لاجئون في صربيا..بين “تماسيح الدانوب” والبوليس الروماني

لاجئون في صربيا

 إعداد وتحرير: نور مارتيني 

 

بعد أزمة كورونا، بات السوريون اللاجئون في المخيمات اليونانية على موعدٍ مع الإقامة الجبرية، نظراً لخطورة الظروف، وقوانين حظر التجوّل وإغلاق الحدود التي فرضتها الأغلبية الساحقة من الدول الأوروبية، كونها المتضرّر الأكبر من الجائحة، التي ضربت العالم بأسره، وأضافت عبئاً جديداً يضاف إلى قائمة الأعباء التي يتحمّلها اللاجئون في كلّ بقاع العالم، والنازحون الذين تمّ تهجيرهم إلى مخيّمات داخل الأراضي السورية 

 

ومع انعدام الإحساس بالأمان، سواء أكان داخل المخيمات أو خارجها، والغموض الذي يكتنف مرض “كوفيد- 19″، نتيجة عدم التوصّل إلى علاج أو لقاح وقائي من جهة، وعدم توفّر جدول زمني لفك الحظر المرتبط بالمرض، نتيجة عدم توفّر معلومات حول موعد انحسار الجائحة؛ كلّ هذه العوامل مع بدء إجراءات فكّ الحظر بشكل جزئي، حرّضت اللاجئين في المخيمات  الحدودية الأوروبية على خوض المغامرة، مستغلّين بداية فصل الصيف، رغم المخاطر الجمّة التي تكتنفها، غير أنّها تبقى أخفّ وطأة من ظروف الاكتظاظ في المخيمات، والأوضاع الصحية السيئة فيها، التي تزيد من احتمال الإصابة بالفيروس.

وبالنظر للشلل الذي تتعرض له حركة الطيران عالمياً، والتقسيم الذي طال أوروبا، نتيجة حظر التنقّل بين دولها، بات الخيار الوحيد المتاح هو اللجوء إلى خيار التنقل عبر الحدود البرية، رغم ما يتكبّده اللاجئون من مشقة، ومخاطر العبور البرّي التي تبتدئ باحتمال الضياع في الغابات، ولا تنتهي عند الموت على يد الشرطة الحدودية.  لاجئون في صربيا

اقرأ المزيد: بيع أعضاء من أجسادهم، وسيلة اللاجئين السوريين للحياة بتركيا

اختارت مجموعات من اللاجئين السوريين العالقين، خوض التجربة والمغامرة، أملاً في الوصول إلى برّ الأمان، وبالرغم من العقبات التي تقف في وجه إتمام رحلتهم، والمخاطر التي تكتنف هذه الرحلة الغامضة إلى مجهول، يبقى أفضل من واقع البقاء في مخيّم يفتقر إلى أدنى ظروف الإنسانية، تحت رحمة كورونا من جهة، والدول المانحة التي تتحكّم بملفّ اللاجئين وتستغلّهم كأدوات للابتزاز السياسي.

عملية الابتزاز السياسي تتبدّى في تعامل كلّ من الطرفين التركي والأوروبي مع ملف اللاجئين على أنّه أدوات مساومة، فالرئيس التركي يهدّد دول الاتحاد الأوروبي بفتح الحدود للاجئين الراغبين في العبور إلى أوروبا، وإغراقها بأعداد كبيرة منهم، كما حدث عام 2015، فيما تحاول أوروبا التضييق على اللاجئين المتواجدين على أراضيها لمواجهة تهديدات الرئيس التركي، وفي الوقت الذي كان يكفي أن تتعامل كلّ الدول بمسؤولية مع الملف السوري، لينتهي ملفّ اللجوء الذي يؤرّق الجميع، برمّته! لاجئون في صربيا

ليفانت نيوز تواصلت مع مجموعة مكوّنة من 13 شخصاً، من العالقين في صربيا، والذين تعرّضوا للتعذيب والسلب على الحدود الصربية – الرومانية، دون مراعاة وجود نساء وأطفال ومسنين بين أفراد المجموعة.

اللاجئون .. أرقام وإحصائيات وأدوات تهديد

تشير الإحصائيات التي أوردتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 2018، إلى أن  ثلثي اللاجئين أي 67% حول العالم يأتون من 5 بلدان فقط، واحتلت سوريا مرتبة الصدارة بواقع 6.7 مليون نازح سوري.

وبعد تطبيق اتفاقية التوزيع العادل للاجئين في الاتحاد الأوروبي، بات الموضوع بغاية التعقيد، فقد منح قدر أكبر للحكومات في جنوب أوروبا من قبل الاتحاد الأوروبي، بمقابل الاحتفاظ بهؤلاء اللاجئين ريثما يتمّ إيجاد أماكن لتوطينهم.

وفي ظلّ إحجام دول الشمال الأوروبي عن استقبال المزيد من اللاجئين، مع تصاعد شعبية اليمين المتطرّف في أوروبا، بات الموضوع أشدّ تعقيداً، حيث باتت إجراءات الرقابة على الحدود أكبر، سيما بعد تهديدات إردوغان المتكرّرة.

اقرأ المزيد: بحثاً عن هوية جديد..اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

ففي بداية أزمة كورونا على سبيل المثال، اتجه زعيم الحزب اليميني المتطرف “الديمقراطي السويدي”، أو “سفاريا ديموكراتنا” نحو الحدود التركية – اليونانية، ووزّع أوراقاً للاجئين على الحدود كتب عليها باللغة العربية، ما مفاده بأن السويد ممتلئة، وأن لا مكان للمزيد من اللاجئين فيها؛ كلّ هذه العوامل جعلت موضوع وصول السوريين إلى العمق الأوروبي مسألة بالغة الصعوبة. لاجئون في صربيا

في عام 2018، اعتبرت ديجانا كوراتش مانديتش من المركز الإنساني هي المنسقة الرئيسية لمشاريع اللاجئين في منظمتها بصربيا. أن عدد اللاجئين في صربيا بعيد عن أن يكون منذراً بالخطر، لاسيما عندما نقارنه مع تدفق اللاجئين قبل ثلاث سنوات، وفق ما نشرته وكالة دويتشه فيليه الألمانية.

وأوضحت أن آلاف المهاجرين يريدون مواصلة طريقهم إلى أوروبا الغربية. “هم يأتون إلى بلغراد ويسجلون أنفسهم كلاجئين. هذا نسميه: إعلان نية لطلب اللجوء. لديهم 72 ساعة من الوقت للظهور في مركز اللاجئين. وإذا لم يقدموا طلب لجوء، فإنهم يكونون في فراغ قانوني”. ومعلومات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تؤكد هذا الأمر. في يونيو/ حزيران 2018 تم تسجيل 739 لاجئا جديدا في صربيا، فقط 22 منهم قدموا طلبات لجوء. وجميع الباقين يترقبون في صربيا فرصة لمواصلة رحلتهم، فلا أحد يرغب في البقاء على عتبة الاتحاد الأوروبي.

وبحسب الأرقام التي حصلت عليها ليفانت نيوز من غياث، وهو صحفي وأحد الشبان الذين تعرّضوا للانتهاكات على يد البوليس الروماني، يبلغ عدد اللاجئين المتواجدين في المخيمات الصربية نحو 13 ألف لاجئ، بينهم 70% قادمون من سوريا.

دروب وعرة وخطر محدق

غياث، أحد أفراد مجموعة مكونة من 13 شخصاً، بينهم مسنّون ونساء، قرّروا أن يخوضوا مغامرة الخروج من صربيا بأي ثمن، والتوجّه إلى النمسا.

غياث ورفاق دربه تمّ القبض عليهم من قبل الشرطة الرومانية، لدى محاولتهم الدخول إلى هناك، وتعرذضوا للضرب والسلب والتفتيش الجسدي المهين.

حول الطرق وخطورتها يروي غياث لليفانت نيوز: “على الصعيد الشخصي ذهبت برفقة أصدقائي باتجاه الأراضي الرومانية قرب مدينة تيمشوارا التي تبعد حوالي 40 كم عن الحدود الصربية -الرومانية ولكن تم القبض علينا من قبل الشرطة الرومانية”، ويوضح غياث البالغ من العمر 34 عاماً أنّ “ليس خيار سلوك طريق كرواتيا بالأفضل حالاً، فهناك نوع آخر من العنف حيث يقوم عناصر البوليس بإلقاء القبض على المهاجرين وبعدها يقومون بحفلات يدعون إليها بعضهم البعض، وأخبرني أحد الأصدقاء عن ذلك فقال : لقد ذهبت ضمن مجموعة وبدأنا بقطع الحدود البوسنية الكرواتية لم نلبث كثيرا حتى ألقي القبض علينا بعد زهاء ساعتين من المشي السريع المتواصل على تلك الجبال الشاهقة”. لاجئون في صربيا

جانب من التعذيب الذي تعرّض له غياث وزملاؤه

وويوضح غياث أن “من أخطر ما يمكن أن يتعرّض له المرء في رحلة اللجوء عبر كرواتيا، هو أن الشرطة الكرواتية، تلقي بالناس في نهر الدانوب، وقد فقد هناك كثير من الأشخاص ممن ماتوا غرقاً، إذا كان حظهم جيداً ولم يسقطوا بين فكّي أحد التماسيح الذين يمتلئ بهم النهر”.

اقرأ المزيد: هنغاريا تعثر على نفقين لتهريب المُهاجرين من صربيا

الخيار الثالث المطروح لدى العالقين في صربيا، بعد رومانيا وكرواتيا هو هنغاريا ولكنه وبحسب غياث ليس بأفضل حالاً “فالغابات هناك ممتدّة ومظلمة، وهي عبارة عن محميات طبيعية، وكثيرون تاهوا في الغابات، كما أن البعض قضوا فيها نتيجة البرد الشديد”، وأردف: “ليست طبيعة الغابات وحدها هي من يقف عائقاً، فطرق القبض على الأشخاص مهينة أيضاً”.

تعذيب وانتهاكات في كلّ مكان

مازن أبو حسين، البالغ من العمر 54 عاماً، كان مرافقاً لغياث وباقي المجموعة، الذين تعرّضوا للضرب والسلب والإهانة من قبل الشرطة الرومانية، حول قساوة التجربة، يروي أبو حسين لليفانت نيوز: “أنا حالياً متواجد في صربيا بعد أن أمضيت 8 أشهر في محاولة للعبور عبر المجر، ولكنّها باءت بالفشل، إلا أنني قرّرت تجربة العبور عن طريق رومانيا، وهناك تعرّضنا لمعاملة بالغة السوء عندما ألقي القبض علينا”، ويتابع مازن ” قبض علينا البوليس الروماني واتجه بنا نحو الحدود الصربية بعد أن صادروا الموبايلات، ونقلونا في عدة سيارات، بحيث تمكّنوا من تفريقنا، ثم بدؤوا بإنزالنا واحداً تلو الآخر من السيارات، وكنا نسمع أصوات صراخ دون أن ندري ما هو السبب”.

ويتابع: “عندما جاء دوري أنا وولدي قاموا بضربي بالهراوة ولكنني لم أتعرّض لضرب قاسٍ بحكم سني، كذلك السيدة التي كانت برفقتنا مع طفليها، أما بقية الشبان فقد انهالوا عليهم بالضرب، وقد شاهدتهم بأمّ عيني وهم يضربونهم ضرباً مبرحاً”، ويلفت مازن إلى أنهم تعرّضوا “للتفتيش البدني، وصادروا منا كلّ ممتلكاتنا ومدّخراتنا وحتى الموبايلات ثمّ تركونا عند الحدود “، مشيراً إلى أنّ “أفراد البوليس كانوا ملثمين ولم يكن يظهر منهم سوى أعينهم، كما أنهم قاموا بإحراق الموبايلات أمام أعيننا”.

كدمات ناجمة عن الضرب بالهراوات

في السياق ذاته يقول غياث “كنت ممن تعرّضوا للضرب المبرّح، ما خلّف لدي كدمات وسحجات، أما المرأة والمسنون، فقد اكتفوا بتفتيشهم بطريقة بدنية مهينة، ومصادرة ما بحوزتهم من أشياء ثمينة ومدّخرات”.

كذلك يقول غياث:” لقد  أخذوا مني مبلغ 900 يوريو، هي كلّ ما أملك، وأخذوا منالسيدة مبلغ 400 يورو ولم يراعوا احتياجات طفليها الصغيرين البالغين من العمر 9 أشهر و3 أعوام”، لافتاً إلى أنّه “لم يتم معاينتنا بعد عملية التعذيب ولا التأكّد من مدى خطورة الكدمات بل اكتفوا بإعطائنا بعض المسكّنات وإعادتنا إلى المخيم في صربيا”.

قرأ المزيد: اللاجئون السوريون في ظل كورونا..قهر على قهر

وحول سبب إصرارهم على سلوك طريق رومانيا، يرى غياث أنه الأكثر أمناً: “أخبرني بعض الأصدقاء أنّ التعامل في كرواتيا هو الأسوأ على الإطلاق، حيث أنّهم يخلعون عن اللاجئين ملابسهم ويلقونهم في نهر الدانوب ليكون مصيرهم الغرق أو الافتراس من قبل التماسيح، كما يقومون بإحراق المدّخرات والأوراق الثبوتية”، أما عن هنغاريا فيقول غياث: “يعتمد البوليس في بلغاريا على الكلاب البوليسية، حيث أنّهم يكمّمون فم الكلب ويطلقونه في الغابة، وما إن يعثر على شخص ما حتى يدفعه أرضاً ويثبّته إلى حين مجيء البوليس والقبض على من يحاول دخول الحدود”.

استنزاف مالي وتجارة رابحة

يرى البعض أن الإجراءات الحدودية المشدّدة، هي إحدى عوامل ازدهار تجارة تهريب البشر، والتي تحرّمها القوانين الأوروبية، وتصل الأحكام القانونية في بعض دول الاتحاد الأوروبي إلى حدّ السجن والترحيل.

ولكن البعض الآخر يعتبر أنّ هذه الإجراءات يدفع لازدهار مهنة التهريب، ويرفع أسعارها، فقد تراوحت الأسعار بين 3000 و8000 آلاف يورو ليضمن البعض وصوله لألمانيا، حيث يعزون غلاء أسعارهم للاتفاق مع شرطة الحدود في هذه الدول.

وكانت دولة السويد قد ألقت عام 2019 القبض على سياسي سويدي من أصول سورية، بتهمة تهريب البشر،

حيث كشفت صحيفة اكسبريسن السويدية عن تورط أحد سياسيي الحزب الاشتراكي الديمقراطي في بلدية يونغبي الواقعة في محافظة كرونوبري، في عمليات تهريب اشخاص من اليونان إلى السويد، وذلك عبر استخدام جوازات سفر سويدية او من جنسيات اخرى وعليها الاقامة السويدية، تحمل صورة شبيهة بالشخص الذي يحاول الهرب بصورة غير شرعية الى السويد.

حيث نشرت الصحيفة  مقطع فيديو كانت قد صورته خلسةً في جزيرة كريت اليونانية، حيث طلب من أحد السوريين مبلغاً وقدره 2000 يورو لكل طفل، و مبلغ 3000 يورو لكل شخص بالغ، لقاء مساعدتهم بالعبور من اليونان الى السويد بجوازات سفر مزورة.
حيث قال رشاد الأسعد /27 عاماً/ ، والذي يشغل منصب عضو الاحتياط في بلدية يونكبي في مقاطعة كرونباريعن مقعد الحزب الحاكم أنه يقوم بالاتجار بالجوازات المزورة، وجلب الأشخاص بشكل غير قانوني لأجل المال فقط. وأنه واثق من عبورهم من مطار خانيا بسهولة بسبب خبرته في التعامل مع تلك القضايا وكونه عمل بأكثر من مؤسسة من مؤسسات الحكومة السويدية.

تشعّبت القضية السورية كثيراً، وولّدت كمّاً هائلاً من المعضلات السياسية والاجتماعية التي تحتاج كلّ منها إلى خطة حلّ مستقلة، ومع استمرار المأساة لا يمكن أن نأمل بحلول قريبة.

ولكن ملفّ اللاجئين هو واحد من الملفّات التي تقتضي جهداً استثنائياً، ليس بسبب غياب الاستراتيجية المنظمة، مع وجود مشاكل كتعذّر الحصول على وثائق رسمية، وصعوبة تسجيل المواليد الجدد في الدوائر الرسمية السورية فحسب، بل لأنّ التبعات النفسية لهذا الملف هي أصعب بكثير من أن يتمّ حصرها، والتي لاتقتصر على الرضوض النفسية الناجمة عن الظروف غير الإنسانية التي يواجهها اللاجئ، بل تصل إلى مأساة الأطفال القصّر الذين قدموا إلى أوروبا بدون ذويهم، لينخرط بعضهم في شبكات الجريمة، خاصة بعد تعقيد ظروف لم شمل القاصرين مع ذويهم، والذي أسهم في تفريق شمل العائلات، وغياب صورة العائلة من مخيّلة هؤلاء الشباب.

المعاناة كبيرة، وثمّة من يحاول الاستهانة بها، وآخرون ينكرون وجود تماسيح في نهر الدانوب أصلاً، رغم مقاطع الفيديو المتداولة لتماسيح تعيش في الدانوب، وعلى امتداد ضفافه المترامية، والموزّعة على دول أوروبية مختلفة، غير أن التمساح قد يكون بشرياً حين يرمي بأخيه الإنسان في دوامة الموت..دون أن يرفّ له جفن، على غرار ما تقوم به الحكومات على ضفاف الدانوب، أو الحكومات التي دفعت باللاجئين إلى عبوره!

ليفانت

 إعداد وتحرير: نور مارتيني 

 

بعد أزمة كورونا، بات السوريون اللاجئون في المخيمات اليونانية على موعدٍ مع الإقامة الجبرية، نظراً لخطورة الظروف، وقوانين حظر التجوّل وإغلاق الحدود التي فرضتها الأغلبية الساحقة من الدول الأوروبية، كونها المتضرّر الأكبر من الجائحة، التي ضربت العالم بأسره، وأضافت عبئاً جديداً يضاف إلى قائمة الأعباء التي يتحمّلها اللاجئون في كلّ بقاع العالم، والنازحون الذين تمّ تهجيرهم إلى مخيّمات داخل الأراضي السورية 

 

ومع انعدام الإحساس بالأمان، سواء أكان داخل المخيمات أو خارجها، والغموض الذي يكتنف مرض “كوفيد- 19″، نتيجة عدم التوصّل إلى علاج أو لقاح وقائي من جهة، وعدم توفّر جدول زمني لفك الحظر المرتبط بالمرض، نتيجة عدم توفّر معلومات حول موعد انحسار الجائحة؛ كلّ هذه العوامل مع بدء إجراءات فكّ الحظر بشكل جزئي، حرّضت اللاجئين في المخيمات  الحدودية الأوروبية على خوض المغامرة، مستغلّين بداية فصل الصيف، رغم المخاطر الجمّة التي تكتنفها، غير أنّها تبقى أخفّ وطأة من ظروف الاكتظاظ في المخيمات، والأوضاع الصحية السيئة فيها، التي تزيد من احتمال الإصابة بالفيروس.

وبالنظر للشلل الذي تتعرض له حركة الطيران عالمياً، والتقسيم الذي طال أوروبا، نتيجة حظر التنقّل بين دولها، بات الخيار الوحيد المتاح هو اللجوء إلى خيار التنقل عبر الحدود البرية، رغم ما يتكبّده اللاجئون من مشقة، ومخاطر العبور البرّي التي تبتدئ باحتمال الضياع في الغابات، ولا تنتهي عند الموت على يد الشرطة الحدودية.  لاجئون في صربيا

اقرأ المزيد: بيع أعضاء من أجسادهم، وسيلة اللاجئين السوريين للحياة بتركيا

اختارت مجموعات من اللاجئين السوريين العالقين، خوض التجربة والمغامرة، أملاً في الوصول إلى برّ الأمان، وبالرغم من العقبات التي تقف في وجه إتمام رحلتهم، والمخاطر التي تكتنف هذه الرحلة الغامضة إلى مجهول، يبقى أفضل من واقع البقاء في مخيّم يفتقر إلى أدنى ظروف الإنسانية، تحت رحمة كورونا من جهة، والدول المانحة التي تتحكّم بملفّ اللاجئين وتستغلّهم كأدوات للابتزاز السياسي.

عملية الابتزاز السياسي تتبدّى في تعامل كلّ من الطرفين التركي والأوروبي مع ملف اللاجئين على أنّه أدوات مساومة، فالرئيس التركي يهدّد دول الاتحاد الأوروبي بفتح الحدود للاجئين الراغبين في العبور إلى أوروبا، وإغراقها بأعداد كبيرة منهم، كما حدث عام 2015، فيما تحاول أوروبا التضييق على اللاجئين المتواجدين على أراضيها لمواجهة تهديدات الرئيس التركي، وفي الوقت الذي كان يكفي أن تتعامل كلّ الدول بمسؤولية مع الملف السوري، لينتهي ملفّ اللجوء الذي يؤرّق الجميع، برمّته! لاجئون في صربيا

ليفانت نيوز تواصلت مع مجموعة مكوّنة من 13 شخصاً، من العالقين في صربيا، والذين تعرّضوا للتعذيب والسلب على الحدود الصربية – الرومانية، دون مراعاة وجود نساء وأطفال ومسنين بين أفراد المجموعة.

اللاجئون .. أرقام وإحصائيات وأدوات تهديد

تشير الإحصائيات التي أوردتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 2018، إلى أن  ثلثي اللاجئين أي 67% حول العالم يأتون من 5 بلدان فقط، واحتلت سوريا مرتبة الصدارة بواقع 6.7 مليون نازح سوري.

وبعد تطبيق اتفاقية التوزيع العادل للاجئين في الاتحاد الأوروبي، بات الموضوع بغاية التعقيد، فقد منح قدر أكبر للحكومات في جنوب أوروبا من قبل الاتحاد الأوروبي، بمقابل الاحتفاظ بهؤلاء اللاجئين ريثما يتمّ إيجاد أماكن لتوطينهم.

وفي ظلّ إحجام دول الشمال الأوروبي عن استقبال المزيد من اللاجئين، مع تصاعد شعبية اليمين المتطرّف في أوروبا، بات الموضوع أشدّ تعقيداً، حيث باتت إجراءات الرقابة على الحدود أكبر، سيما بعد تهديدات إردوغان المتكرّرة.

اقرأ المزيد: بحثاً عن هوية جديد..اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

ففي بداية أزمة كورونا على سبيل المثال، اتجه زعيم الحزب اليميني المتطرف “الديمقراطي السويدي”، أو “سفاريا ديموكراتنا” نحو الحدود التركية – اليونانية، ووزّع أوراقاً للاجئين على الحدود كتب عليها باللغة العربية، ما مفاده بأن السويد ممتلئة، وأن لا مكان للمزيد من اللاجئين فيها؛ كلّ هذه العوامل جعلت موضوع وصول السوريين إلى العمق الأوروبي مسألة بالغة الصعوبة. لاجئون في صربيا

في عام 2018، اعتبرت ديجانا كوراتش مانديتش من المركز الإنساني هي المنسقة الرئيسية لمشاريع اللاجئين في منظمتها بصربيا. أن عدد اللاجئين في صربيا بعيد عن أن يكون منذراً بالخطر، لاسيما عندما نقارنه مع تدفق اللاجئين قبل ثلاث سنوات، وفق ما نشرته وكالة دويتشه فيليه الألمانية.

وأوضحت أن آلاف المهاجرين يريدون مواصلة طريقهم إلى أوروبا الغربية. “هم يأتون إلى بلغراد ويسجلون أنفسهم كلاجئين. هذا نسميه: إعلان نية لطلب اللجوء. لديهم 72 ساعة من الوقت للظهور في مركز اللاجئين. وإذا لم يقدموا طلب لجوء، فإنهم يكونون في فراغ قانوني”. ومعلومات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تؤكد هذا الأمر. في يونيو/ حزيران 2018 تم تسجيل 739 لاجئا جديدا في صربيا، فقط 22 منهم قدموا طلبات لجوء. وجميع الباقين يترقبون في صربيا فرصة لمواصلة رحلتهم، فلا أحد يرغب في البقاء على عتبة الاتحاد الأوروبي.

وبحسب الأرقام التي حصلت عليها ليفانت نيوز من غياث، وهو صحفي وأحد الشبان الذين تعرّضوا للانتهاكات على يد البوليس الروماني، يبلغ عدد اللاجئين المتواجدين في المخيمات الصربية نحو 13 ألف لاجئ، بينهم 70% قادمون من سوريا.

دروب وعرة وخطر محدق

غياث، أحد أفراد مجموعة مكونة من 13 شخصاً، بينهم مسنّون ونساء، قرّروا أن يخوضوا مغامرة الخروج من صربيا بأي ثمن، والتوجّه إلى النمسا.

غياث ورفاق دربه تمّ القبض عليهم من قبل الشرطة الرومانية، لدى محاولتهم الدخول إلى هناك، وتعرذضوا للضرب والسلب والتفتيش الجسدي المهين.

حول الطرق وخطورتها يروي غياث لليفانت نيوز: “على الصعيد الشخصي ذهبت برفقة أصدقائي باتجاه الأراضي الرومانية قرب مدينة تيمشوارا التي تبعد حوالي 40 كم عن الحدود الصربية -الرومانية ولكن تم القبض علينا من قبل الشرطة الرومانية”، ويوضح غياث البالغ من العمر 34 عاماً أنّ “ليس خيار سلوك طريق كرواتيا بالأفضل حالاً، فهناك نوع آخر من العنف حيث يقوم عناصر البوليس بإلقاء القبض على المهاجرين وبعدها يقومون بحفلات يدعون إليها بعضهم البعض، وأخبرني أحد الأصدقاء عن ذلك فقال : لقد ذهبت ضمن مجموعة وبدأنا بقطع الحدود البوسنية الكرواتية لم نلبث كثيرا حتى ألقي القبض علينا بعد زهاء ساعتين من المشي السريع المتواصل على تلك الجبال الشاهقة”. لاجئون في صربيا

جانب من التعذيب الذي تعرّض له غياث وزملاؤه

وويوضح غياث أن “من أخطر ما يمكن أن يتعرّض له المرء في رحلة اللجوء عبر كرواتيا، هو أن الشرطة الكرواتية، تلقي بالناس في نهر الدانوب، وقد فقد هناك كثير من الأشخاص ممن ماتوا غرقاً، إذا كان حظهم جيداً ولم يسقطوا بين فكّي أحد التماسيح الذين يمتلئ بهم النهر”.

اقرأ المزيد: هنغاريا تعثر على نفقين لتهريب المُهاجرين من صربيا

الخيار الثالث المطروح لدى العالقين في صربيا، بعد رومانيا وكرواتيا هو هنغاريا ولكنه وبحسب غياث ليس بأفضل حالاً “فالغابات هناك ممتدّة ومظلمة، وهي عبارة عن محميات طبيعية، وكثيرون تاهوا في الغابات، كما أن البعض قضوا فيها نتيجة البرد الشديد”، وأردف: “ليست طبيعة الغابات وحدها هي من يقف عائقاً، فطرق القبض على الأشخاص مهينة أيضاً”.

تعذيب وانتهاكات في كلّ مكان

مازن أبو حسين، البالغ من العمر 54 عاماً، كان مرافقاً لغياث وباقي المجموعة، الذين تعرّضوا للضرب والسلب والإهانة من قبل الشرطة الرومانية، حول قساوة التجربة، يروي أبو حسين لليفانت نيوز: “أنا حالياً متواجد في صربيا بعد أن أمضيت 8 أشهر في محاولة للعبور عبر المجر، ولكنّها باءت بالفشل، إلا أنني قرّرت تجربة العبور عن طريق رومانيا، وهناك تعرّضنا لمعاملة بالغة السوء عندما ألقي القبض علينا”، ويتابع مازن ” قبض علينا البوليس الروماني واتجه بنا نحو الحدود الصربية بعد أن صادروا الموبايلات، ونقلونا في عدة سيارات، بحيث تمكّنوا من تفريقنا، ثم بدؤوا بإنزالنا واحداً تلو الآخر من السيارات، وكنا نسمع أصوات صراخ دون أن ندري ما هو السبب”.

ويتابع: “عندما جاء دوري أنا وولدي قاموا بضربي بالهراوة ولكنني لم أتعرّض لضرب قاسٍ بحكم سني، كذلك السيدة التي كانت برفقتنا مع طفليها، أما بقية الشبان فقد انهالوا عليهم بالضرب، وقد شاهدتهم بأمّ عيني وهم يضربونهم ضرباً مبرحاً”، ويلفت مازن إلى أنهم تعرّضوا “للتفتيش البدني، وصادروا منا كلّ ممتلكاتنا ومدّخراتنا وحتى الموبايلات ثمّ تركونا عند الحدود “، مشيراً إلى أنّ “أفراد البوليس كانوا ملثمين ولم يكن يظهر منهم سوى أعينهم، كما أنهم قاموا بإحراق الموبايلات أمام أعيننا”.

كدمات ناجمة عن الضرب بالهراوات

في السياق ذاته يقول غياث “كنت ممن تعرّضوا للضرب المبرّح، ما خلّف لدي كدمات وسحجات، أما المرأة والمسنون، فقد اكتفوا بتفتيشهم بطريقة بدنية مهينة، ومصادرة ما بحوزتهم من أشياء ثمينة ومدّخرات”.

كذلك يقول غياث:” لقد  أخذوا مني مبلغ 900 يوريو، هي كلّ ما أملك، وأخذوا منالسيدة مبلغ 400 يورو ولم يراعوا احتياجات طفليها الصغيرين البالغين من العمر 9 أشهر و3 أعوام”، لافتاً إلى أنّه “لم يتم معاينتنا بعد عملية التعذيب ولا التأكّد من مدى خطورة الكدمات بل اكتفوا بإعطائنا بعض المسكّنات وإعادتنا إلى المخيم في صربيا”.

قرأ المزيد: اللاجئون السوريون في ظل كورونا..قهر على قهر

وحول سبب إصرارهم على سلوك طريق رومانيا، يرى غياث أنه الأكثر أمناً: “أخبرني بعض الأصدقاء أنّ التعامل في كرواتيا هو الأسوأ على الإطلاق، حيث أنّهم يخلعون عن اللاجئين ملابسهم ويلقونهم في نهر الدانوب ليكون مصيرهم الغرق أو الافتراس من قبل التماسيح، كما يقومون بإحراق المدّخرات والأوراق الثبوتية”، أما عن هنغاريا فيقول غياث: “يعتمد البوليس في بلغاريا على الكلاب البوليسية، حيث أنّهم يكمّمون فم الكلب ويطلقونه في الغابة، وما إن يعثر على شخص ما حتى يدفعه أرضاً ويثبّته إلى حين مجيء البوليس والقبض على من يحاول دخول الحدود”.

استنزاف مالي وتجارة رابحة

يرى البعض أن الإجراءات الحدودية المشدّدة، هي إحدى عوامل ازدهار تجارة تهريب البشر، والتي تحرّمها القوانين الأوروبية، وتصل الأحكام القانونية في بعض دول الاتحاد الأوروبي إلى حدّ السجن والترحيل.

ولكن البعض الآخر يعتبر أنّ هذه الإجراءات يدفع لازدهار مهنة التهريب، ويرفع أسعارها، فقد تراوحت الأسعار بين 3000 و8000 آلاف يورو ليضمن البعض وصوله لألمانيا، حيث يعزون غلاء أسعارهم للاتفاق مع شرطة الحدود في هذه الدول.

وكانت دولة السويد قد ألقت عام 2019 القبض على سياسي سويدي من أصول سورية، بتهمة تهريب البشر،

حيث كشفت صحيفة اكسبريسن السويدية عن تورط أحد سياسيي الحزب الاشتراكي الديمقراطي في بلدية يونغبي الواقعة في محافظة كرونوبري، في عمليات تهريب اشخاص من اليونان إلى السويد، وذلك عبر استخدام جوازات سفر سويدية او من جنسيات اخرى وعليها الاقامة السويدية، تحمل صورة شبيهة بالشخص الذي يحاول الهرب بصورة غير شرعية الى السويد.

حيث نشرت الصحيفة  مقطع فيديو كانت قد صورته خلسةً في جزيرة كريت اليونانية، حيث طلب من أحد السوريين مبلغاً وقدره 2000 يورو لكل طفل، و مبلغ 3000 يورو لكل شخص بالغ، لقاء مساعدتهم بالعبور من اليونان الى السويد بجوازات سفر مزورة.
حيث قال رشاد الأسعد /27 عاماً/ ، والذي يشغل منصب عضو الاحتياط في بلدية يونكبي في مقاطعة كرونباريعن مقعد الحزب الحاكم أنه يقوم بالاتجار بالجوازات المزورة، وجلب الأشخاص بشكل غير قانوني لأجل المال فقط. وأنه واثق من عبورهم من مطار خانيا بسهولة بسبب خبرته في التعامل مع تلك القضايا وكونه عمل بأكثر من مؤسسة من مؤسسات الحكومة السويدية.

تشعّبت القضية السورية كثيراً، وولّدت كمّاً هائلاً من المعضلات السياسية والاجتماعية التي تحتاج كلّ منها إلى خطة حلّ مستقلة، ومع استمرار المأساة لا يمكن أن نأمل بحلول قريبة.

ولكن ملفّ اللاجئين هو واحد من الملفّات التي تقتضي جهداً استثنائياً، ليس بسبب غياب الاستراتيجية المنظمة، مع وجود مشاكل كتعذّر الحصول على وثائق رسمية، وصعوبة تسجيل المواليد الجدد في الدوائر الرسمية السورية فحسب، بل لأنّ التبعات النفسية لهذا الملف هي أصعب بكثير من أن يتمّ حصرها، والتي لاتقتصر على الرضوض النفسية الناجمة عن الظروف غير الإنسانية التي يواجهها اللاجئ، بل تصل إلى مأساة الأطفال القصّر الذين قدموا إلى أوروبا بدون ذويهم، لينخرط بعضهم في شبكات الجريمة، خاصة بعد تعقيد ظروف لم شمل القاصرين مع ذويهم، والذي أسهم في تفريق شمل العائلات، وغياب صورة العائلة من مخيّلة هؤلاء الشباب.

المعاناة كبيرة، وثمّة من يحاول الاستهانة بها، وآخرون ينكرون وجود تماسيح في نهر الدانوب أصلاً، رغم مقاطع الفيديو المتداولة لتماسيح تعيش في الدانوب، وعلى امتداد ضفافه المترامية، والموزّعة على دول أوروبية مختلفة، غير أن التمساح قد يكون بشرياً حين يرمي بأخيه الإنسان في دوامة الموت..دون أن يرفّ له جفن، على غرار ما تقوم به الحكومات على ضفاف الدانوب، أو الحكومات التي دفعت باللاجئين إلى عبوره!

ليفانت

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit