلاقة مع الآخر، وهما قضيتان وثيقتا الارتباط، تعتبران من القضايا الخطيرة في المجتمعات التقليدية، التي تتميز عموما بعصبية الهوية وتوتر العلاقة مع الآخر، وتبقى فيها هذه القضايا مشاكل معلقة، لتتحول إلى قنابل اجتماعية موقوتة قابلة في أية لحظة للانفجار وتقويض حالة السلم الهشة في هذه المجتمعات. 
وبالطبع لا يمكن النظر إلى هذه المشكلة بشكل منفصل عن بقية مشاكل الواقع الاجتماعي الذي تنتمي إليه، رغم أنها تمتلك عواملها الذاتية الخاصة، ولكنها كأيّة مشكلة أخرى، وبحكم انتمائها إلى واقع كلي، فهي تتأثر حتى على مستوى وضعها الداخلي بمجمل الوضع الاجتماعي الكلي القائم، وتعود بدورها لترد الفعل من جهتها وتؤثر بدورها في هذا الواقع ككل، ما يعني أنّ العلاقة بين العوامل الداخلية المرتبطة بمشكلة الهوية والعلاقة مع الآخر هي مشكلة تتفاعل فيها على مستواها الذاتي الخاص وعلى مستوى محيطها الاجتماعي عواملها الداخلية الخاصة والعوامل الخارجية المنتمية إلى ذلك المحيط، ويدخل فيها السياسي والاقتصادي والحقوقي والثقافي وسواه.

ترتبط هذه المشكلة في معظم الأحيان بحالة تواجد جماعات بشرية مختلفة (دينية، عرقية، طائفية، قبـَلية، إلخ…) في مشترك معيشي واحد، ويشكل عادة مجتمعاً ودولة، وهذه الحالة تنطبق على أكثرية دول العالم المعاصر، المتقدمة والنامية، التي يدخل في تركيبها السكاني جماعات بشرية مختلفة ومتداخلة ديموغرافياً عادة، وهذا ما ينطبق على جميع الدول العربية، وإن اختلفت فيها درجات اختلاف وتداخل جماعاتها البشرية، وبكل تأكيد تختلف العلاقة بين هذه الجماعات في كل دولة بشكل يرتبط جوهرياً بمستوى تطور هذه الدولة ككيان سياسي اجتماعي وكمؤسسة، ففي الدول المتقدّمة تكون العلاقات بين الجماعات مرنة وودية وسلمية وتغني مجتمعات هذه الدول ثقافياً، أما في الطرف المقابل فهذه العلاقات غالبا ما تكون متشنجة وغير وديّة ومتوترة، وتتحوّل في كثير من الأحيان إلى علاقات نزاع وتناحر هدامة.

مما لا شك فيه أنّ الدولة بمفهومها الحديث لا يمكن أن تنفصل عن مجتمعها، فهي تتكامل معه بشكل جوهري، ويتمثّل فيها، كمؤسسة، الجوانب القيادية والسياسية والإدارية والتنظيمية لهذا المجتمع، أما المجتمع بمفهومه الحديث، فهو قطعاً ليس تجمّع “جماعات بشرية مختلفة”، ولا هو بنية مركبة تتكوّن من هذه الجماعات، فالمجتمع الحديث هو بنية قائمة بحدّ ذاتها، وبما أنّه يشترك في التواجد مع عدد من الجماعات البشرية المختلفة في نفس النطاق الديموغرافي، فهو لا يكون مجتمعاً إلا إذا كانت هذه الجماعات قد حققت درجة من الانفتاح على بعضها البعض والاندماج مع بعضها البعض، إلى درجة تنتج فيها هوية مشتركة تعلو وتتقدم على كل هذه الجماعات نفسها، وإلا فهو لن يكون إلا “تجمع جماعات” أو “شبه مجتمع” في أحسن أحواله، وبكل تأكيد للدولة دور أساسي في هذه العملية، فهي إما تعزّز عملية الاندماج الاجتماعي هذه، أو تعرقلها أو ترسّخ حالة التفرّق وتعزّزها.

واقعياً في علاقة الدولة مع المجتمع والجماعات البشرية يمكن تمييز عدّة نماذج من الدولة:

1-الدولة السلطانية: وهي دولة تستطيع أن تحكم بالقوة، “تجمع جماعات غير منسجم، وليس لديه هوية جامعة”، وتحت نير هذه الدولة، يكون الجميع مقموعاً، و”الدولة الملكية الأرستقراطية” تصلح مثالاً على هذا النموذج، وفيها يعتمد بشكل أساسي على قوة الطبقة الحاكمة، ممثلة بالملك وأعوانه من الإقطاعيين، كما أنّ الدولة العسكرية أيضاً يمكن اعتبارها نموذجاً من الدولة السلطانية يقوم على القوّة العسكرية، وحتى في حال كان سكان هذه الدولة ينتمون إلى جماعة واحدة، فهذه الجماعة لا تشكّل تحت نير هذه الدولة مجتمعاً، لأنّها لا تمتلك الفرصة الكافية للنشاط الاجتماعي، ولا يكون لها دور اجتماعي فاعل، ما يجعلها بالتالي “مجتمعاً مع وقف التنفيذ”.

2-الدولة الفئوية: وهي التي تعتمد على قوة فئة محددة (ملّة، طائفة، عرق، قبيلة…)، فتستأثر (عصبة) من هذه الفئة عبر هذه الفئة التي تستغلها هذه النخبة الطغمة الفئوية بالسلطة وتتحكم بسواها وبشكل تـُمايز فيه بين الناس حسب انتمائهم، وهذه الدولة هي “دولة ضد مجتمعية”، وتخرّب الاندماج المجتمعي بدلاً من أن تقويه وتنمّيه.
3-الدولة الهويوية: وهي الدولة التي تتخذ لنفسها هوية محددة، وتحاول فرضها على جميع سكانها، أو تميز بينهم على أساس هذه الهوية، وإلى هذا النموذج من الدولة تنتمي الدولة الدينية والدولة القومية والدولة المتأدلجة، وهذا النوع من الدول يمكن القول عنه إنه يسعى لصنع “مجتمع قسري”.
4-الدولة الديمقراطية: هذه الدولة هي دولة الشعب والمجتمع، وهي دولة للجميع بشكل متساوٍ، وهي تشكل في مجتمعها نظام قيادة وإدارة أكثر منها نظام حكم وسلطة.

وحدها الدولة الديمقراطية هي القادرة على تنمية حالة الاندماج والهوية الجامعة، وهذه الهوية تتمثّل في “الوطنية”، أما بقية النماذج فلا يمكنها فعل ذلك، فحالة الاندماج ونمو الهوية الوطنية، لا يمكن أن تتحقق إلا عبر حالة تطوّر اجتماعي متكامل شامل، وفيها يتطوّر الاقتصاد وتتطور منظومة حقوق الإنسان، ويتطور الوعي والثقافة، وهذا ما لا تفعله الدولة السلطانية، التي لا يهم الطغمة الحاكمة فيها إلا الحفاظ على سلطانها ومكاسبها الخاصة، وهذا يقتضي أن تبقى كل الفئات والجماعات الخاضعة لهذا السلطان مقموعة، وتبقى على حالها من الانكفاء على ذاتها وتدني مستوى الثقافة وعنصرية هذه الثقافة، وهذا يرسّخ حالة التفرّق، كما ويمكنه أن ينمّيها أيضا، إذ يمكن للطغمة الحاكمة أيضا إما أن تتلاعب بالجماعات الموجودة وتعزّز تفرقها ليسهل عليها التحكم بها، أو تنمي نزعة الانفصال الخلاصي عند بعض الفرق بما يتسبب به قمعها واستغلالها من أحاسيس بالغبن والحرمان والنقمة.

والدولة الفئوية، كونها فئوية، لا يمكنها قطعاً إلا أن تنمّي حالة التفرق والتوتر بين الفرق الموجودة، أولاً بسبب انتمائها الفئوي، الذي يجعل كل الآخرين فيها يشعرون بأنّهم محكومون من قبل أغيار، وثانياً بسبب سياسات التمييز التي تتبعها بحق هؤلاء الآخرين ما يولّد لديهم الإحساس بالانتقاص والغبن، وهذا يولد لديهم النقمة ضد هذه الفئة المستأثرة، كما وينمي عندهم عصبية فئوية خاصة مضادة، ما يجعل كل فئة في المحصلة تتعصب لنفسها، وهذه حالة جد خطيرة، وإضافة إلى ذلك فهذه الدولة أيضا يمكنها أن تتلاعب بالوضع الفئوي فتعزّز بشكل متعمّد الفئوية وتستغلّها.

أما الدولة الهويوية، فهي الأخرى بتركيزها على هوية واحدة تضع نفسها في موضع علاقة الإلغاء أو الانتقاص من الهويات الأخرى، وهذا ما يولد ردة فعل مزدوجة لدى هؤلاء الآخرين، أولهما، هي ضد هذه الدولة التي تكون بالنسبة لهم غريبة وظالمة بنفس الوقت، وثانيهما، تتم عبر زيادة التشبّث بهوياتهم المهددة أو المعتدى عليها، والتركيز عليها، وردة الفعل هذه يمكنها أن تتحوّل إلى غلو وتطرّف، وتتحوّل إلى تعصب، وفي المحصلة ينتج لدينا حالة فرق متعصبة لذواتها ومتعادية مع دولتها، وتعصبها لذواتها يمكنه أيضا أن يتحوّل إلى عداء في ما بينها، رغم أنّه يمكن أحياناً أن يتم التحالف بين أصحاب الهويات المهددين ضد عدوهم المشترك، ولكنه عادة يكون تحالفاً هشاً قصير الأجل.

أما في الدولة الديمقراطية، وهي وحدها الدولة الوطنية الحقيقية، فهذه الدولة لا تـُشعر أحداً فيها بأنّه محكوم أو مستغل من قبل جماعة أخرى غريبة عنه، ولا من قبل سلطة متسلطة تستغله وتقمعه وتهدر حقوقه، أو من قبل دولة تسعى لإلغاء هويته أو تنتقص من حقوقه بسببها، وفي هذه الدولة يشعر كل شخص بأنّه في دولته التي ينتمي إليها، وتنتمي إليه، ككل شخص آخر، وعدا ذلك فهذه الدولة بما أنّها دولة الشعب، فيكون هدفها العمل لمصلحة الشعب، وتطوير مستويات معيشته وثقافته.

وهكذا عندما يجد صاحب هوية ما نفسه مواطناً متساوي الحقوق مع كل الآخرين، في دولة تحمي حقوقه، وتعمل لمصلحته، في أجواء تنمو وتنتشر فيها الثقافة العقلانية الإنسانية، فهذا الشخص سيحس بأنّ هذه الدولة عندها هي وطنه، وسينمو لديه الإحساس بالإنتماء إلى هذه الدولة الوطنية، وتتشكّل لديه هوية وطنية تربطه بها وتوحده مع كل من ينتمي مثله إلى هذه الدولة من أبناء الجماعات المختلفة الأخرى، وفي النتيجة سيجد كل هؤلاء أنفسهم في هوية جامعة تجمعهم هي “الهوية الوطنية”، ومع نمو وتطور هذه الهوية، تصبح هي هويتهم الرئيسة والأقوى، وتتحوّل الهويات الأخرى من هويات غريبة ومحذورة أو مرهوبة أو مكروهة بالنسبة لبعضها البعض إلى روافد اجتماعية وثقافية تغني الحالة الوطنية الجامعة، ويحل محل الغربة والتناقض مفاهيم التعددية والتنوع والتوافق البناءة.

لا وطنَ تحت نير حكم سلطاني أو فئوي أو هويوي، وكل أشكال القمع والاستبداد والاستغلال، لا تصنع وطناً حقيقياً، بل العكس، فالوطن المزعوم بالنسبة للمقهور والمحروم والمظلوم هو مجرد مكان بائس جائر تهدر فيه إنسانيّة الإنسان، والولاء له لا يعدو أن يكون حالة إيمان أعمى لا يختلف عن عبادة الأصنام، أما الوطن الحقيقي، فهو حيث يستطيع الإنسان أن يعيش كإنسان حياة إنسانية حقيقية، تتحقق وتتطور فيها إنسانيته، وبذلك يحسّ فيه الإنسان بأنّه ينتمي إليه لأنّه بيته الإنساني، وهذا لا يتم إلا بوجود دولة عادلة تحترم حقوق وحريات الإنسان وتعمل لصالحه كإنسان، وبصفته إنسانا فقط.

في الحالة السورية، كما هو الحال في أيّة حالة أخرى، لا يمكن تحقيق ما تقدم إلا عبر الدولة الوطنية، التي تعلو فيها الوطنية على كل أشكال الهوية والانتماء، وهي لا تكون وطنية إلا بقدر ما تكون ديمقراطية حقيقية، وتعمل لصالح مواطنيها بصفتهم الإنسانية المجردة، وبشكل منفصل عن الدين والقومية والجنس والحزب وكل أشكال الهوية والانتماء الأخرى.

إنّ “دولة عربية الهوية” هي من سيضع فيها الكردي والشركسي والأرمني والآشوري وسواهم من القوميات خارج دائرة الانتماء إليها.
و”دولة إسلامية” هي الأخرى ستخرج من انتمائها المسيحي والإيزيدي والعلماني وكل أصحاب المعتقدات الأخرى، وإن كانت “إسلامية مذهبية” فهي عندها ستتحول إلى “دولة فئوية مذهبية”، وسيكون غريباً فيها وعنها كل أبناء المعتقدات الأخرى، بما فيهم أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى.

وفي كلتا الحالتين السابقتين، القومية والدينية، لن يتوقف الأمر عند درجة اغتراب المختلف وحسب، فعندما يقترن هذا الاغتراب بعسف أو جور أو انتقاص لأسباب تتعلق بالهوية، فعندها سيتطوّر الأمر إلى نزاع وصراع، يخسر فيه الجميع ويدفعون فيه أبهظ الأثمان، كما يحدث الآن.

وبالطبع لا يمكن لدولة مستبدة _مهما كانت صفتها_ إلا أن تفسد ما سبق أن تحقق من اندماج وانتماء وطني، فكلما نما الاستبداد نما معه الفساد، ونما معهما القهر والحرمان وبؤس المعيشة، واضمحل الشعور بالوطن، ونمت الرغبة بالخلاص الخاص الانفصالي لدى بعض الجماعات، كما نما التعصب بسبب الجهل والفقر اللذين ينتجهما الاستبداد وفساده، وبسبب الهروب من بؤس الواقع إلى الملجأ الديني الذي يكمن فيه الكثير من المتطرفين والاستغلاليين الذين يقتنصون اللاجئين إلى الدين ويجندوهم في ما يخدم عصبياتهم المريضة أو مصالحهم الخبيثة.

لكن في دولة وطنية ديمقراطية، تكون فيها الديمقراطية حالة لازمة للوطنية، وليس هذا فحسب، بل تعطي لهذه الوطنية مضمونها ومعناها، كمضمون ومعنى إنساني، تتحول قضية الهوية والعلاقة مع الآخر من “مشكلة” إلى “مزيّة”، فمن كان قومياً، ويضع قوميته فوق كل قومية وانتماء، فبالنسبة له سيكون كل المنتمين إلى قوميات أخرى أغراباً أو خصوماً، ونفس الكلام يقال عن المتدين، أو أصحاب الإيديولوجيا المتشددة.

لكن لو نظرنا إلى هذه الهويات نفسها، فسنجد حتى فيها مجالاً واسعاً في التاريخ والجغرافيا لعناصر الانتماء، فالعروبي السوري مثلا يحسّ بوحدة الانتماء مع امرؤ القيس وعنترة، اللذين عاشا في جزيرة العرب قبل الإسلام، ويحس اليوم بوحدة انتماء مع حافظ إبراهيم المصري وأبي القاسم الشابي التونسي وسعاد الصباح الكويتية، وسواهم من المبدعين العرب المعاصرين خارج دولته.
والمسلم المتدين السوري بدوره يحس بوحدة انتماء تجمعه مع حسان بن ثابت وأبي بكر الرازي وأبي حامد الغزالي ومن ماثلهم من التاريخ الإسلامي، وهو اليوم يحس بهذه الوحدة مع محمد إقبال الهندي أو مهاتير محمد الماليزي وهلم جرى.
والشيوعي السوري أيضا يحس بانتماء جامع مشترك يجمعه مع روزا لوكسمبورغ الألمانية، وغيفارا الأرجنتيني، ونيرودا التشيلي، وهوشي مينه الفيتنامي وهكذا دواليك.
ذاك إيجابي، ولكنه ليس إيجابياً تماماً، كونه يبقى مؤطراً بشكل رئيس في إطار الهوية الخاصة، فالعروبي السوري مثلاً لا يحس بأي انتماء تجاه أي شاعر أو أديب أو مفكر كردي أو أرمني أو شركسي وما شابه، حتى وإن كانوا يعيشون معه في دولته نفسها، فهؤلاء بالنسبة له أغيار، والقومي الكردي سيكون له موقف مشابه لا ينتمي فيه إلا إلى ما هو كردي.
لكن في الحالة الوطنية، وعندما يصبح لدى كل من الكردي والعربي رابطاً وطنياً أعلى، فلن يرى عندها كل منها في الآخر غريباً، وعندما يكونان سوريين، فسيكون كلاً منهما سورياً بالنسبة للآخر، وهذا لا يعني قطعاً أن يوضع كل ما يخصّ الكردي وحده أو ما يخصّ العربي وحده خارج نطاق هذا الانتماء والهوية السوريين، بل على العكس من ذلك تماماً، فكل ما يخصّ الكردي، وكل ما يخصّ العربي سينتميان عندها بدورهما _ضمن معيارية إنسانية تنسجم مع المفهوم الإنساني للوطن_ إلى الانتماء والهوية السورية، وعندها سيجد السوري العربي في “شيفان” مثلاً مغنياً قريباً منه، مثلما يجد في “محمد منير”، وسيحتفي مع الكردي بعيد النيروز، ومع الآشوري بعيد الأكيتو، ومع المسيحي بعيد الميلاد، حتى وإن لم يكن مسيحياً، فكل هذا سيتحول عندها إلى تنوع ثقافي يغني ثقافته الوطنية بعناصر مختلفة من النتاج الإنساني.

لا شك بأنّ كثيرين سيرون في هذا الطرح حالة رومانسية حالمة بعيدة عن الواقع، وهم على حق ما دمنا في حالة لا نرقى فيها إلى مستوى الوعي الوطني، الذي لا يمكنه إلا أن يكون وعياً إنسانياً، وينطلق بإنسانيته من “الوطن الأصغر” المتمثل بـ”الدولة الوطنية الديمقراطية” إلى “الوطن الأكبر” المتمثّل بالعالم ككل، وفي مثل هذه السوية من الوعي لا تعود قيمة الشيء مرتبطة بالعلاقة العصبوية معه، بحيث يحب العربي أمراً _مثلاً_ لأنّه عربي، ويهمل أو يكره سواه لأنه أجنبي، بل يصبح معيار العلاقة مع الأمور إنسانياً، ويُحب ويُحترم فيه كل ما هو إنساني أيا كانت صفته أو هويته الفرعية، وهنا يصبح “الاختلاف في الهوية وصفة الآخر” عامل إغناء للهوية الإنسانية العليا، وشكلاً آخر لنفس الذات الإنسانية الشاملة الواحدة في جوهرها الإنساني، وفي هذا المنظور الإنساني، لا ينقسم الإنساني إلى “قريب” و”غريب”، فكل ما هو إنساني يكون قريباً، ولكنه فقط يختلف في الموقع، بحيث يكون إنسانياً خاصاً _مثلاً_ على مستوى الدولة الوطنية، وإنسانياً عاماً على مستوى العالم ككل.

هذه الحالة لكي تتحوّل إلى حالة جمعية واقعية، تحتاج إلى دولة وطنية حقيقية، دولة ديمقراطية، تنمو وتتطوّر فيها الثقافة والقيم الإنسانية، التي يتعلمها الإنسان من عيشه في هذه الدولة حياة كريمة تحترم فيها حقوقه كإنسان، وتعلو فيها إنسانيته على كل القيم والانتماءات والاعتبارات، وتصبح فيها الإنسانية واقعاً حياً معاشاً على كل مستوياتها.

ليفانت – رسلان عامر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit