إلى صديقي "المجنون" أحمد البرقاوي | The Levant

إلى صديقي “المجنون” أحمد البرقاوي

صلاح بدرالدين

أول ماالتقينا “بدبي”، قبل أعوام، لدى أحد الأصدقاء المشتركين، ومن خلال الحديث العام سألته مازحاً: “هناك من يقول أنّ البعض من تلامذتك بفرع الفلسفة في جامعة دمشق مصاب بمشاكل نفسية، فكان جوابه (ما أنا مجنون)، وبعد لقاءات عديدة في أكثر من مناسبة، وبينها، تواجده بلقاء محدود لبعض المعارضين السوريين، جعلني آخذ مزحته على محمل الجد. وموضوع آخر أثار انتباهي، دفعني أستفسر من صاحب الدعوة هل د. أحمد سوري؟، فأجابني، لا فلسطيني، ولكنه مقيم بسوريا منذ زمن طويل، طبعاً، كان من دواعي سروري وجود فلسطيني معنا بالاجتماع، لأنّني شخصياً معجب بهذا الشعب الشجاع العاشق للحرية، إلى درجة التضحية من أجلها. إلى صديقي

كما ذكرت، وبعد تتالي اللقاءات مع صديقي البرقاوي، الغريب الأطوار، الذي استلطفت حركاته المفاجئة وقهقهة ضحكاته العالية، بحيث يسمعها الآخرون من مسافة بعيدة، ومغادراته المفاجئة لجلسات الاجتماعات، أو حين جلوسه مع شخص آخر ثم حضوره المفاجئ، مرة أخرى، لينطق بأيّ شيء غير المواضيع المطروحة، فيشتت الأفكار، ويحوّل الجلسات الى نوع من الهزل والاستهانة بكل مايؤمن به الآخرون، بما في ذلك مصائر البلدان والشعوب، وتحديداً، الحالة السورية، حيث أعترف أنّني لم أفهم موقفه الحقيقي الحاسم من القضية السورية، ثم علمت أنّ كل من جالسه واصل إلى تلك النتيجة.

لاحظت على صديقي بعد كل اللقاءات، نوعاً من الضياع والمعاناة في إشكالية هويته، هل هو قومي عربي؟، هل هو وطني فلسطيني؟، هل هو وطني سوري؟، هل هو مع الثورة السورية، بمعنى إسقاط نظام الاستبداد البعثي الشوفيني، أم بينَ بين، بسبب ماضيه القريب، عندما كان له حظوة لدى الحاكم البعثي، ورئيساً لقسم الفلسفة، وأشياء أخرى، مع أنّني لا أرى تناقضاً بين أن يكون الفلسطيني سورياً، والسوري فلسطيناً، والعربي كردياً، والكردي عربياً، وذلك من حيث الفكر والموقف السياسي والعمل النضالي والمفهوم الوطني السليم والحسّ الإنساني، ولدينا نماذج فلسطينية ملهمة رائعة، نعتزّ بها بهذا المجال، كالكاتبة والشاعرة ليانا بدر، والكاتب الباحث ماجد كيالي، والمناضل المثقف محمود خزام، والكاتب والمخرج نصري حجاج، والمثقف توفيق المشارقة، واللواء المتقاعد مأمون هارون رشيد، والقائمة تطول. إلى صديقي

إن كنت قد خرجت بتلك الانطباعات الأوليّة عن صديقي، إلا أنّني تركت المسألة للزمن، عسى ولعل حصول تحوّلات إيجابية، انطلاقاً من إيماني بإمكانية التطوّر في سلوك الانسان، ولكن على مايظهر فإنّه استسلم نهائياً لرياح الزمان، وإيحاءات المكان، فمعلوم أنّ المشهد السوري العام، وأمام استعصاءات المعارضة السورية، وخذلان المجتمع الدولي، والنظام العربي الرسمي، الذي بدأ بالانفتاح على نظام الأسد، وافتتاح سفاراته بدمشق، وتلاطم موجات العنصرية الأعمى، والأفعال وردودها، بين أوساط حزبوية أيديولوجية، عربية وكردية، بلغت درجة إعلان النفير القومي لدى البعض من القومية السائدة لاقتلاع الكردي (المهاجر المتسلل الانفصالي) من موطن الآباء والأجداد، في هذا الوقت بالذات، ونحن بأمسّ الحاجة الى أصوات ودعوات للتهدئة، يزجّ صديقنا بنفسه طرفاً، الى جانب الشر والفتنة، ويخالف نهج سيد الفلاسفة، كارل ماركس، ومقولته الشهيرة : “شعب حرّ لا يستعبد شعباً آخر”.

كنت أتمنى أن يكتب صديقي بمضمون آخر، وتحت عنوان آخر، (دفاعاً عن السوريين كل السوريين)، لا أن يقف الى جانب شوفينيي القومية السائدة، وضد أبناء القومية المضطهدة (بفتح الهاء)، فجميع فلاسفة عصر النهضة، والفلاسفة الاشتراكيين، والأمميين، صرّحوا أو أوحوا أنّ هناك بوناً شاسعاً بين مضامين الفكر القومي، لدى كل من الشعوب المستقلّة بدول وكيانات من جهة، وبين الدعوات القومية لشعوب وأقوام وقوميات ترزح تحت نير الاضطهاد والحرمان والتجاهل، وكذلك المعرّضة للتمثلية القومية، وتغيير التركيب الديموغرافي لمناطقها التاريخية الأصلية، والأمر المعيب والمهين، بآن واحد، أن يعتبر صديقي القومية الثانية من حيث العدد بسوريا (الأقلية القومية)، وهكذا الحال بخصوص الشركاء التركمان السوريين، الذين يشكّلون نسبة كبيرة، فصديقنا يعلم ما يكتب، فالأقليّة تعني جماعة من السكان تسكن أراضي الآخرين، ولاتستحق الحقوق القومية في منظور القانون الدولي والمواثيق العالمية، ولايعلم الصديق أنّ هذه المقولة المهينة العنصرية تجاه الكرد والتركمان، وغيرهم، من صنع الفكر البعثي، كذريعة لحرمانهم من الحقوق الأساسية وتهجيرهم لأنّهم غرباء متسللون. إلى صديقي

خطيئة أخرى اقترفها صديقي، عن سابق إصرار وتصميم، عندما فصل الوضع الكردي بسوريا، من حيث الحقوق، عن باقي أجزاء كردستان، في تركيا وإيران والعراق، باعتباره الكرد السوريين لايستحقون أن يقرروا مصيرهم السياسي والإداري، في إطار سوريا الواحدة الموحدة (لأنّهم أقلية قومية) بل يمكن، حسب زعمه، أن يتمتعوا (بحقوق قومية)، وهو دليل آخر على خضوع صديقنا، لما أسلفنا ذكره، برياح الزمن الرديء، حسب توصيف الراحل الكبير ياسر عرفات، أما مواقفه الإنكاريّة لوجود وتاريخ وحقوق (الآشوريين والكلدان والسريان والتركمان والأرمن… إلخ)، والاستهزاء بها، فيدلّ على عدم معرفته بتاريخ سوريا أو قراءتها، كما رسمتها وقررتها الدائرة الثقافية للقيادة القومية لحزب البعث، على قاعدة الأحادية القومية والحزبية والعقائدية والطائفية والعائلية والفردية، وبالمناسبة، روّج البعث الحاكم في جريدته النظرية، الناطقة باسم الحزب، منذ عام (١٩٦٦)، لفكرة أنّ الكرد مثلهم كمثل العرب المهاجرين إلى أوروبا وأمريكا، لهم حق المواطنة فقط.

