هل كُسرَت مرآة المجتمع التركي في عهد العدالة والتنمية؟

الصحافة التركية

على اعتبار أنّها مرآة لمجتمعاتها، تعكس حاله ويعكس حالها، يبدو أنّ الصحافة التركية تمرّ في أيام عصيبة، حالها حال شريحة واسعة من الأتراك، في ظلّ التضييق الذي تمارسه السلطات على كل الأصوات الناقدة والمناوئة لحكومة العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان، حيث تُسمع بشكل متواتر أنباء عن اعتقال الصحفيين أو إغلاق المؤسسات الإعلاميّة، فيما تكون الطامة الكبرى في التهم الموجهة إليهم والتي تصل لحدّ اتهامهم بـ”الإرهاب”، رغم أنّ أسلحة هؤلاء لا تتعدّى أقلامهم التي يزودون بها عن حقائق أو يكشفون أخرى لا تروق لسلطات أنقرة، فيكون جزاؤهم الاعتقال وغياهب السجون. 

انتقاد أوروبي لوصم الصحفيين بالإرهاب

وتعيش الصحافة التركية واحدة من أسوأ عصورها في ظلّ حكم رجب طيب أردوغان، وفق ما قاله تقرير لـ “دويتش فيله” الألمانية، في الرابع عشر من يناير الماضي، عندما ذكرت في تقرير، أنه من الصعب على الصحفيين في تركيا الإبلاغ عن قضايا مثل الفساد أو حرب الحكومة مع الأكراد، كما قال جلال باسلانجيتش من قناة Arti TV المستقلة ومقرّها ألمانيا، وقال: “الأهم هو مقاومة الحرب والدعوة من أجل السلام، لكن في الوقت الحالي في ذلك البلد، فإنّ الذين يريدون السلام يعاملون كإرهابيين”، فيما عبّر أيدين إنجين، وهو كاتب عمود في جريدة “جمهوريت” اليومية، عن رأي مماثل، فقال إنّ وسائل الإعلام لم تعد حرّة منذ الاستفتاء على الدستور لعام 2017، الذي ألغى منصب رئيس الوزراء وأصبحت السلطة مركّزة في الرئاسة بدلاً من البرلمان، مشيراً إلى أنّه لا يكاد يوجد منفذ إعلامي حرّ في ظلّ مناخ من القمع.

 

وفي السياق، قال تقرير تم إعداده من قبل البرلماني البريطاني جورج فولكس، ويحمل عنوان “سلامة الصحافيين في أوروبا وحرية الإعلام”، ناقش، في الواحد والعشرين من يناير، حرية الإعلام في أوروبا، قال في الجزء الخاص بتركيا: “إنّه على أنقرة أن تتوقّف عن سوء استعمال قوانين الإرهاب والعقوبات، من أجل إسكات الصحافيين والصحافة”، حيث سلّط التقرير الضوء على أنّ الصحافيين في تركيا يتم اعتقالهم لأشهر وسنوات بشكل اعتباطي، قبل أن يتمّ عرضهم على المحكمة المختصّة، وأكّد أنّ هذا الوضع مخالف لحرية التعبير والفكر، كما سلّط الضوء على انتقادات هذا الوضع من قبل محكمة حقوق الإنسان الأوروبيّة، مطالباً إما بإلغاء أو تغيير المادة 299 من قانون العقوبات والمتعلقة بجريمة “إهانة رئيس الجمهورية” والمادة 301 من القانون نفسه المتعلّقة بالجرائم الخاصة باحترام سيادة الدولة ومؤسساتها.

ملاحقة وحجب من يكشف الحقائق

وليس النقد وحده ممنوعاً في تركيا، حيث لكشفِ الحقيقة أيضاً ثمن، قد يصل إلى أيام وشهور من الاعتقال، وهو ما أشارت وسائل إعلام تركيّة، في الرابع من مارس، حيث أعلنت أنّ قوّات الأمن اعتقلت مدير الأخبار بموقع “أودا تي في” (Odatv) باريش ترك أوغلو، على خلفية تقرير عن تشييع جنازة أحد أفراد جهاز المخابرات التركية قتل في ليبيا، حيث أشار التقرير أنّ تشييع جنازة الضابط قد تمّت في مقاطعة مانيسا الغربية، منوهةً أنّ التشييع جرى بصمت ودون مشاركة مسؤولين رفيعي المستوى.

وإلى جانب الاعتقال نتيجة النقد أو كشف الحقائق، تأتي عقوبة الحجب لتطال عدداً من المواقع التي تنشر أخباراً لا تناسب مزاج أنقرة، وهو ما عمدت إليه الأخيرة في التاسع عشر من أبريل، عندما حجبت الموقع الإلكتروني لصحيفة الإندبندنت البريطانية.

 

وفي السياق، قال مدير تحرير النسخة التركية لموقع صحيفة إندبندنت، نوزاد شيشاك، في تغريدته، إنّ السلطات التركية حجبت الموقع بموجب قرار إداري، موضحاً أنّ قرّاء الموقع يواجهون مشكلة في الدخول إليه والبعض يتلقّى تحذيراً أثناء محاولة الدخول إليه، رغم أنّ شيشاك قد عمل سابقاً، بصحيفة صباح، ونشر العديد من الكتابات النارية بالنيابة عن السلطة الحاكمة، لكن لا يبدو أنّ ولاءه لحزب العدالة والتنمية قد تمكّن من إنقاذه، حيث ووصفته وسائل إعلام حكومية بـ”الخائن”، فيما تناولت وسائل الإعلام الحكوميّة في تركيا حجب الموقع بأنّه إغلاق لموقع ينشر أخباراً كاذبة. 

الاقتراب من دائرة أردوغان غير مسموح

وبجانب عدم جواز النقد أو كشف الحقائق الذي قد يكون ممهداً للاعتقال أو حجب الوسيلة العارضة للمعلومات، لا يجوز في تركيا التطرّق إلى الدائرة الضيقة الخاصة بالرئيس التركي، وهو ما يمكن استنتاجه من دعوة النيابة العامة في تركيا، في التاسع عشر من أبريل، إلى السجن من عام وحتى عامين لصحفية كشفت شراء وزير الخزانة والمالية وصهر الرئيس رجب أردوغان، برات البيراق قطعة أرض بالمنطقة التي تشهد تنفيذ مشروع قناة إسطنبول.

وأثناء مذكرة الادّعاء الأولى التي صدرت، في السادس من مارس/ آذار، بحقّ الصحفية التركيّة، هزال أوجالك، وهي مراسلة صحيفة جمهوريت، دعا النائب العام لمحاكمتها بتهمة الخيانة، إلا أنّ نائب المدعي العام كرر مذكرة الادعاء وبيّن أنّ التهمة هي الإهانة وقد تمّ ارتكابها علانيّة عبر الصحافة، زاعماً على ضرورة زيادة العقوبة. 

 

رأيٌ لا يبدو أنّه أضحى يروق لكثيرٍ من الساسة التُرك، حيث أوضح علي باباجان، رئيس حزب الديمقراطية والتقدّم المعارض، في الرابع من مايو، أنّ وجود 91 صحفياً بالسجون وتصنيف تركيا بالمرتبة 154 من بين 180 دولة في حرية الصحافة بمثابة “عار كبير”، قائلاً: “لا تخشوا الصحافة الحرّة، إن لم يكن لديكم ما تخافوه”، وذلك ضمن سلسلة من التغريدات بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، الموافق للثالث من مايو، حيث أشار باباجان أنّ حرية الصحافة أحد الأعمدة الأساسية وضمانات الديمقراطية، منوّهاً أنّ تقييد حرية الصحافة بشكل مباشر أو غير مباشر منافٍ لمبدأ الدولة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وبالتالي، يبدو جلياً أنّ ما كانت تتباهى به تركيا سابقاً، من تطبيقها معايير الاتحاد الأوروبي أو السعي على الأقل إلى تطبيقها، قد ذهب أدراج الرياح، خاصّة خلال السنوات القليلة الأخيرة، التي لم يعد فيها الانضمام إلى الاتحاد مطمعاً تركياً، بقدر ما أصبح سعيها هو حصار وابتزاز للاتحاد، إن كان عبر مدّ أذرعها في ليبيا، أو تهديد اليونان باللاجئين السوريين، إضافة بطبيعة الحال إلى تمويل أنقرة لنشاطات جمعيات إسلاميّة في الظاهر و”إخوانية” في الأداء، فيما ليست الأخيرة إلا وسيلة من وسائل إحياء العثمانيّة الجديدة، وعليه، لا يبدو أنّ المعايير الأوروبيّة تؤرق بالَ أنقرة، وهو يعني فيما يعنيه، أنّ أياماً أحلك قد تنتظر الصحافة التركيّة والمجتمع التركي في العموم.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة