تعقيباً على ردّ الصديق د. كمال اللبواني | The Levant

تعقيباً على ردّ الصديق د. كمال اللبواني

صلاح بدرالدين

فقط للتوضيح وفي رسالتي المفتوحة لم أدعُ إلى فدرالية جغرافية لكرد سوريا، عوضاً عن الفدرالية الثقافية التي طرحها د. اللبواني كما يفهم من عنوان الردّ على رسالتي، بل أوضحت أنّ صيغة (الفدرالية الثقافية) كمشروع حلّ لقضية كرد سوريا ليست مناسبة، وتذكرنا بوقائع حصلت قبل عقود من مواجهات مع الأنظمة والحكومات المتعاقبة وجدال ساخن مع القوى والتيارات السياسية السورية، وحتى بصراعات في صفوف الحركة الكردية، حول تعريف الكرد وحقوقهم، هل هي حقوق قومية لشعب مقيم على أرض الآباء والأجداد في إطار مبدأ حق تقرير المصير، أم مجرد حقوق ثقافية لجماعة مهاجرة تقيم على أراضي الغير؟. والمصطلح بحدّ ذاته غير تاريخي ولم يظهر _حسب علمي واطلاعي_ كخيار حلّ في تجارب شعوب التحرر القومي والوطني في آسيا وأفريقيا وفي منطقتنا بالذات. كمال اللبواني

أتّفق مع ماذكره في ردّه أن اتفاقية “سايكس بيكو” هي من حدّدت جغرافية سوريا الحالية، المتعددة القوميات والديانات والطوائف، يشكل العرب السنة أغلبية فيها، وأختلف معه حول قراءته للمعاهدة وكأنّها من المسلمات، فعندما أبرمت لم يؤخذ آراء السوريين بكل أطيافهم، بل فرضت من طرفين استعماريين، وزعا تركة الرجل المريض بالمنطقة حسب مصالحهما، وقد كان كرد المنطقة من أكثر المتضررين حيث تقسموا وتوزعوا بين ثلاثة دول (تركيا، العراق، سوريا)، إضافة الى الجزء الملحق بايران منذ اتفاقية جالديران بين الدولتين العثمانية والصفوية.

تلك الاتفاقيّة التي تجاوز عمرها القرن من الزمن، أضرّت بالفلسطينيين أيضاً، وحرمتهم، كما الكرد، من التمتع بالاستقلال وحق تقرير المصير، وكانت إحدى نتائج التقسيم الاستعماري للمنطقة بعد انتصار الحلفاء، في وقت كانت شعوبها تعيش في ظروف القهر والجهل والتأخر الاجتماعي، لذلك لايمكن اعتبار مثل تلك الاتفاقيات قدراً منزلاً لايجوز المسّ به، فقد حصلت سوابق في التاريخ الحديث أعادت فيه الشعوب النظر باالكثير من المعاهدات والاتفاقيات، وبينها قرارات عصبة الأمم ومن بعدها هيئة الأمم بعد أن شعرت أنّها لاتناسب حاضرها ومستقبلها وتجربة تحولات أوروبا الشرقية ماِثلة للعيان. كمال اللبواني

كتب الصديق اللبواني: “والحديث عن سورية فيدرالية يفترض وجود دول سابقة اتّحدت، وهذا غير موجود، النظام الفيدرالي يعبّر عن وحدة دول، ويحفظ حق الانفصال، فهو كعقد الزواج الذي يمكن فصله”. قبل مناقشة ذلك أو التأكيد مجدداً بأنّني ومنذ انخراطي بالعمل السياسي في مقتبل عمري وقيادتي للجزء الأكبر من جسم الحركة الكردية السورية، لم أطرح (أنا والتيار الذي أعبّر عنه) الحل الفدرالي للقضية الكردية، بل نؤمن أنّ الكرد كشعب من السكان الأصليين يحقّ له تقرير مصيره بالشكل الذي يناسبه بالتوافق مع الشريك العربي، ضمن إطار سوريا الواحدة، وعودة الى ماكتبه صديقنا أقول: ليس بالضرورة أن تكون الفدرالية بين دول مستقلة يمكن ذلك في حالة الكونفدرالية والتجارب الفدرالية في بلجيكا وسويسرا، وهما من الدول الاتحادية المتقدمة تثبت ماذهبت إليه فلم تكن قبل إعلان الفدرالية السويسرية دولة مستقلة على أراضيها وكذالك إيطاليا أو ألمانيا أو فرنسا، وهكذا الحال في الدولة الاتحادية الهندية، وحديثاً في الدولة الاّتحادية العراقية لم يكن قبل ذلك دولة كردية حرة.  كمال اللبواني

صحيح كما ذكر، قبل الفتوحات الإسلامية لم تكن بالمنطقة وفي سوريا دولة كردية ولكن لم تكن هناك دولة عربية أيضاً بالمعنى العصري الحديث، كانت المنطقة مزيجاً من الأقوام من روم وبيزنط وفرس وترك وميديين (وهم أجداد الكرد القدامى) بحسب بعض المؤرخين، أما الخلفاء الأموييون والعباسييون فلم يشكلوا دولة عربية وأعلنوا (دولة الخلافة الإسلامية) بل كانت ممتلكاتهم التي اكتسبوها بحدّ السيف تعود إلى شعوب المنطقة وبينهم الكرد والترك والأقوام الإيرانية والروم ومسيحييو المنطقة ويهودها وغيرهم، وكانت إداراتهم تعتمد على عناصر غير عربية من البيوتات والعائلات المتمكنة والمحاربين، مثل، البرامكة الكرد، وأبو مسلم الخراساني وغيرهم، وكان جلّ علمائهم واختصاصييهم وحرفييهم من البيزنطة واليهود، وكما اعتقد فإنّ نفي وجود أي دور للكرد بالمنطقة بالعصور القديمة حكم يجافي الحقيقة والواقع، فخلال الإمبراطورية العثمانية كانت بكردستان التاريخية 32 إمارة كردية أسماؤها منشورة بالمصادر التاريخية، وبعضها صكّت النقود مثل إمارة بوطان البدرخانية، وكذلك الدولة المروانية في الجزيرة، والأيوبيّون الكرد قاموا بدور أساسي في توحيد بلاد الشام ومصر ومواجهة العدوان الخارجي وتحرير بيت المقدس.

ويقول أيضا: “منطقة الجزيرة كانت خالية من السكن والعمران منذ الغزو المغولي، ولم تُسكن من أيّ قومية قبل الانتداب الفرنسي، ولا يوجد فيها أيّ أثر تاريخي يعود للفترة بين القرن الرابع عشر والقرن التاسع عشر، ولا توجد مقابر تحتوي رفات يعود لتلك الحقبة. معظم الكرد الذين عاشوا في سورية تلك الفترة، سكنوا المدن السورية، ولم يحتفظوا بلغتهم بل اندمجوا بالسكان، معظم كرد الجزيرة قد سكنوها بعد الانتداب الفرنسي، قسم كبير منهم بعد اضطهاد نظام أتاتورك لهم في هضبة أرمينية والأناضول، وكذلك الآشور والسريان، وقد قام الفرنسي بإقطاع عائلات كردية وسريانية مهاجرة، وكذلك قبائل عربية من البدو، لتسكن وتستوطن في تلك المنطقة التي كانت ما تزال مهجورة نظراً لقلة عدد السكان”. كمال اللبواني

أولاً، المناطق الكردية لاتقتصر على الجزيرة وحدها فهناك منطقتا (عين العرب/كوباني، وعفرين/جبل الأكراد )، وفي الجزيرة هناك دراسات ومصادر تاريخية بدءاً من (أناباس) الذي دوّنه قائد الحملة (اليونانية_الرومانية) قبل الميلاد بمئات السنين نحو الشرق حيث وصلت الحملة تخوم أربيل، وفي معركة (الخازر) انتصر الاسكندر على الفرس، حيث يقول بأنّهم واجهوا شعب (الكاردوخ) أي الكرد في طريقهم وهم قادمون من الغرب، مروراً بالكثير من المؤرخين العرب بشكل خاص والمستشرقين الذين ألفوا كتباً تحمل صوراً من كرد الجزيرة، ثم أطرح سؤالاً، إنّ ابن شداد كاتب صلاح الدين الأيوبي وهو من عرب الموصل، يذكر أنّ المقاتلين الذين انخرطوا بجيش صلاح الدين كانوا من كرد الجزيرة والموصل ورواندوز وشيروان وأمد وميافارقين… إلخ، وكل ذلك بالإضافة إلى وثائق الانتداب الفرنسي قبل الاستقلال يثبت وجود الكرد في سوريا (الجزيرة وكوباني وعفرين)، منذ العصور الغابرة، والأهم من كل ذلك وجودهم الآن بعدد يقارب الثلاثة ملايين أي ١٥٪ من سكان سوريا.

ثم إنّ المنطقة كانت مسكونة بالقبائل الكردية، بل مزدهرة قبل الانتداب الفرنسي بسبب تدفق الأنهار فيها وخيراتها الزراعية ومنتوجاتها، وكانت الجزيرة وصولاً إلى عمق سهل ماردين ومعظم شرق الفرات، مرتعا لقبائل (المللي)، بزعامة إبراهيم باشا المللي، الذي دفن بعد وفاته في سفح جبل كوكب قرب مدينة الحسكة وكانت المنطقة حينها تحت سيطرته، صحيح من الصعب إيجاد آثار وحتى قبور ترمز إلى الكرد، والسبب أنّ التيارات الشوفينية التي حكمت مابعد الاستقلال وخصوصاً نظام البعث منذ انقلابه أصدر قرارات حاسمة بإزالة أي أثر يدل على الوجود الكردي، خاصة عبر مديريات الآثار والمتاحف، وتغيير أسماء البشر والقرى وحتى التلال والجبال، فتجد بالجزيرة كل شيء باسمين وهناك مئات القرى والبلدات تحمل اسمين: الأصلي كردي، والجديد عربي، وجاء مخطط (الإحصاء والحزام العربي) لاستكمال عملية التهجير والتعريب وتغيير التركيب الديموغرافي. كمال اللبواني

من جهة أخرى، فإنّ بلدان المنطقة قبل وضع الحدود كانت منفتحة على بعضها وترى قبائل وعشائر موزعة بين عدّة دول تربطها العوامل الإنسانية والاقتصادية الرعوية، فالكثير من العشائر العربية بالعراق، مثلاً، لها امتدادات بسوريا، وهكذا بين سوريا ولبنان والأردن، أما الهجرة الكردية المزعومة من تركيا إلى سوريا (والتي ضخمهتها عناصر قوموية عنصرية)، فلم تكن يوماً هجرة بشرية واسعة، بل شهدت بعض المراحل تنقلات ذات طابع سياسي خاصة خلال ثورة الشيخ سعيد بكردستان تركيا، فبعد هزيمة الثوار لجأت شخصيات قيادية مع عائلاتهم إلى ذويهم وأقاربهم وعاد البعض منهم بمراحل لاحقة الى موطنهم بعد صدور قوانين العفو. كمال اللبواني

هناك بالجزيرة مناطق كردية، ومناطق مختلطة، من الكرد والعرب والمسيحيين، وهناك مناطق ذات غالبية عربية، أما العنصر الكردي فهو الغالب، بالرغم من كل المحاولات والمخططات وعمليات التهجير القسرية والتعريب، وهناك أيضاً عيش مشترك وعلاقات اجتماعية بين السكان الأصليين، رغم الفتن التي تثيرها أوساط نظام الاستبداد والجماعات الشوفينية وبعض الأحزاب الكردية الوافدة حديثاً، ولكن قدرنا جميعاً أن نتضامن ونتكاتف من أجل إسقاط نظام الاستبداد وتحقيق التغيير الديموقراطي وإعادة كتابة تاريخ بلادنا وأقوامنا بأمانة علمية موضوعية وصولاً إلى سوريا جديدة تعددية تشاركية بموجب عقد سياسي اجتماعي جديد وعصري يضمنه الدستور وينعم في ظلّه الجميع بالأمن والأمان والاطمئنان والمستقبل الزاهر الخالي من الضغائن والأحقاد.

نعم هناك مناطق كردية غير مترابطة ولكن ذلك لايمنع من إيجاد صيغة مناسبة متوافق عليها لحلّ القضية الكردية السورية، وعندما نقول حسب الشرائع والمواثيق العالمية فنعني بذلك مبدأ حق تقرير مصير الشعوب وميثاق الأمم المتحدة وقبل ذلك عصبة الأمم وتصريح الرئيس الأمريكي ويلسون، ومبادئ ثورة أكتوبر وغيرها من القيم الإنسانيّة العادلة؛ لأنّ قضية الكرد في مختلف بلدان تواجدها ليست من القضايا الداخلية فحسب، بل لها طابع إقليمي ودولي وأممي، لايمكن فصلها حتى عن قضايا السلم والحرب في منطقتنا والعالم. أما ماطرحه صديقنا (الفدرالية الثقافية) كحلّ فأجده غير نافع أولاً، لأنّ التعبير عبارة عن بدعة سياسية لم ترد في أيّ تجربة محلية وعالمية بخصوص حلّ القضية القومية، فقد فهمنا أنّ صيغ الحلّ حسب الميراث الإنساني تفاوتت بين (الاستقلال والكونفدرالية والفدرالية والمناطق القومية في التجربة الاشتراكية وكذلك في التجربة الغربية بسويسرا وبلجيكا وفي التجربة الآسيوية بالهند)، وتجاروب أخرى لامجال لذكرها الآن، ثم لماذا تسمية الفدرالية الثقافية هذا الاسم الكبير المفتقر إلى الجوهري الأفضل بهذه الحالة إطلاق الحقوق الثقافية.

ليفانت – صلاح بدرالدين  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

تعقيباً على ردّ الصديق د. كمال اللبواني

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب