مربّع الخداع

أسامة هنيدي
أسامة هنيدي

ككل يوم تطالعك نشرات الأخبار ومتصدّروها ممّن باتوا يسمّون “محللين سياسيين”، بجملة من العناوين البرّاقة حول سلامة الوطن وأمن مواطنيه في محاصرة الأوبئة واتّخاذ إجراءات احترازيّة “صارمة” لمواجهتها، وحيث إنّي لم أكُ محللاً سياسياً يوماً،  وغير مختصّ بالأوبئة وهذه حقيقة، ولأنّي أرى لزاماً عليّ أن أنبّه إلى اللغة التي يتمّ التعاطي بها هذه الأيام مع هكذا أزمات بل وآليات وأدوات التعبير عنها إعلاميّاً وأساليب إدارتها، لكلّ ذلك أرى أن ألجأ الى ما بات يعرف اليوم بعلم الدلالة “السيميولوجيا”، لأقتفي أثرها في الحدث والمشاهد على حدّ سواء.

في روايته المنشورة باللغة الإيطالية عام 2015، والتي تحمل عنوان العدد صفر، والمترجمة بطبعتها العربية الأولى عام 2017 بترجمة أحمد الصمعي عن دار الكتاب الجديد المتّحدة، يلجّ الفيلسوف الإيطالي إمبرتو إيكو عالم الخداع الذي نعيشه اليوم من بابه الواسع، العالم الذي سأسمّيه عالم أدوات الظلّ عبر  دعوة خمسة أفراد من أصحاب التجارب المختلفة في الصحافة إلى تكوين هيئة تحرير لإصدار العدد صفر من جريدة لن تبصر النور، بناء على ناشر يريد استثمارها لغاية الابتزاز حيث تنحصر مهمة هؤلاء الخمسة في وظيفتين، ظاهريّة، تُعنى بالكشف عن الحقيقة، وخفيّة، لها علاقة بالتعمية أو التلفيق خدمة لمشروع الناشر الكومنتدور فيمركاتي الذي يريد الولوج إلى الصالونات الرسميّة للأوساط الماليّة على حدّ قول سيما أحد شخصيّات الرواية  لدى دعوته لكولونا للدخول في هذا المشروع، كولونا الذي يبدأ ومنذ مطلع الرواية بالحديث عن حلمه بالقول: “في أثناء ذلك كنت أحلم بما يحلم به كل الفاشلين، أن أؤلّف كتاباً يملأ قلبي فرحاً وجيبي نقوداً ومن أجل أن أتعلّم كيف يصير المرء كاتباً عظيماً اشتغلت زنجيّاً أو (كاتب ظل)، كان جميلاً أن أعمل في الظلّ محتجباً خلف ستارين (الآخر واسم الآخر)Ghost writer”.

ولدى معاينة مدقّقة لما غدونا عليه من شخصيات مستلبة أمام وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة سنلمس راهنيّة وسخونة بل وخطورة ما يتحدّث عنه صاحب مشروع السيميولوجيا والمنظّر لها وأعني إمبرتو إيكو طبعاً.

ففي عالم الميديا عموما اليوم من الضرورة بمكان التوقّف أمام مقدمات نشرات الأخبار الأيديولوجية بامتياز وأمام المانشيتات العريضة في كبرى الصحف العالمية بل والمحلية ليكتشف حجم الخديعة الذي نعيشها بل ونعتاد عليها مساقين برغبتنا في معرفة (الحقيقة) فيما جرى ويجري من أحداث لنجد أنفسنا أمام وقائع من جهة ومن يكتب عن الوقائع بل ويمسخها وفق مصالحه من جهة ثانية ليصبح هذا المسخ هو الواقعة وليست الواقعة ذاتها إلى الحدّ الذي يصبح فيه الاختلاق بضاعة رائجة بل ومبهرة وعلى ذلك المنوال سارت شخصيات إيكو في الرواية:

“لمعرفة ما يجب وضعه في الجريدة يجب تحديد الأجندة، يوجد من الأخبار في هذا العالم مالا نهاية له، ليست الأخبار من تصنع الجريدة، إنّما الجريدة هي من تصنع الأخبار”.

إنّها أخطر الألعاب مرّة ثانية، اللغة، وما لها من سطوة على العالم بل وما لها من أدوات ومن عقول تقف خلفها بخبث شديد، تحرّك في غالبيتنا نوازع عدّة بل وتأخذنا مسرنمين الى شرنقة صانعيها فكم كنّا مبهورين ونحن في مقتبل العمر بل وشغوفين بسذاجة المردّد وبرائته، بسحق الإمبرياليّة وأداتها المجرمة عصابة الإخوان المسلمين العميلة.

ويحدث عندما يتّم الحديث غالباً عن جهاز الإعلام ودوره في خدمة أصحاب المشاريع أن يطلّ بأوّل جوزيف غوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد ألمانيا النازية برأسه لكن النماذج الحديثة المطعمة بالتقنية المعاصرة ستجعل النموذج الغوبلزي متخلّفاً بل وبسيطاً، فاللغة اليوم بالإضافة لكونها محطّ اهتمام لدارسي الفلسفة والإنسانيات عموماً إلا أنّها في الوقت نفسه أهم أدوات السيطرة المعاصرة وأعني السيطرة باللغة الرقمية إذ لا تمرّ واقعة اليوم إلا وتفرد لها التلفزيونات استوديوهات خاصة ومذيعين يتنقّلون من مكان لآخر وضيوف يسهبون في تلقّف جوانب الحدث وتبعاته في شتّى المجالات لجذب انتباه الناس نحو المشاهدة عبر التلاعب بالألفاظ والدلالات، فكم طالعتنا الشاشات العربية بالحديث عن التغييرات الحاصلة في العالم العربي من تراكيب متغيرة وفق المعطيات والمصالح لمشغليها ومَن وراءهم، فتارة تعنون الثورة وتارة أخرى الانقلاب وعلى نفس المحطة، وأخرى تفضّل الحرب وثالثة تصفه بالربيع ورابعة تصفه بالأزمة، إنّه مكر اللغة  مرّة ثانية، هو نفسه الذي يشير إليه إيكو في روايته وعلى لسان شخوصه: “اللوطيون ، يمثلون دائما موضوعاً يجذب القرّاء”، لم نعد نقول الآن لوطيين، جازفت مايا، نقول مثليين أليس كذلك؟.

سيماي: “أعرف يا عزيزتي أنه لا يقال اليوم زنجي بل يقال أسود ولا يقال أعمى بل يقال فاقد للبصر، لكنّ الزنجيّ يبقى زنجيّاً وفاقد البصر لا يرى شيئا”. 

وكأنّ إيكو ينبّه عبر صفحات الرواية الى ما أشرت اليه مسبقاً لناحية الواجهة والخفاء أو الوظيفة المعلنة والوظيفة المضمرة وبالتالي تصبح حتى فضائح السياسيين والمشاهير مادة دسمة في الواجهة أما ما يحدث وراءها فهو من المنسيات بالنسبة لعامة الناس وبكلمة أخرى ربما عبر عنها الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أجمل تعبير في كتابه الفذّ “المصطنع والاصطناع”: “إن التشهير بالفضيحة هو على الدوام تمجيد للقانون”، في إشارة الى حدود الواقعي والمصطنع في الفضيحة التي كان بطلها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، بل إن الأدوار المرسومة وآليات الإيقاع بالخصوم عند بودريار وشكلها الإعلامي هي لعبة يؤدّيها الجميع بعفوية، يقول: “فاليسار يقوم تماماً ومن تلقاء ذاته بعمل اليمين وفضلاً أنه من السذاجة العثور هنا على ضمير حي، لأنّ اليمين يقوم هو أيضاً وبعفوية بعمل اليسار”.

ولعل كلمة عاجل في نشرات الأخبار اليومية أصبح لها مفعول السحر الذي يوجه أبصارنا الى اللون الفاقع أسفل الشاشة بل ويوجه ويتحكم بوقتنا وعقلنا الى حدّ نصبح فيه مأخوذين ومستلبين إلى حدّ كبير وإذا جاز لي استخدام مصفوفة إيزنهاور لترتيب الأولويات كما وردت لدى الرئيس الأمريكي الرابع والثلاثين دوايت إيزنهاور في تقسيمه لما لدينا من مهمات عاجلة أم غير عاجلة، مهمة وغير مهمة، وبتقاطع هذه الكلمات فسنجد أنفسنا اليوم كمشاهدين بدل أن نبحث عمّا هو عاجل وضروري أي التأسيس لمشروع دولتنا الوطنية المدنية الحرّة الديمقراطية وإذ بنا نغرق كما يقولون في جنس الملائكة لأن ثمّة من يريد وضعنا دائماً في دائرة ما هو غير هام وغير عاجل فيما يسميه إيزنهاور مربّع الخداع.

ليفانت – أسامة هنيدي