نتنياهو بين رئاسة الحكومة والمحاكمة

بسام سفر

من يراقب السياسيين العالميين وسياساتهم تجاه الدول والأفراد يجد انطباعاً أنّ عملية دعم متواصلة لبعض الفاعلين في الحقل السياسي علّهم يحققون نتائج عالية في انتخاباتهم الداخليّة في بلدانهم، وذلك ما حصل في عملية تسويق إعلامي عالي المستوى في انتخابات الرئاسة الأميركية في العام2016, لمرشحة الحزب الديمقراطي” هيلاري كلينتون” لكنّ الدعم الحقيقي والواقعي من إدارة روسيا الاتّحادية باتجاه الرئيس ترامب وحملات دعاية إعلانيّة وإعلاميّة إلى جانب برنامج خاص.

وهذا ما بدا ظاهرياً على الأقلّ، وفي العام الجاري، وقبله في العام2019، كان الدعم العالمي منصبّاً خلف رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” الذي قدّمت له الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب هدايا بالجملة من قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس الشرقية، وضمّ الجولان السوري للكيان الصهيوني، وصفقة القرن التي أعلنها عنها في العاصمة الأمريكية الرئيس ترامب وإلى جانبه يقف “نتنياهو”، والمصنّف سابقاً زعيم المعارضة الإسرائيلي “غانتس”.

وأيضاً الدعم السياسي العميق من إدارة الرئيس الروسي “بوتين” له، حيث مازال اتّفاق إخلاء الأجواء السوريّة للطيران الإسرائيلي ساري المفعول، بالإضافة إلى زيارة الرئيس بوتين إلى إسرائيل، والزيارات التي أجراها نتنياهو قبيل الانتخابات للعديد من الدول، والهدايا العربية بالجملة إليه من لقاء الرئيس الرّهان، إلى زيارة مسقط، ولقاء الراحل قابوس، والتنسيق العالي مع أبناء الشيخ زايد في الإمارات خصيصاً وزير الخارجيّة، بالإضافة إلى العلاقات المميزة مع قطر والسعودية، والدول العربية التي أنجزت اتفاقيّات تسوية “مصر، الأردن، قيادة منظمة التحرير الفلسطينية”، والنظام السوري وعدم ردّه على الغارات الإسرائيلية.

كل هذه البروباغندا الإعلانيّة العالميّة لم تستطع أن تنجز تقدّماً كبيراً لنتنياهو والليكود بحيث يستطيع تشكيل حكومة دون تقديم تنازلات لغانتس “كاحول لافان”. هذا يؤكّد على الناخب أينما كان يذهب في اتجاه مصالحة الخاصة وليس في اتجاه السياسية العالمية في استمرار هذا السياسي أو حزبه في الحكم، خصيصاً إذ ما علمنا أنّ مصالح الناخب الإسرائيلي مشتته ومبعثرة خلال العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين.

نتنياهو المخضرم: 

كان يحلم ويأمل أن يحصل في الانتخابات الإسرائيلية الثالثة خلال أقلّ من عام في2/3/2020، على نسبة الحسم المطلوبة لتكتل اليمين على61 مقعد نيابي في الكنيست، حتى إنه كان يمني نفسه أن يحسم هذه النسبة لحزبه الليكود ليشكّل الحكومة الإسرائيلية من لون سياسي واحد، ويطبّق برنامجه الحزبي اليميني دون أن يقدّم تنازلاً واحد إلى خصومه في الكنيست، لكن العملية الانتخابية جاءت بنتائج لم تكن كافية لتشكّل حكومة، واستطاعت القائمة العربية المشتركة مع أقطاب “كاحول لافان” إنجاز خطوة محاصرته بعد الأيام الأولى لنتائج الانتخابات باتّجاه إصدار قرار من الكنيست بمنع تكليف المتّهمين بقضايا جنائيّة في الكنيست، لذلك أوصت القائمة الرئيس الإسرائيلي رؤوفين زيغلين بتسمية بيني غانتس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، والمنافس الرئيس لنتينياهو بتشكيل حكومة إسرائيلية من أجل سدّ الطريق على منع التوصية بتسمية نتنياهو، وهذا ما حصل فعلاً، لكن نتنياهو توجّه مباشرة إلى غانتس وفاوضه فخرّ غانتس صريعاً أمامه، وعلى أساس ذلك جرى انتخاب غانتس رئيس الكنيست بأصوات الليكود، وتابع تفاوضه نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية، طوارىء مع بعض أحزاب “كاحول لامان”، بينما نتنياهو كان يحلم أن لا يتفاوض مع حزب إلا إذا جاء هذا الحزب أو ذاك جاثياً على ركبته يتوسّل المشاركة بمقعد وزير أو نائب وزير.

إنّ أزمة تشكيل حكومة إسرائيلية هي في عدم قدرة أي كتلة سياسية يهودية على تحقيق نسبة النصف زائد واحد في الكنيست. فنتنياهو الذي يقف من زمن بعيد على رأس الحكومة الصهيونية أكثر ما يخشاه ليس فقدان السلطة والحكم، بل الذهاب إلى مواجهة مصيرية أمام الحاكم والعيش آخر أيّام حياته سجين جنائي، هذا السيناريو المرعب لا يريد أن يراه حتّى في منامه، فمن زعيم حطّم أرقاماً قياسية على رأس الحكومة عمّن سبقوه، كأطول رئيس وزراء يحكم في إسرائيل، ومن ملك متوّج في نظر مريديه إلى سجين. فهو المتضرّر الأكبر على المستوى الشخصي والحزبي من تشكيل حكومة لا يكون رئيسها، لأنّه يعلم أنّ الخيار الآخر مواجهة مصيره وحيداً في أروقة المحاكم التي من المرجّح أن تؤدّي به إلى نزيل غرف السجن.

خيارات هروبه من المحاكمة:

 نشرت صحيفة “هارتس” الإسرائيلية تقريراً للصحفي الاستقصائي غيدي فايتس نهار الجمعة3/4/2020، تحدّث فيه عن خيارات نتنياهو من خلال لقاءات عدّة أشخاص معه إذا يقول: “إنّه رغم انتخابه كي يبقى في الحكم مرّة تلوَ الأخرى، إلّا أنّه تسيطر على الدولة قوّة خفيّة، وصفها بأنها (دولة عميقة)، وإنه (لا توجد ديمقراطية هنا، وإنّما يحكم موظفون ورجال قانون)، وأن (النيابة العامة هي التي تشدّ خيوط جهاز الظلّ)، ويعتقد أنّه (يوجد تكامل بين النيابة والقضاة بهدف ضمان سقوطه).

وأشار نتنياهو إلى أنهم (يريدون أن يروني جالساً في السجن)، وأن هيئة القضاة التي تقرّر أن تنظر في قضية في المحكمة المركزية في القدس هم (الأكثر يساريّة وصرامة).

ويوضّح أنّه في أعقاب جولات انتخابات الكنيست الثلاث الأخيرة امتنع رئيس حزب “يسرائيل بيتينو” أفيغدر ليبرمان، عن دعم نتنياهو لتشكيل حكومة بسبب أنّ جهاز إنفاذ القانون (ابتز) ليبرمان كي يتّخذ هذا الموقف، لأنّ بحوزة الجهاز معلومات تبرّر فتح تحقيق جنائي ضدّ ليبرمان، لكنّ جهاز إنقاذ القانون يمنع عن استخدام هذه المعلومات طالما أنّ ليبرمان متمسّك بمهمة تصفية نتنياهو سياسياً. ويشير فايتس إلى أنّ ليبرمان يعتقد أنّ نتنياهو يقف وراء التحقيقات في قضية الفساد المتّهم فيها قياديين ووزراء سابقين في “يسرائيل بيتينو”.

ويحاول نتنياهو إنجاز تشكيل حكومي مع “كاحول لامان” أن يبقي في يد حزب الليكود حقائب وزارية ورئاسة لجان في الكنيست تشرف على أجهزة إنفاذ القانون، وهي وزارتي القضاء والأمن الداخلي ولجنة القانون والدستور في الكنيست، كي يمتنع عن الوضع الذي حصل في أعقاب انتخابات العام2009، عندما وافق على تسليم ليبرمان جميع هذه الهيئات، ويبدو من تفاهمات الأيام الأخيرة أنّ حقيبة القضاء سيتولاها عضو كنيست من “كاحول لامان”، بينما ستتولّى حقيبة الأمن الداخلي (ميري ريغ)، وهي أكثر المقربين من نتنياهو والمدافعين عنه، وستبقى لجنة القانون والدستور عند الليكود.

ويتوقّع أنه بعد التشكيل الجديد للحكومة ستشكّل لجنة لتعيين مستشار قضائي جديد للحكومة، برئاسة أفيحياي مندلبليت، وتتمّ الموافقة على مرشّح يسميه، وإحدى المرشّحات للمنصب هي لينات بن أري، المدعية العامة في قضية نتنياهو. ولدى المصادقة على المستشار الجديد في الحكومة، يتوقّع أن يمنع نتنياهو تعيين بن أري، وفي المقابل يتوقّع أن يكون ل(كاحول لافان) تفوّقاً عددياً، وبذلك يكون مصير نتنياهو والوزيرين أرييه درعي ويعقوب ليتسمان، المتّهمين بالفساد أيضاً مرتبطاً بهوية المستشار القضائي الجديد.

أجّلت أزمة فيروس كورونا محاكمة نتنياهو حتى تاريخ(24أيار/مايو) المقبل، وليس واضحاً ما إذا كانت المحاكمة ستفتح أبوابها في ذاك التاريخ، لكن فايتس نقل عن سياسي يعرف نتنياهو جيداً قوله: “إنّ نتنياهو سيبدأ المحاكمة، وسيوجهها، وسيرى اتجاه هبوب الرياح، وعندها سيتمكّن من اتخاذ قرار”.

 وأضاف: ” لا تنسَ الخيار الذي يبدو خالياً حتى اليوم، وهو ديوان الرئيس، وبالإمكان انتخاب نتنياهو لمنصب رئيس الدولة بالتأكيد خلال المحاكمة، وسيرغبون بالتخلص منه، ورئيس الدولة يتمتع بحصانة مطلقة”، وينصّ قانون أساسي على أنّه لا يتمّ إحضار رئيس الدولة إلى محاكمة جنائية.

وأضاف فاتيس أنّ مسؤول في النيابة العامة استبعدت أن يسعى نتنياهو إلى صفقة ادّعاء أو طلب عفو من الرئيس الإسرائيلي، وبدلاً من ذلك يتّفق نتنياهو مع (كاحول لافان) على حكومة مشتركة، يتولّى رئاستها أولاً لمدة سنة ونصف، وإذا بقيت الحكومة، فإنّه سيواصل المحاربة على براءته، فيما يتولّى منصب القائم بأعمال رئيس الحكومة، ولن يكون بالإمكان الإطاحة به، وسيصل إلى المحكمة محميّاً، كما أراد.

ويوضّح فاتيس أنّ أمام نتنياهو خيار آخر هو أن يفشل في المفاوضات مع (كاحول لافان)، أو أن يسعى إلى حلّ الحكومة المشتركة، ويتوجّه إلى انتخابات مرّة أخرى بعد أشهر.

وتوقّع فاتيس أنّ نتنياهو الذي نجح في تفكيك (كاحول لافان) عبر انشقاق غانتس عن شركائه في حزب “ييش عتيد” و”تيلم”، سيفوز بالانتخابات ويشكّل حكومة يمينية ويدفع بتشريعات تلجم محاكمته وتمنع المحكمة العليا من التدخل.

 وختم فاتيس تقريره بالتأكيد على أنّه مقرّب من نتنياهو قال: “إنه عندما يشعر نتنياهو أن الجمهور معه، فإنّه سينفّذ خطوات تتحدّى جهاز إنقاذ القانون ولن يسمح لغانتس بالبقاء في الحكومة، وستكون معركة انتخابية مجدداً.

إنّ الحرب التي يشنّها نتنياهو على الجهاز القضائي تعني أنّ سيادة القانون ومراقبة أداء الحكومة ومتابعة قراراتها وإشرافه على عمل النيابة العامة والمحاكمة، وسلطة إنفاذ القانون مهدّدة من قبل نتنياهو من خلال وزير العدل الليكودي الذي يتنمّر على الجهاز القضائي بمجموعة قرارات تهدف إلى إخافته، ومنعه من ممارسة مهام أعماله التي ستقرّر المستقبل السياسي والاجتماعي لنتنياهو.

هذا الجهاز الذي ضمن لفترة طويلة استقرار (إسرائيل)، وحمى مؤسساتها وحارب الفساد بات مهدّداً في قوّة نفوذه وممارسة دوره القضائي.

أخيراً، استطاع نتنياهو عبر تفكيك(كاحول لافان)، من خلال استقطاب غانتس ضمان استمراره في الحياة السياسية على الأقل مدّة عام ونصف بحكومة (وحدة وطنية، طوارئ) برئاسته وفتح باب مجابهة المحاكمة العليا، وهو في موقع قوّة نحو خيارات تبعده عن السجن رغم كل لائحة الادّعاء ضدّه، فهل يستطيع الاستمرار بذات التكتيك الحزبي السياسي المناور أمام المحكمة العليا في القدس؟.

ليفانت – بسام سفر