الحكاية سيناء | The Levant

الحكاية سيناء

داليا زيادة 
داليا زيادة 

التفّ المصريون طيلة شهر رمضان على اختلاف انتماءاتهم السياسية وخلفياتهم الاجتماعية، حول مسلسل الاختيار الذي يحكي عن بطولات الجيش المصري في مواجهة الإرهاب، الذي تقوده الجماعات التكفيرية في صحراء مصر الغربية، بالقرب من الحدود مع ليبيا، حيث تعيث التنظيمات الإرهابيّة فساداً وتسعى لاستلاب السطلة السياسية، بمعاونة تركيا أردوغان، وأيضاً في شبه جزيرة سيناء على الحدود مع غزة، حيث تستوطن حركة حماس أحد الأذرع المسلّحة لجماعة الإخوان المسلمين. وقد أعادت أحداث المسلسل، التي نعيشها واقعاً مؤلماً منذ وصول جماعة الإخوان لحكم مصر في عام ٢٠١٢، سؤالين مهمين لدى المتابعين في مصر وخارجها.

أولهما، يتحرّى عن أهمية شبه جزيرة سيناء للتنظيمات الإرهابية التي تجعلهم ينفقون كل هذه الأموال من أجل السيطرة عليها واتخاذها محوراً لعملياتهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فالمسألة حتماً تتجاوز الخصوصية الجغرافية لشبه جزيرة سيناء من حيث كونها نقطة ربط بين آسيا وأفريقيا. أما السؤال الثاني، فكان عن ضرورة تغيير استراتيجية القوات المسلحة المصرية في حربها ضد التكفيريين في سيناء، ليس فقط من حيث العتاد المستخدم وخطط ووسائل الحرب المتبعة، ولكن أيضاً من حيث طريقة التعامل الحذر للقوات المصرية مع الإرهابيين خوفاً على أرواح أهالي سيناء الأبرياء، وتساءل البعض، لماذا لا يقوم الجيش بنقل أهالي سيناء إلى أي مكان بشكل مؤقت، وإخلاء سيناء من المدنيين، حتى يتمكّنوا من القضاء تماماً على التكفيرين في حرب مباشرة معهم؟.

بالنسبة للسؤال الأول، فإنّ الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لشبه جزيرة سيناء، بالنسبة للدولة المصرية، هي مسألة معروفة ومتفق عليها، حيث تعدّ سيناء هي البوابة الشرقية لمصر، والمحور الأهم في علاقتها بالدول المجاورة، بما فيها إسرائيل، فضلاً على غنى أرض سيناء بالثروات التعدينية وتمتعها بطبيعة ساحرة وتاريخ ديني يرتبط بالأديان السماوية الثلاث، ويكفي أنّ الله عز وجل حين اختار بقعة ليتجلّى فيها على واحد من عباده، هو النبي موسى عليه السلام، اختار سيناء.

أما بالنسبة للتنظيمات الإرهابية، فإنّ شبه جزيرة سيناء تعتبر ورقة رابحة دائماً، يستطيع التكفيريون اللعب بها على كل الأوجه، فمن ناحية تعادل مساحة سيناء ٦٠ ألف كيلو متر، أي أنّ سيطرة أي تنظيم إرهابي عليها _لا قدر الله_ يعني سيطرته على مساحة من الأرض تعادل ستة أضعاف مساحة دولة مثل قطر، وهو أمر يضمن للتنظيمات الإرهابية الترقي في أعين الرعاة والممولين.

بالإضافة لذلك، فإنّ حركة حماس في غزة كان لها دور كبير في دعم وإعاشة التنظيمات الإرهابية التي سكنت سيناء منذ سقوط حكم الإخوان في ٢٠١٣، بل كانت حماس هي أول من يشكّل تهديداً وانتشار إرهابي داخل سيناء تحت إشراف مباشر من قيادات الإخوان الذين كانوا يسكنون القصر الرئاسي والبرلماني بالقاهرة، بعد ثورة ٢٠١١، على أمل أن ينفّذ مرشد الإخوان وعده بفتح سيناء لأهل غزة ليعيشوا فيها.

لقد بدأت معركتنا مع الإرهاب في سيناء منذ وقف المصريون على قلب رجل واحد في وجه جماعة الإخوان وأسقطوها، قبل أن يسقط الوطن في براثنهم، فتجرّأت حركة حماس في غزة على تمزيق قلب الوطن في سيناء، ثأراً لجماعتهم الأم، جماعة الإخوان المسلمين، وتنفيذاً لوعيد قيادات الإخوان، أمثال محمد البلتاجي، الذي قال في تهديد مسجّل بالصوت والصورة: “إنّ الإرهاب في سيناء لن يتوقف إلا بعودة مرسي”. وما إن تلاشت أسطورة عودة مرسي، في العام ٢٠١٤، وأغرق الجيش المصري أنفاق حماس التي كانوا يتسللون عبرها، كالفئران، لإمداد عناصرهم الإرهابية بالمؤن والسلاح لقتال الجيش المصري، وأيقن الإخوان أنّهم هالكون لا محالة، أجرت حماس تحالفات آثمة مع العناصر الإرهابية الشاردة داخل سيناء، أفرزت عصابة إرهابية جديدة باسم أنصار بيت المقدس، لتكمل مسيرة العنف والترويع، وفي عام ٢٠١٥، قامت هذه العصابة بمبايعة داعش عبر فيديو نُشر على الإنترنت، وأعلنت نفسها باسم جديد وهو داعش سيناء أو ولاية سيناء.

ومفاد هذه الحقائق التاريخية الموثّقة هو أنّ أعداء الوطن والدين في سيناء، ما هم إلا عصابة واحدة بأسماء مختلفة، محدودة القدرات والعتاد والرؤية، ليس لديها أي استراتيجية حقيقية، ولا تستطيع سوى ممارسة أعمال العصابات من استهداف أفراد من قواتنا المسلحة أو مواطنين أبرياء في منازلهم أو حتى القيام بتفجيرات بين الحين والآخر، لتوحي زيفاً بأنّ القوّات المصرية غير قادرة على السيطرة، ويعتمدون في ذلك على الروابط القبلية لعناصرهم، ومعرفتهم الجيدة بالمنطقة وتضاريسها، وقدرتهم على الاختباء في أماكن وعرة يصعب على أي قوة جيش نظامية الوصول إليها، فمن المعروف بالعلم والممارسة، أنّ حرب العصابات تتطلب مجهوداً أكبر بكثير من قوّات الجيش للتعامل معها عن أيّ حرب عادية ضد جيش نظامي معادي.

وبالرغم من ذلك، استطاع الجيش المصري أن يقضي على تسعين بالمائة من العناصر والعمليات الإرهابية في سيناء على مدار الخمسة أعوام الماضية، في الوقت الذي اهتمّت فيه القيادة السياسية بتنمية العاصمة ومحافظات وادي النيل وقناة السويس، وشهدنا بأعيننا خروج مصر من عتمة النفق الذي دخلناه فيما بعد ثورة يناير إلى براح مشرق وواعد، في وقت قياسي، بل وقفت مصر مدافعة عن مصالح دول أخرى في المنطقة تعاني ويلات الإرهاب، ودافعت عنها دبلوماسياً وعسكرياً، ونتج عن ذلك مزيد من الضعف في صفوف العصابة الإرهابية الأكبر، سواء كانت قيادة تنظيم داعش في سوريا، أو قيادات جماعة الإخوان المسلمين المشرّدين الآن في الأرض.

أما السؤال الثاني، عن ضرورة تغيير الاستراتيجية التي يتعامل بها الجيش المصري مع التنظيمات التكفيرية في سيناء، ولماذا لا يقوم الجيش بنقل أهالي سيناء إلى أيّ مكان بشكل مؤقت، وإخلاء سيناء من المدنيين، حتى يتمكّنوا من القضاء تماماً على التكفيرين في حرب مباشرة معهم، فإنّ الإجابة عليه تكمن في أنّ الأمر ليس بهذه البساطة، وإلا كان قد فعلها الجيش المصري منذ بداية المعركة ضد الإرهاب في سيناء في ٢٠١٣.

إنّ نقل المواطنين في سيناء لأي مكان ليس بهذه البساطة، حتى لو كان بشكل مؤقت، وحتى لو وافق الأهالي بأنفسهم على ذلك، نظراً لتقيّد الدولة المصرية بالقانون الدولي والمعاهدات الإقليمية، والأعراف الدولية، والتزامها بالعديد من الاعتبارات الأمنية والسياسية مع دول الجوار، نظراً لخصوصية سيناء التاريخية والجيوبوليتية ووضعها الجغرافي. بمعنى آخر، قد يؤدّي تحرك كهذا من جانب الدولة المصرية لفقدان السيادة الفعلية لمصر على سيناء من الأساس، إذا ما تدخلت قوّات دولية من أجل حماية المدنيين في حال تم تهجيرهم، كما أنّ إخلاء المنطقة سيسمح للإرهابيين من حركة حماس المتربّصين بنا على الحدود مع غزة للدخول إلى سيناء وتوطين أنفسهم بها، مصادقاً لوعد سابق من جماعة الإخوان، بعد وصولهم للحكم في مصر عام ٢٠١٢، بنقل أهالي غزة إلى سيناء.

ولعل الحلّ الأمثل لمشكلة انتشار التنظيمات الإرهابية في صحراء سيناء الشاسعة، هو الإسراع بعملية التنمية التي تقوم بها الدولة المصرية منذ حين، ولكنها مسألة سوف تستغرق سنوات طويلة ومجهودات ضخمة، وإلى أن يتمّ ذلك ستبقى القوات المسلحة المصرية هي حائط الصدّ الأهم في مواجهة التنظيمات الإرهابيّة في سيناء ومن يقف وراءها من دول وحكومات وأجهزة مخابراتية، تتخذ من الإرهاب وسيلة في إنجاح حروب استعمارية غير مشروعة، طمعاً في الاستيلاء على أراضي وخيرات منطقة الشرق الأوسط.

ليفانت – داليا زيادة  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

الحكاية سيناء

آخر الأخبار

قناتنا على اليوتيوب