امسحوا أوروبا.. امسحوا بوتين من التاريخ | The Levant

امسحوا أوروبا.. امسحوا بوتين من التاريخ

جمال الشوفي
جمال الشوفي

لم تتأخّر آلة الاعلام السوري يوماً عن ممارسة الحذف والقصّ واللصق، بدءاً من حذف مظاهرات الحراك السلمي في الشارع السوري في كل مدنه ومحافظاته، ولصق مكانها مجموعة من الناس يتجمهرون لصلاة الاستسقاء مثلاً، أو تركيب تلفيقة لمجموعة ممن يوزّعون صندويشات الفلافل الملفوفة ب500 ليرة كرشوة للمتظاهرين، إلى ما لا يمكننا إحصاءه من المتابعات الإعلاميّة في عمليات الحذف الوجودي للسوريين من مدنهم وأرضهم وأرزاقهم وتحويلهم بقوّة الإعلام أولاً، والعسكرة ثانياً، إلى مهجّرين في كل شتات الأرض خاصة أوروبا.  امسحوا أوروبا

أوروبا التي محاها عن خارطة العالم وزير خارجيّة سورية قبل تسعة أعوام، فتحوّلت بوابة للسوريين في مقاصدهم للهجرة، أوروبا الذي يتّهمها معاون زير الخارجية اليوم بأنّها تعرقل، بل تعطّل عودة السوريين الطوعيّة لسورية بعد استقرار الأمن والأمان فيها، وكفاية محاربة كل الشرور وأنماط الإرهاب، والانتصار على المؤامرة الكونيّة. كيف لا والدول الأوربيّة لا تحكمها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ولا الدساتير العصريّة، وتجتاحها كورونات الحقد والمؤامرة على سورية، عجب عجاب هذا الإعلام وهذه المنظومة التي لا تتوقّف عن التبرير والتلفيق، فسورية دولة البطاقة التموينيّة الذكيّة، والانتخابات الشفافة والحرّة والنزيهة، بلد الحريات والقانون والديموقراطية، وهي أيضاً بلد “حارة كل من إيدو إلو” كلّ يفعل بها ما يشاء وحرّ بما يشاء، فهذا يصرّح على هواه وذاك يعمل على تشكيل عصابة تشليح وخطف، وآخر يرقص بالساحات تهليلاً للانتصارات العسكرية الوهميّة حين تقصف مواقع الممانعة فيها دون ردّ، وآخر يطبّل ويزمّر مستمتعاً بشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، أليست الاشتراكية مرحلة من مراحل الشيوعية، حيث يمكنك أن تعيش على كيفك وبهواك بطريقة التماهي والتعايش الكلي مع الطبيعة؟، ما كدنا نصل لمرحلة التعايش الطبيعي مع الوحوش ومأكل الطبيعة وكل فرد سياسي كان أو اقتصادي أو تشريعي يقول ويفعل ما يشاء بها، ذاك الذي لم يستطع الأوربيون ولا الروس قبلنا الوصول إليه، فلماذا تمنعون عودة السوريين لهذا النعيم يا دول الديموقراطية العصرية والحضارية؟.  امسحوا أوروبا

واليوم، أمين سرّ مجلس الشعب فيها، يهدّد روسيا وقصيرها بوتين مباشرة، سيمحيه من التاريخ الروسي ومن الذكر العالمي أيضاً، ليبدو ذلك أنّه قمة الديموقراطية والاعتزاز بالذات. ولو توقفنا قليلاً عند هذه المحطة، وما قد نتصوّر أنّه تحوّل في قراءة الحدث السوري بين أروقة صانعي قراره التشريعين، فهل أدرك أخيراً مجلس الشعب السوري المنتخب بكل “شفافية” أنّ روسيا دولة احتلال عسكرية، بعدما كانت الصديق والدولة الحليف في الانتصار على قوى الشرّ والظلام والمؤامرة الكونية الإمبرياليّة المدعومة بدول البترودولار؟، ومن هي الدولة أو القارّة الأخرى المرشّحة للمحي من خارطة العالم في قادم الأيام، أتراها إيران، أم تركيا، أم كلاهما معاً؟، وأخشى ما أخشاه أن يهدّد القمر بالمحي من سماء سوريا اذا ما بقي يسترق النظر على العشاق السوريين في حفلات سمرهم وانعتاقهم من أوهام السياسة وصانعي السياسية في بلد يسمي نفسه دولة، وهو مجرد مقبرة للموت والقول الحرام وكل صنوف الجريمة.

ليس غريباً على أحد، اليوم، أنّ سورية باتت مسرحاً لكل صنوف الاحتلالات العسكرية والتداخلات الإقليمية والدولية فيها، وما من جديد قدّمه أمين سرّ مجلس شعبها في وصف أهمية المياه الدافئة في البحر المتوسط التي وصلت إليها روسيا باتّفاق مبرم مع سلطتها، بحيث كادت تصل إلى مربع المنافسة العالمية من منظار روسي قديم وجديد بان في معادلة النظام العالمي جيوبولتيكيا؛ وكيف عملت روسيا عليه طوال السنوات السابقة بكل الطرق الممهدة والمهلّل والمرحب لها بها، العسكرية والدبلوماسية والسياسية، الداخلية والدولية، فعملت مع إيران وتركيا في مثلّث الأستانة لتثبيت انتصاراتها العسكريّة سياسياً، وعقدت مؤتمرات سوتشي تحت عنوان الحلّ السوري لتلاقي مفاعيل القرار الأممي 2254/2015 في حكومة انتقالية على طريقتها، بحيث تتيح لنفسها التحكّم بجزئها الأكبر ضمانة لمصالحها الكبرى من خلالها، وتسعى بالتنسيق المستدام مع إسرائيل وأمريكيا في كل المجالات المتداخلة في سورية، خاصة الملفات الأمنية والتنسيقات العسكرية بما فيها الضربات الجويّة الإسرائيلية للمواقع الإيرانية دون ردّ فعلي أو حتى تعليق إعلامي، فما الجديد إذاً في المسألة السورية وإعلامها المعاد صيغته بطريقة الحذف هذه التي باتت معروفة للصغير قبل الكبير؟. 

محاور الصراع العالمية حول وفي سورية تكاد تنتهي آخر حلقاتها اليوم، خاصة وأنّ تركة الحرب الطويلة وكلفتها الاقتصادية الضخمة المترافقة مع أزمة الاقتصاد العالمي المتضرّر بسبب كوفيد-19، إضافة لاقتراب تطبيق قانون سيزر الخاص بمعاقبة مجرمي الحرب في سورية والمساهمين والمساعدين له، يجعل القضية السورية عبء يجب حلّ مفاصله وعقده، قبل أن يصبح خاسراً لكل الأطراف. هذا ما يجعل روسيا في سباق فعلي لإنجاز التغيرات السياسيّة والأمنية والمالية جزئياً في تركيبة السلطة الحالية بغية ملاقاة الاستحقاقات الدولية ذاتها بالحلّ السوري المفترض، هذا ما يرجّح كفة صراع داخلي في أجنحة السلطة المنقسمين خلف مشروعين إيراني وروسي، ما يفسّر أولياً كثرة النزاعات الموجودة اليوم في محاورها الاقتصاديّة التي تملك رقاب البشر لعقود، وخلافاتها اليوم فيما بينها بعد أن كانت متفاهمة على شكل قسمتها، وما يفسر أيضاً هذه الرسائل الإعلامية التي تشير الى خلاف في شكل الاستقطاب السياسي الداخلي بعد أن كانت متفاهمة على طريقة الأداء والتصريح وتوحيد الرؤية والأهداف، ومع هذا لا زالت منهجيّة وعقلية الحذف هي السائدة وإن كانت لطرف دون غيره، فهل تبدي تركيبة النظام انقسامات حادة في طريقة تعاملها مع متغيرات المرحلة؟، سؤال يبدو ليس من السهولة الإجابة عليه، خاصة وأنّ غرف صناعة القرار السورية سريّة مطلقة لا تتيح هذا التداول العلني المتباين في الاعلام. امسحوا أوروبا

الرسائل الإعلاميّة الصادرة عن المحيطين بمراكز القرار السوري، تشبه تلك الرسائل التي وجهتها وسائل الإعلام المحيطة بمراكز القرار الروسي، مع فارق مهم جداً، هو اتقان الروس لألعاب الشطرنج وفي أساسها ما يسمى “كش ملك مات الوزير”، في مقابل أنّ سورية بكل من فيها هي رقعة الشطرنج التي يمارس الروس والإيرانيون والأتراك والأمريكان كل ألعاب الشطرنج فيها، واللعبة بين المحترفين الكبار مختلفة تماماً عن اللعبة بين الهواة الذين يصرّون على الانتصارات الوهمية وممارسة المحي والحذف بطريقة بهلوانيّة مكشوفة للجميع، فمسح أوروبا سياسياً حوّلها لأكبر مستقبل للاجئين السوريين، فهل مسح بوتين اليوم سيحوّل روسيا لأكبر مستقبل للاجئين السياسيين من السوريين؟.  امسحوا أوروبا

ليفانت – جمال الشوفي ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

امسحوا أوروبا.. امسحوا بوتين من التاريخ

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك

قناتنا على اليوتيوب