دورُ القوّة النّاعمة تاريخيّاً تمهيداً لصفقةِ القرن | The Levant

دورُ القوّة النّاعمة تاريخيّاً تمهيداً لصفقةِ القرن

عبير نصر 
عبير نصر 

دون شكّ أثبتت السينما أنّها القوّةُ العالميّة التي لا تقهر، ولها قدرة تعبيريّة لا يُشقّ لها غبار فهي العازفُ الذكيّ حدّ الخبث، قادرة على أن تُوقع المتلقي في الدائرة التي يُحكم اللعب فيها، ونيل مراده بحنكةِ عقلٍ متمرّس في فنون الدهاء، وتجيير المُشاهد لمصلحتها عندما يقعُ أسيرَ الإغراء الذي يتمخّض عن شكل القصة المدهشة التي قد تواري هدفاً خبيثاً، كأن تدعم قضيةً في غاية الخطورة والحساسية، تتخفّى وراء قصة حبّ ساحرة، أو كفاحٍ إنساني عظيم. القوّة النّاعمة

سأتحدّث عن الفخّ الجميل الذي تحترف في نصبهِ اليدُ الناعمة وأقصد السينما، والتي تخرج عن مبادئ الفنّ لنزعة براغماتية تتمكن من خلالها إثباتَ أنّ كلّ ما تنتقده هو بدعة الشعوب المتخلّفة، هي الحاضرة والمتحضّرة والصديق الوفيّ لشعبٍ دون آخر، وأول ما سيتبادر للذهن -وأنا أذكر حساسيّة ما سبق- فكرةُ أنّ الشعبَ اليهودي المدلّل، غدا بلا شكّ العقلَ المدبّر للعالم، فجيّر كل الفنون دون استثناء لتكون قوة مركزية فاعلة وخطيرة وسط العُجمة العربية التي تشكو العرَجَ في اللحاق بما يسرق منهم، لتغدو فريسةَ الضعف والعيّ في التعبير.

في هذا السياق، سأتحدّث عن أهم الأفلام التي نالتْ نصيبها الوافر من الدعم والجوائز، والمخّصصة لسرد مأساة اليهود عبر التاريخ، والإبادة التي تعرّض لها هذا العِرق من قبل النازيّة إبّان الحرب العالمية الثانية، وسنبدأ بفيلمٍ في غاية الأهمية وهو (قائمة شندلر) الذي أنتج عام 1993، للمخرج العبقري (ستيفن سبيلبيرغ) عن رواية تتضمّن أحداثاً حقيقية وثّقها الكاتب الذكيّ (توماس كينلي) والتي نالتْ جائزة البوكر لاحقاً.

هذه القصة المحبوكة بعناية مكّنتْ سبيلبيرغ من إنتاج فيلمٍ ساحرٍ رغم تصويره بالأبيض والأسود (باستثناء مشهدين) مدعوماً بموسيقى خلاّبة، ليترشّح بفضل تكامل عناصره لسبع جوائز أوسكار ويحتلّ المرتبة التاسعة، ضمن قائمة المعهد السينمائي الأمريكي لأفضل مائة فيلم، بالإضافة إلى أفضل 250 فيلماً على مرّ التاريخ.

الشخصية الرئيسية في الفيلم تتمحور حول (أوسكار شندلر) الذي لعب دوره (ليام نيسون) وهو صناعيّ ألماني انتهازي، يقرّر الذهاب إلى بولندا ليعرض على الألمان شراكة استثمارية بخصوص تمويلِ وإدارة مصنعٍ للأواني أملاً منه في تحقيق الربح الكثير، تحت إشراف المحاسب (إسحاق ستيرن) الذي لعب دوره البريطاني (رالف فاينس).

وفي (الجيتو) وهو المكان الذي حشر فيه اليهود تُعقد الصفقة بين شندلر والنازيين، يتم بمقتضاها تزويدَ معمله بالعمال اليهود مقابل إنتاج أوانٍ معدنيّة تساعد ألمانيا في أعمالها العسكرية، في البداية تسير الأمور على خير ما يرام مع المسيحي ذي النزعة المادية إلى أن تهزّه إنسانيّته في كلّ مرّة يصطدم فيها مع المعاملة السيئة التي يلقاها اليهود، ليصبح لاحقاً في صفّهم تماماً ومخوّلاً بدافع إنسانيّ وأخلاقيّ للدفاعِ عن حقّهم في الحياة. القوّة النّاعمة

ويغدو مصنع شندلر مركزاً حيوياً يخدم المجهود الحربي الألماني، لكنه في الوقت نفسه يُظهر إنسانيّة الصناعيّ الذي كان يتّخذ مصلحته الشخصيّة ديناً وطريقة حياة، والذي يزعجه قتل اليهود الأبرياء لذا كان لا يدّخر فرصةً لإنقاذ حياة يهوديّ إضافي، لأنّهم (بنظره) مجرّد بشر عاديين وقع عليهم ظلمُ الألمان دون مبرّر أو سبب، ومع الوقت تتحوّل الصفقة المادية بين المسيحيّ غير المكترث بالسياسة وبين النازيين، إلى آلية فعالة يتمّ من خلالها إنقاذ حياة (1200) يهودياً بولندياً أُدرجت أسماؤهم ضمن قائمة شندلر.

لم يكن الفيلم في جوهره مجرّد قضية شخصية سردت حياة نازيّ أنقذ اليهود، إنما غدا فيلماً وثائقياً لا بدّ سيخلّد، رصدَ معاناةَ شعبٍ غدا مجرد رقمٍ لا ثِقَل له في قوائم الموت، وغدت الإنسانيّة المفرطة للألماني الشبق لمتع الحياة أشبه بالمحسّن اللفظي لمعاناةِ الجيتو الغارق في مستنقع القهر والقلق والدم والذي سينتقل إلى طرف مغايرٍ من العالم ليغدو من نصيب شعبٍ آخر، فيه الضحيةُ تغدو جلاداً…، ومن المفيد التذكير أنّ هذا الفيلم قد عرض في البداية على المخرج البولندي (رومان بولانيسكي) الذي رفضه كونه أحد الناجين من المحرقة، رغم أنّه أخرج لاحقاً الفيلم الشهير (عازف البيانو) الذي أنتج سنة 2002 والمأخوذ عن رواية تحمل الاسم ذاته للكاتب (فاديك سيزبيلمان)، وفيه يسرد قصةَ كفاح العازف اليهودي البولندي (فالديك سبيلمان) مع اشتعال الحرب العالمية الثانية واحتلال مدينة وارسو من قبل الجيش الألماني. القوّة النّاعمة

وفي الفيلم تتدهور الظروف المعيشيّة لليهود بعد حبسهم في حيّ مغلق (الجيتو) وتمييزهم بوضع إشارة نجمة داؤود على الذراع، ومن هنا تبدأ قصة معاناة العازف الشخصية وهي مرآة حيّة للمعاناة العنصرية التي يعاني منها شعبٌ بأكمله، حيث ينجو من الإعدام الجماعي بأعجوبة، ومع تسلسل الأحداث تلعب الصدفةُ وتعاطفُ الغرباء دوراً مهماً في تقرير مصير سبيلمان، وأعتبر شخصيّاً أنّ ذروة الفيلم كقيمةٍ فنية وجمالية وإنسانيّة، تحدث عندما يكتشف الضابط الألماني (ويليام هوسنفيلد) مكان اليهوديّ المشرد بلا زاد أو مأوى، وعندما يعلم أنّه عازفٌ محترف يطلبُ منه عزفَ مقطوعةٍ موسيقية، فيعزف له سبيلمان ثلاثاً تهزّ روحَ الضابط الألماني، لتنقذَ الموسيقى حياةَ العازفِ المغلوب على أمره، عندها يسمح له الضابط (العدوّ) بالاختباء في أعلى منزلٍ خالٍ، هكذا حتى ينسحب الألمان تحت ضغط الجيش الأحمر عام 1945.

رغم أنّ الفيلم يعاني من بطء الأحداث إلا أنّه كان خياراً ذكياً من المخرج لجعل المشاهد يرتبط ارتباطاً عميقاً بالأحداث المأساوية، إذ أنّ المسحةَ الكئيبة المقصودة موجهةٌ لهدفٍ أبعد مما يتّضح للمشاهد العادي، حيث أصرّ مدير التصوير الفوتوغرافي (باويل أدلمان) على سحبِ اللون ببطء من جميعِ المشاهد كلما تقدّم الفيلم للدلالة على تدهورِ المدينة وسبيلمان نفسه، رغم ذلك فإنّ الحدثَ المباشر ينطوي على أغنى القيم الإنسانيّة وهي قيمة الحياة التي دُعمت بفكرة الكفاح من أجل البقاء، لتضفي الموسيقى على ملامح الفيلم الشاحبة والتي تقارب مأساة اليهود بواقعيّة مؤلمة، تضفي إيقاعاً لا يخلو من الإثارةِ والحماس، حيث يستفزّ المشاعر بطريقة لا إراديّة عند المتلقّي حتى لو كان صاحب عقيدة قوميّة أو عرقيّة مضادة.

لذا ومن غير المفاجئ أن يحصدَ الفيلم كمّاً كبيراً من الجوائز وأهمها على الإطلاق: جائزة أفضل ممثل نالها الممثل الموهوب أدريان برودي، جائزة أفضل مخرج، جائزة أفضل سيناريو مقتبس لرونالد هاروولد، جائزة أفضل فيلم أوروبي … إلخ، رغم ذلك جاءت قصة كفاح العازف سبيلمان لتؤكد على فكرةِ أنّ الموسيقى هي خلاص الشعوب في إشارةٍ مباشرة لأهميّة الفن والفكر والإبداع، بقصدِ الجذب، لكنها تواري التعصب الأعمى لعرقٍ اضطهد بما فيه الكفاية، ويعتقد اليوم أنّه جاء الوقت المناسب لإنصاف تاريخهِ المقهور، من خلال امتلاك عالمٍ يُعيد تشكيل ملامحه وفق ما ترتئيه مصالحه الخاصة وبذكاءٍ منقطع النظير بالطبع. 

هذه الأفلام خرجت بالغنائم الكبرى، ليس على مستوى الجوائز فقط، بل من خلال مقاربةِ مشاعر الندم التي عاشها جيل ألماني في كنف النازية التي اضطهدت اليهود وهم أمة اقرأ المنزّلة عن لغة القتل والظلم على حدّ زعم أفلامٍ مشغولةٍ بحرفية عالية، بدتْ أشبه برصاصاتٍ إذ تُصوَّب بدقة لا بدّ تصيب مقتلاً عند المشاهد المأخوذ بغوايةِ هذا الفن الرفيع. القوّة النّاعمة

ليفانت – عبير نصر ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

دورُ القوّة النّاعمة تاريخيّاً تمهيداً لصفقةِ القرن

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك

قناتنا على اليوتيوب