النكبة.. الماضي والحاضر | The Levant

النكبة.. الماضي والحاضر

إيان بلاك
إيان بلاك

يوم النكبة، الذي يصادف 15 مايو من كل عام، هو دائماً فرصة للتفكير في الماضي الخلافي لقضية فلسطين وإسرائيل. الفلسطينيون في كل مكان يدركون ذلك بالطبع، سواء أكانوا يعيشون في إسرائيل نفسها، الأراضي المحتلة، أو في أي مكان آخر في العالم العربي أو الشتات الأوسع. النكبة

وقد تم تعزيز هذا الوعي من خلال الأحداث التذكاريّة والبيانات والمقالات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، باستخدام وسوم مثل # nakba_72 باللغتين الإنجليزية والعربية، مما يعكس معرفة واسعة النطاق ومشاعر قوية حول القضية المحورية في الصراع الأكثر استعصاءً في العالم.

تتجاوز كارثة 1948 الخلافات السياسية، وبدت حنان عشراوي من رام الله، مقرّ السلطة الفلسطينية، غاضبة كحال أنصار حماس في غزة، “دمّرت النكبة المجتمع الفلسطيني الواعد والمزدهر، وحوّلت أغلبيّة الشعب الفلسطيني إلى لاجئين مقتلعين من جذورهم، حُرموا هويتهم وحقوقهم الأساسيّة، واستمرّت محنتهم حتى اليوم، إنّها صدمة جماعية وتراكمية تؤثّر على كل فلسطيني”.

تتنازع إسرائيل وأنصارها على الخيوط الرئيسة للرواية الفلسطينية. في عام 1917، وعد بلفور البريطاني بإنشاء “وطن قومي” للشعب اليهودي، ولكن سبقته وعود متناقضة حول الاستقلال العربي.

تظلّ المقاومة الفلسطينية للحكم البريطاني والمشروع الصهيوني عناصر مثيرة للجدل في تاريخ متنازع عليه بمرارة. في تشرين الثاني 1947، تبنّت الأمم المتّحدة المستحدثة خطّة لتقسيم فلسطين، قبلها اليهود ولكنّ الفلسطينيين رفضوها.

في العقود الأخيرة، عدّلت الحجج التاريخية الصورة لصالح الفلسطينيين. منذ الثمانينيات عندما بدأت إسرائيل في فتح أرشيفها، أنتج الأكاديميون المعروفون بـ”المؤرخين الجدد” في إسرائيل وغيرهم، صورة أكثر دقة، رفض الادّعاء الإسرائيلي، على سبيل المثال، بأنّ الدول العربيّة الغازية دعت الفلسطينيين إلى مغادرة منازلهم عام 1948.

كتب إيلان باب كتاباً مؤثراً، ولكنه مثير للجدل، بعنوان “التطهير العرقي لفلسطين”، يعزّز ادعاء العربي المركزي حول الظروف التي أصبح فيها 750.000 فلسطيني لاجئاً، ودُمرت 500 قرية في أعقاب الحرب. لقد تغيّرت المصطلحات أيضاً، تم رفض الصهيونية هذه الأيام على أنّها “استعمار استيطاني” ومدفوعة بالفصل العنصري، وتمّ تجاهل الروابط اليهودية التاريخية والدينيّة بـ”أرض إسرائيل”.

ومع ذلك، في الصورة التاريخية الكبيرة، لم يُستشر الفلسطينيون أبداً، سواء من قبل البريطانيين أو الصهاينة حول ما اعتبروه وطنهم (حتى لو كان ذلك جزءاً من بلاد الشام أو سوريا الكبرى). قاوم الفلسطينيون منذ بداية الانتداب، ومهد تمرّد 1936-1939، الذي سحقه البريطانيون، الطريق أمام كارثة أكبر بكثير عام 1948. كما تعرّضوا للخيانة من قبل الدول العربية التي تسعى لتحقيق مصالحها الضيقة الخاصة.

مع مرور الوقت أدّى عدم وجود حلّ للصراع إلى تعزيز شعور الضحية الفلسطينية. نشأ أمجد العراقي، وهو مواطن فلسطيني في إسرائيل، مفتوناً بحكايات تجارب جدّه خلال النكبة، ولكنّه يربطها الآن بكوارث أحدث. كتب مؤخراً: “إنّ الحرب في سوريا تشرّد جيلًا آخر من اللاجئين الفلسطينيين من مخيمات مثل اليرموك”. إنّ الحصار والهجمات على غزة تشلّ مجتمعها وتفصلها عن مواطنيها في الضفة الغربيّة. عمليات هدم المنازل في النقب تجرّد مئات البدو من أراضيهم، على الرغم من حمايتهم المفترضة للجنسيّة الإسرائيليّة، والقائمة تطول.

يستحضر الاحتفال بيوم النكبة أوجه الشبه مع الاحتفال السنوي لإسرائيل بيوم ذكرى المحرقة. يستغلّ اليهود الإسرائيليون تلك المناسبة الجليلة للإشادة بستة ملايين من المتدينين الذين قتلوا على يد النازيين بين عامي 1939 و1945. لعبت المحرقة (الهولوكوست) دوراً هائلاً في تغيير وجهات النظر الدولية للمشروع الصهيوني ومنح إسرائيل الشرعية التي لا تزال تستفيد منها.

تأتي الذكرى السنوية للنكبة هذا العام، في لحظة محتملة مهمة، من المتوقّع أن تقوم حكومة الائتلاف الإسرائيلية الجديدة، بقيادة بنيامين نتنياهو من حزب الليكود، بضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة من جانب واحد. في تحدٍّ للقانون الدولي ولكن شجّعه التحيّز المفتوح لإدارة ترامب تجاه إسرائيل والعداء للفلسطينيين.

إذا حدث ذلك فسيتم تفسيره على أنّه المسمار الأخير في نعش حلّ الدولتين للصراع، يجادل البعض في أنّ تأجيل هذا المسمار قد تأخّر طويلًا، وأنّ تأخيره يحافظ على وهم مدمر تستغلّه إسرائيل.

لكن مؤيدي الحقوق المتساوية بين “النهر والبحر”، باستخدام العبارة التي تزداد شيوعاً، ليس لديهم استراتيجية لتحقيق هذا الهدف. تقرير المصير الوطني لكلا الشعبين، وهوياتهم المنفصلة، يبقى النتيجة الوحيدة القابلة للتطبيق، الصراع ليس حول الماضي فقط، بل حول المستقبل أيضاً.

“يوم النكبة” بكلمات أمجد العراقي المؤثرة: “لا يقتصر فقط على الحداد على آلام عام 1948. إنّه يتعلّق بالاحتفال بالقوّة التي نقلها إلينا أجدادنا، الذين ساعدت قصصهم في إحياء المجتمع عندما كان وطنهم يكاد يكون ذكرى لا أكثر. العديد من اليهود في إسرائيل والشتات، الذين تتأثّر هويتهم الخاصة بشكل كبير بتجربة الخسارة والصدمة، لم يعترفوا بعد بهذه القصص، كما لم يتعاطف الكثير من الفلسطينيين مع ذكريات العنصرية ونزع الملكية والإبادة الجماعية من قبل أجداد اليهود. يجب أن يكون يوم النكبة الوقت المناسب لبدء إنهاء هذا الإنكار “.

إيان بلاك، هو محرر سابق في الشّرق الأوسط، ومحرر دبلوماسي ومحرر أوروبي في صحيفة الجارديان. في السنوات الأخيرة قدّم تقارير وعلّق على نطاق واسع على الانتفاضات العربية وما أعقبها في سوريا وليبيا ومصر، إلى جانب زيارات متكررة لإيران والخليج ومنطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا. نُشر كتابه الأخير “تاريخ جديد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي” عام 2017، بمناسبة الذكرى المئوية لإعلان بلفور، والذكرى الخمسين لحرب 1967.

حاصل على درجة الماجستير في التاريخ والعلوم الاجتماعية والسياسية من جامعة كامبريدج ودرجة الدكتوراه في الحكومة من LSE. كتب إيان في مجلة الإيكونيميست وواشنطن بوست والعديد من المنشورات الأخرى، وهو معلّق منتظم في التلفزيون والإذاعة في شؤون الشرق الأوسط والعالم. كتب مقدمة “الربيع العربي: الثورة والتمرّد والنظام العالمي الجديد” (كتب الجارديان، 2012)، حروب إسرائيل السرية (منشورات جروف، 1991)، الصهيونية والعرب، 1936-1939 (تايلور وفرانسيس، 1986، 2015)؛ وساهم في موسوعة الشرق الأوسط الحديث وشمال إفريقيا (مرجع مكتبة ماكميلان، 2004). وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان “الأعداء والجيران: العرب واليهود في فلسطين وإسرائيل، 1917-2017”.

ليفانت – إيان بلاك ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

النكبة.. الماضي والحاضر

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك

قناتنا على اليوتيوب