لا يا صديقي، استنجاد السريان والتركمان والكرد والأمازيغ بالتاريخ ليس “سخافة” ولا “ترهات”، حسب تعبيراتك القاسية المهينة، فعندما يستحضرون التاريخ القديم والمتوسط، فبذلك يدافعون عن وجودهم أمام سياسة الإنكار السائدة، الآن، لدى مثقفي القومية السائدة، ألا تعلم بقرارة نفسك أنّ السريان أو الآراميين، لهم دور تاريخي قديم في وجود سوريا المعاصرة؟ ألا تعلم، كأستاذ جامعي، أنّ مصادرك الفلسفية، معظمها، من تأليف أو ترجمة علماء يونان وسريان وبيزنطيين؟ ألا تعلم أنّ دول شمال أفريقيا تسكنها غالبية أمازيغيّة في الجزائر، مايقارب النصف في المغرب ٦٠٪، وينتشرون بتونس ومصر، أيضاً، هل تنكر أنّ كردستان التاريخية تجزّأت على مرحلتين، الأولى، بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، منذ معركة جالديران، والثانية، بعد اتفاقية سايكس _بيكو؟، هل تنكر أنّ كرد سوريا وتركمانها ومسيحييها من السكان الأصليين بسوريا؟. إلى صديقي

صديقي، لماذا تكره التاريخ، وأنت أستاذ فلسفة؟، لماذا تتحسس من وجود عناصر ومكونات أخرى غير العرب حكموا المنطقة، بل حررورها مرات، وتصدّوا للعدوان الخارجي؟، يبدو أنّك تتحسس حتّى من الأيوبيين الكرد الذين حرروا بيت المقدس، ولولا ذلك لكان اسمك الآن (موشي أو بنيامين أو عزرا)، لماذا تنكر حقيقة أنّه مرّ على سوريا أقوام وهجرات وغزوات، وكان آخرها الغزوات العربية الإسلامية، كما يقول المؤرخ العربي المسيحي _فيليب حتي_ الذي لايستطيع أحد المزايدة على عروبته الإنسانيّة، وما العيب إذا أرجع بعض العلماء والدارسين أصل الفلسطينيين، مثلاً، الى جزيرة كريت، أو القحطانيين، أو الجزيرة العربية، إنّها دراسات واجتهادات وتراث إنساني ليس إلاّ.

صديقي، الوطنييون الكرد السوريون ليسوا جميعهم منتمون إلى الأحزاب الكردية الأيديولوجية، التي تبلغ أعدادها قرابة الخمسين، والغالبية الساحقة ليست مع سياسات وممارسات الأحزاب، ورفضت وأدانت تمدّد جماعات (ب ك ك) باسم جماعاتها، أو باسم (قسد) ونصفها من العرب، نحو مناطق الرقة ودير الزور وأجزاء من الحسكة، ولكنك وفي خضم فورتك ويقظتك القوموية المفاجئة، نسيت أو تناسيت ما مورس بحق الكرد السوريين من مخططات عنصرية ومشاريع تصفوية، تحت ظل الحكومات والنظم الدكتاتورية، منذ الاستقلال، وحتّى الآن، لقد غيروا تركيبة مناطقنا وهجرونا، وغيروا أسماء البشر والحجر، وحرمونا من حقوق المواطنة، وصادروا أراضينا، وحرمونا من الإصلاح الزراعي، ومنعوا لغتنا وحرمونا من ثقافتنا، هل نسيت الإحصاء الاستثنائي بالجزيرة؟، هل نسيت مخطط الحزام العربي؟، عندما ترى كل ذلك، وتعترف بالمظلومية الكردية، على مدى نصف قرن، حينها، قد يحق لك نقد الأحزاب الكردية.

عندما وضع البعثي (محمد طلب هلال) _الذي رقّي عضواً بالقيادة القطرية ثم وزيراً للتموين ثم سفيراً ببولونيا_ وكان رئيس شعبة الأمن السياسي بالجزيرة، حينذاك، عندما كلّف بالبحث عن سبل لتهجير الكرد من المنطقة، والتقليل من أعدادهم، توصل بعد جهد جهيد، إلى استنتاج _حرفي_ بضرورة الاستفادة من تجربة الحركة الصهيونية في تهجير الفلسطينيين، أصحاب الأرض، وإنشاء المزارع النموذجية للمستوطنين الجدد، وقد أطلق الحزب الشيوعي، وباقي أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، أسماء مزارع الدولة (الكولخوذات، المزارع التعاونية، المنطقة الخضراء) على ذلك الفعل القبيح المفعم بالعنصرية.

ليفانت – صلاح بدرالدين  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

إلى صديقي “المجنون” أحمد البرقاوي

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك

قناتنا على اليوتيوب