ما هو ذنبي؟ | The Levant

ما هو ذنبي؟

ما هو ذنبي؟
ما هو ذنبي؟

(سُميّة) سيدة في السادسة والثلاثين من عمرها، مع بداية انطلاق الثورة السورية عام 2011 كان لها نشاط وحراك ثوري متميّز في منطقتها كفرسوسة الواقعة في قلب العاصمة دمشق حيث شاركت في العديد من المظاهرات السلمية والعمل الإنساني والإغاثي لمساعدة الهاربين من مجازر النظام إلى مدينة دمشق.
نهاية العام 2012، اعتقل أشقّاء سُميّة الأربعة والمعروفين بنشاطهم السلمي في المنطقة أيضاً ولم يخرج منهم سوى أخٍ واحد ليكون الشاهد على موت إخوته الثلاثة تحت التعذيب أمام عينيه حيث لم تتحمل أجسادهم الصعق بالكهرباء والضرب على رؤوسهم بالقضيب المعدني حتّى الأخ المتبقي خرج بعد عامين مُثقلاً بالأمراض المزمنة التي أصابت جسده بضمورٍ في العضلات والتهابٍ حادّ بالأعصاب والكِلى نتيجة ما تعرّض له من تعذيب داخل الأفرع الأمنية. ما هو ذنبي
في أحد الأيام طلب الأخ الناجي من شقيقته سُميّة أن تساعده بالهروب من دمشق باتجاه المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية وبالفعل قامت بالتنسيق مع أحد العساكر الذي أراد الانشقاق عن جيش النظام السوري مع بعض الناشطات صديقاتها اللواتي أردن مغادرة دمشق أيضاً، لكن ولسوء حظّ سُميّة أنّ هاتفها المحمول كان مراقباً من قِبل المخابرات العسكرية.
تُحدّثنا السيدة عن مُجريات اعتقالها: “عند تمام الساعة الثانية صباحاً في الأول من حزيران عام 2015 تمّ مداهمة منزلي والقيام بدايةً باستجوابي أمام زوجي وأطفالي ومن ثمّ اقتيادي إلى فرع المداهمة التابع للأمن العسكري 215 في منطقة كفرسوسة (المربّع الأمني) لأتعرض فيه لشتّى أنواع التعذيب والضرب ناهيك عن التفتيش المهين بداية الدخول إلى الفرع.
قبل البدء بالتحقيق يقوم أحد العناصر (برتبة مساعد أول) بإخراجي من غرفة الاحتجاز ثمّ يبدأ بوضع عصابة على عينيّ ويضع القيود الحديدية (الكلبشات) في يديّ ويقتادني إلى غرفة التحقيق مع كل هذه الإجراءات كي لا أستطيع التعرف على المحقق أو العناصر المتواجدين برفقته وبمجرد وصولي غرفة التحقيق وقبل أيّ سؤال يبدأ الضرب من خلال الصفع على وجهي بالأيدي وأُركل بالأرجل وأُضرب بالخيزرانة ويُداس على عيني التي بقيت متورمة لمدة 20 يوماً لا أستطيع أن أرى فيها، من قِبل المحقق وأحد العناصر المساعدة له دون السماح بعرضي على طبيب لمعرفة حالتي الصحية. ما هو ذنبي
لم أنجُ أيضاً من التعذيب النفسي من خلال تعذيب المعتقلين في غرفة التحقيق التي يقومون باستجوابي وسماع أصوات استغاثتهم داخلها كما أنّ حِدّة السُباب والشتم كانت تتصاعد كُلّما ذُكر في التحقيق اسم شقيقي الأكبر والمعروف بنشاطه الثوري السلمي في المنطقة إضافةً للتهديد بالاغتصاب من أجل الإجبار على الاعتراف بأشياء لم أقم باقترافها.
تتابع سميّة حديثاً عن ظروف الاحتجاز: “كنّا نعرف الوقت داخل الفرع ونُحسّ بمرور يومٍ جديد من خلال تبديل فترة السجّان المخصصة حيث كانت تبدأ بشكلٍ يومي عند الساعة السابعة صباحا، كنّا نتواجد في غرفة احتجاز لا تتجاوز مساحتها مترين ضرب ثلاثة أمتار وكان عددنا يتراوح بين 22 إلى 28 معتقلة ننام كالسيف على حدّ بعضنا في غرفةٍ تعتبر مصدر للعديد من الأمراض الجلدية والصدرية بسبب رطوبتها وانتشار الحشرات فيها كالقمل والجرب. كما كنّا نمضي وقتنا بالتفكير والخوف من المجهول الذي ينتظرنا أو بالحديث عن أهلنا وأطفالنا الذين نتوق لمعرفة أيّ خبرٍ عنهم.
استمرّ اعتقالي داخل الفرع الأمني مدة شهرين كاملين وعند آخِر يوم تحقيق لي وبسبب إصراري على عدم الاعتراف بأيّ شيء هددوني بوضعي في ممر الفرع عارية وأنهم سيقومون باغتصابي أمام جميع العناصر لكني بقيت متماسكة ولم أخف من تهديداتهم ورفضت الاعتراف بأشياء لم أقم بفعلها لكنّهم قاموا بإجباري للتوقيع على أوراق عدّة لا أعلم ماذا كُتب بداخلها ووضع بصمتي عليها.
بعدها حُوّلتُ الى سجن عدرا الذي كان يكتظّ بالنساء في ذلك العام لأجد نفسي في ظروف معاناةٍ أخرى ودامت مدة اعتقالي داخله حوالي ثلاثة عشر شهراً قبل أن يقوم أحد أقاربي بدفع مبلغ مالي لتحويلي إلى محكمة قضايا الإرهاب حيث إنني وطوال مدّة اعتقالي لم أُعرض على أيّ قاضٍ.

وعند عرضي على قاضي محكمة الإرهاب السابع تمّ إخلاء سبيلي تحت بند متابعة جلسات المحاكمة. ما هو ذنبي

تكمل سُميّة قصتها: “عند خروجي نهاية العام 2016 توجهتُ مباشرةً إلى منزل عائلتي لأنني كنت أجزم أنّ أطفالي سيكونون هناك لكننّي صُدمتُ ببرود مشاعرهم وردّة فعلهم اتجاهي وطلبهم بعدم زيارتي لهم خوفاً من الملاحقة الأمنية لهم والوسمة الاجتماعية التي تقول بأنّ كل من تُعتقل يتمّ اغتصابها.
ولم يكن موقف زوجي أحسن حالاً والذي كان يُشكك بي ويسألني طوال الوقت فيما إذا اُغتصبَت أو أنّ أحداً لمسني أو لا. لم نستطع البقاء في دمشق أكثر من أسبوع خشية الاعتقال مرّةً أخرى لننتقل بعدها أنا وزوجي وأطفالي إلى منطقة الغوطة الشرقية التي كانت تحت سيطرة المعارضة آنذاك. كنت أُعاني طوال تلك المدة من تنمّر زوجي وعائلته بسؤالي الدائم حول تعرّضي للاغتصاب أو التحرش داخل السجن، حتى أهلي لم يحاولوا التواصل معي والاطمئنان عني أبداً، وبعدها بأشهر تمّ تهجيرنا قسريّاًإلى مدينة إدلب وهناك لم يتحمّل زوجي كوني كنت معتقلة فهجرني وأطفالي ثمّ طلقني وتركني وحيدةً بين سندان المجتمع الذي لا يرحم بشكّه ومعاملته السيئة لسيدة عانت ويلات الاعتقال وبين تهجيرٍ قسري أجبرني وأطفالي على السكن في ظروفٍ لا إنسانيّة داخل إحدى المخيمات، حتى القضاء الموجود هناك لم ينصفني في نيل حقوقي من طليقي الذي تركني وأطفاله دون مُعيل في هذه الحياة القاسية.
سميّة لم تكن الوحيدة التي نُبذت من أهلها ومجتمعها بل هناك العديد من الناجيات اللواتي كنّ ضحايا المجتمع وعاداته البالية والتي دفعن ثمنها غالياً.

ليفانت – ياسمينة بنشي ليفانت

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

ما هو ذنبي؟

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك

قناتنا على اليوتيوب