المعتقلات في مقرّات الحمزات..بداية انهيار كرة الثلج في عفرين

مقرّات الحمزات

ليفانت- نور مارتيني 

 

لم تتوقّف الجرائم التركية بحق أهالي المناطق الخاضعة تحت سيطرتها، في الشمال السوري، يوماً، وتتنوّع هذه الانتهاكات بحسب الخصوصية التي تتمتّع بها هذه المناطق جغرافياً وديموغرافياً، بما يضمن القدر الأكبر من الفائدة للجانب التركي، بالإضافة إلى ضمان السيطرة على الأطراف اللاعبة في المنطقة، بحيث يتمّ التستّر على هذه الجرائم. مقرّات الحمزات

وبغض النظر عن اتفاق أو اختلاف مواقف النظام وتركيا، غير أنّه ثمّة أجندات متوافقة يتمّ تنفيذها على الأرض، سيما في ظلّ وجود عراب مشترك، يعمل على مبدأ “عدو عدوي هو صديقي”، والذي يلعب دوره الجانب الروسي باقتدار.

اقرأ المزيد: نداء استغاثة يطالب بإنهاء”الاحتلال التركي” لعفرين

فبعد توقيع الاتفاق التركي الروسي عام 2016، إثر اعتذار تركيا عن إسقاط الطائرة الروسية، والذي قيل أن تركيا قامت بما قامت به بعد إحباط المحاولة الانقلابية على الرئيس التركية رجب طيب إردوغان نتيجة قيام روسيا بتحذيره؛ بعد هذا الاتفاق دخلت العلاقات الروسية التركية مجالاً جديداً، نجم عنه تقدّم تركيا في عدّة مناطق، وونصب قواعد عسكرية لها، بمقابل تعزيز التواجد الروسي على سواحل المتوسط.

حملت هذه العمليات أسماء متعدّدة لتحلّ محلّ التسمية الأصلية للمناطق، فجرابلس ومحيطها أصبحت درع الفرات، ومحيط الرقة بات نبعاً للسلام، وعفرين، آخر المحطات التوسعية لتركيا، حصلت على لقب غصن الزيتون. مقرّات الحمزات

لم يتوقّف مسلسل العنف في عفرين منذ سيطرة القوات التركية عليها، سيما في ظلّ المحاولات الدائمة لتهجير أهلها، والاستحواذ على آثارها، فضلاً عن امتهان كرامة أهلها. معظم من يقوم بهذه الممارسات ينتمون إلى فصائل عسكرية تمّتهجيرها إلى الشمال السوري ضمن اتفاقات الهدن والمصالحات، في ظلّ الحديث عن دسّ الأجهزة الأمنية السورية عملاء لها ضمن مجاميع المهجّرين، فضلاً عن السياسة التركية القائمة على الفساد والإفساد، والتي تعمد إلى نشر الفوضى في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في محاولة لتطويع هذه المناطق وثنيها عن مطالبها المشروعة في الحرية والعدالة والكرامة، أو في الحصول على استقلال جزئي، كما هو الوضع في الحالة الكردية.

تأتي التطورات الأخيرة في عفرين، لتميط اللثام عن الكثير من هذه الحقائق، فالانتهاكات المرتكبة بحق المدينة وأهلها، بدأت تتصاعد بشكل متواتر في ظل بروز تباين في المواقف التركية الروسية حول إدلب، والتي كان أبرزها قبل نحو شهر، بعد أن تمّ تفجير صهريج للمحروقات، ما أسفر عن مقتل نحو 60 شخصاً، دون أن يتمّ الكشف عن هوية الفاعل، وفي ظلّ تراشق الاتهامات المتبادل بين قسد وتركيا، فيما تصاعدت وتيرة الانتهاكات من قبل عناصر الفصائل بخق المدنيين.

فوضى السلاح الموجّه إلى صدور المدنيين 

تحدّثت تقارير حقوقية متعدّدة حول دور الفصائل المسلّحة في ترهيب مدنيي عفرين، وعن طبيعة الانتهاكات التي تحصل في المنطقة، وأبدت بعض المنظمات أسفها بسبب سياسة التمييز المنتهجة إعلامياً تجاه سكان المنطقة، مستعينين بالحادثة الأخيرة التي ارتكبها فصيل الحمزات بحقّ أحد مهجّري الغوطة، في الوقت الذي لم يظهر فيه الإعلام أو السواد الأعظم من الناشطين المدنيين القدر ذاته من التضامن مع سكان عفرين الأصليين من الأكراد، ممن يتعرّضون للانتهاكات بشكل دائم، ابتداء بنهب الممتلكات، وطمس الهوية الثقافية، والاختطاف مقابل الفدية، وليس انتهاء بالقتل.

في هذا الصدد، تكشف تقارير “مركز توثيق الإنتهاكات في شمال سوريا” عن استشهاد 181 امرأة، وإصابة 480 منذ بدأ التوغل التركي والهجوم على مدينة عفرين في 20 يناير 2018، والحملة العسكرية شرق الفرات 9 أكتوبر 2019 حتى 24 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الجاري. مقرّات الحمزات

اقرأ المزيد: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة تصدر تقريرها حول الانتهاكات في عفرين

وتم توثيق 9 حالات على الأقل لتعذيب نساء، واعدامات ميدانية، منها اغتيال السياسية الكردية هفرين خلف على يد ميليشيا أحرار الشرقية الموالية لتركيا، إضافة لإعدام ممرضتين من الفريق الطبي على طريق بلدة تل أبيض في 12 أكتوبر. كما وتم توثيق اعدام 7 نساء تحت بند “جريمة شرف.

من جهته اعتبر بسام الأحمد،المدير التنفيذي لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، أنّ “حادثة الانتهاك التي وقعت في عفرين بحق أحد أبناء الغوطة سلطت الضوء على معاناة أهالي المنطقة من الأكراد، والذين هم أكثر عرضة للانتهاكات بحسب تقارير المنظمات الدولية، والتي أسفرت عن تهجير سكان المنطقة، وإحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة”. مقرّات الحمزات

ولفت الأحمد إلى  اعتقاده بأنّ “جوهر العملية التركية يكمن في إحداث هذا التغيير الديموغرافي، بأدوات سورية متمثلة بفصائل المعارضة للأسف، ولم نلمس أي جدية في التعاطي مع هذه الملفات، خاصة وأن الفصائل هي تابعة لكيانات معترف بها سياسياً كونها مرتبطة بتركيا، مثل الحكومة المؤقتة والائتلاف وما إلى ذلك”.

اختطاف الفتيات …وسيلة أخرى للتهجير

يرى الحقوقي بسام الأحمد أن ” هناك أنماط كالاعتقال الاختطاف تهدف إلى إذلال الأهالي وتسعى لتهجيرهم، والمحاكمات التي تجري كلّها وهمية وتستند إلى جملة من الأكاذيب وترمي لابتزاز الأهالي”، لافتاً إلى أنّه “هناك أشخاص تمّ اعتقالهم مراراً والإفراج عنهم ومطالبتهم بفدىً مالية”.
وحول الفتيات الـ11 اللواتي عثر عليهن في مقرّ فرقة الحمزات، أكّد فريق الرصد التابع لمؤسسة ايزدينا في عفرين أنه “تم التعرف على الشابة المختطفة آرين دلي حسن 21 عاماً من بين النساء اللواتي تم العثور عليهن أمس الخميس في مقر فرقة “فصيل الحمزة” وذلك على خلفية الاشتباكات التي جرت بين فصائل المعارضة السورية المسلحة في عفرين.

وكان شقيق المختطفة آرين “حسن دلي حسن” تحدث لشبكة رووداو الإعلامية بعد اعتقالها أن مصير شقيقته لا يزال مجهولاً، وقد اعتقلت بشكل تسعفي من قبل فرقة “فصيل الحمزة” الذي طالب بمبالغ كبيرة كفدية مقابل إطلاق سراحها”.

اقرأ المزيد: فرقة الحمزات تهدد أهالي قرية “براد” لإخلائها خلال 24 ساعة

فيما أشار مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا إلى أنه بعد المتابعة والاتصال بعدة مصادر من داخل عفرين؛ تبين أنّ النساء جرى نقلهن لسجن آخر تحت إشراف الشرطة العسكرية ولم يتم الإفراج عنهن.

كما تم التعرف على هوية عدد من النساء اللاتي ظهرن في مقطع الفيديو داخل أجد سجون فرقة الحمزات بعفرين وهن: هيفاء الجاسم، والتي كانت تعمل ممرضة في مشفى “آفرين” قبل سيطرة الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية المسلحة على مدينة عفرين في 18 آذار/ مارس 2018.

على من تقع المسؤولية؟

يرى كثيرون أنّ جميع الفصائل التي تشتبك فيما بينها، في عفرين تنتمي الى ما يسمى الجيش الوطني بقيادة وزارة الدفاع التابعة للحكومة المؤقتة. و من الواجب توجيه اللوم بعد ادانة الاحتلال و الارتزاق إلى قادة الجيش الوطني الذين يسمحون لعناصر جيشهم أن يعيثوا  فساداً في في الشمال. 

وأن الحكومة المؤقتة تلعب دوراً رئيساً في التعمية على الجرائم المرتكبة في مناطق النفوذ التركية داخل الأراضي السورية، والتي تستمدّ قوتها من الغطاء السياسي الممنوح من قبل الائتلاف الوطني المعارض، والذي تتبناه تركيا وتسوّقه في المحافل الدولية على أنه الممثل الشرعي الوحيد للمعارضة السورية.

أكثر ما يؤلم في ما يجري على الأراضي السورية هو غياب الهوية الوطنية الجامعة للسوريين، فالتعاطف بات مرهوناً بالانتماء المناطقي والطائفي والعرقي الضيق، والمشاعر الإنسانية يجري تحييدها لصالح الرؤى والمصالح الإنسانية، فيما يدفع النساء والأطفال الضريبة الأكبر، من حرّيتهم وصحتهم وإنسانيتهم، ويغيب صوت الحق وراء ضجيج المعارك.