ماذا لو تعايشت إيران؟

خالد الجاسر
خالد الجاسر

ماذا لو تعايشت إيران؟! وتعريف رفاعة الطهطاوي، للحُرية وإدخاله مجال التداولية العربي، في كتابه “تخليص الإبريز”، الذي ترجم فيه الدستور الفرنسي آنذاك، وتأثر به كثيراً، في كتابه “المرشد المبين”، مُخصصاً فصلاً كاملاً للحرية، أعلن فيه أن: “الحرية منطبعة في قلب الإنسان من أصل الفطرة”، ليُوافقه الأفغاني ومحمد عبده الرأى عبر مقاربات مفهوم الشريعة التي تُركز على عنصر “الإنسانية” كأساس فطري للحرية، ومن أجل هذا التلازم بين الإنسانية والحرية، خرجت الموسوعة الإسلامية المُيسّرة بتعريف الحرية بأنها: “القُدرة على الاختيار بين الممكنات بما يحقق  إنسانيتي”. لنتصادم وسرقة حتى الثقافات الفكرية في موقع الخُميني ذاته!!.

ماذا لو تعايشت إيران؟! مع المطلب الإنساني الذي خطه الخميني عن الحرية؟ ليتبجح بها، بل ويتعالى بتسمية نفسه بـ “الإمام قدس سره”، أجل سرهُ في إذلال شعبهِ وانهيار مقدرات وطنه المحصور بما لا ينسجم مع الفطرة السليمة، وسعى الإنسان لأن يكون حُرّاً غير مأسور في كافة مناشط حياته، والأدهى، اعترافاته بأن الإسلام هو دين الفطرة وأن النصوص الإسلامية تتواءم معها، وهذا ما حمل كل مفكر أخلاقي في التاريخ الإنساني على مدح الحرية وتمجيدها، فليتوقف إذاً الخًميني عن متناقضات وأباطيل أنظمته الهالكة لا محالة، بما علاها من فساد مُتعدد، طالت بأياديه شعباً بل شعوباً لا حول لها ولا قوة.

ماذا لو تعايشت إيران؟! وتجارب الشعوب في الحصول على حريتها واستقلالها قاسية كجلمود حطه السيلُ من عَلِ!، لتمتلئ أراضيهم بدماء الأبرياء في مجازر ومذابح تلت مصائب ونكبات حولهم وبينهم، فالحرية ليست وحدها أداة النهوض، لكنها بالتأكيد أحد دعائمه المركزية التي تُغير وجه التاريخ، وتنتزع الحقوق بل وهي أحد وجوه التلازم التي نشاهدها مُصاحبة لمسيرة الدول التي حققت ما تصبوا إليه من نهضة حضارية وإبداعات عُمرانية، بشكل لا تُخطئه عينَ المناظر للصيرورة التاريخيّة وحركتها.

ماذا لو تعايشت إيران؟! والالتحام الشعبي العام، وتراصّ الصفوف، والرفض الواسع للطائفية والمذهبية التي تفرّق ولا تجمع، تبدو ظاهرة حية بأحوال شعوب المنطقة التي تدخلت في حياتها ومصير أبنائها تحت غطاء يُخفي خلفه أطماعه الإمبراطورية وحقده التاريخي على العرب بشتى انتماءاتهم، بدءً من سوريا والعراق ثم اليمن ولبنان، وقبلهم الإيرانيين، وجميعهم يجتمعون حول اتفاق أوحد بتجاوز المرحلة السابقة بكل ما فيها، حتى الأنظمة السياسية التي رسختها ونَهبت من خلالها أموالهم ومقدراتهم بشكل يُخذلُ صفحات التاريخ، كماً وكيفاً، بل بوقاحة وصفاقة في احتقار الشعوب وإذلالها.

ماذا لو تعايشت إيران؟! ووعيها بأن ثورة المظلُومين على الظالمين هو العنوان الأبرز والمحطة التاريخية المهمة، فقد بلغ السيل الزبى من توحش إيران وتطرفها الإرهابي والطائفي، وفسادها العريض والإفقار الممنهج للشعوب العربية التي تدعي إيران سيطرتها على قرارات الدول فيها.

ماذا لو تعايشت إيران؟! والثورات الغاضبة والاحتجاجات الكبرى في التاريخ تشتعل بناء على تراكمات تأخذ وقتها الزمني الطبيعي، ثم تتحول شيئاً فشيئاً إلى التعبير عن نفسها بقوة وعزمٍ ودون تراجع حتى تصل إلى ذروتها التي تقتلع كل شيء وتُغير به وجه التاريخ، وقد تمرّ بمراحل قمعٍ وهدوء، ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، فلا تلبث أن تهب العاصفة لتقتلع كل الشرور المتراكمة؛ حتى تنتصر على ظُلم وجور الديكتاتورية.

ماذا لو تعايشت إيران؟! وقسوة الظُلم وفظاعة فساد نظامها المؤدلج دموياً، بخبرة أربعة عقود ووقاحة الطائفيين التي لم تعد مقبولة، تتحول إلى حربٍ أهلية عنيفة ودموية لا تُبقي ولا تذر، لاختلال توازناتها الداخلية لنظام ولاية الفقيه الضعيف والهشّ بعد تشبعُهِ من دماء العباد، لتتبنّى قتل شعبها وإفقاره طمعاً في مزيدٍ من التوسع، وبسط النُفوذ الفارسي الواهن، وتهديد جيرانها، وتخريب منشأتها، واجبارهم على مواصلة الخُضوع لهم، بلغة القوة الغاشمة والجبر والقهر في مجازر تلو الأُخرى، ويكفي استحضار تعامله مع ما كان يُعرف بـ«الثورة الخضراء»، عام 2009، بقيادة رموزٍ من داخل النظام نفسه، ليتكرر المشهد بمزيد من القمع والقتل ونفس الأجهزة التخريبية القاتلة.. كما فعلتها تركيا مؤخراً.

ماذا لو تعايشت إيران؟! والأرض الخصبة لنمو الحرية وتوافرها هو النظام الإسلامي وأحكام الإسلام، التي تحيد عنها إيران، ويعترف بها الخُميني ذاته: “إنَّ القانون الإسلامي هو الذي يعطي الحرّيات والديمقراطية الحقيقية، علاوة على ضمانة استقلال الدول”، فماذا لو إنساق الإنسان وراء شهواته المُحرّمة مما يؤدّي إلى تسافله، وفقده لقيمته الإنسانية، التي تعني انحداره من رُتبته الإنسانية إلى الرتبة الحيوانية”، فهل وعى النظام الإيراني كلمات الخُميني؟!، وإذا لم يُصدقُنا فعليه أن يقرأ كلماته عن الحرية في موقعه الرسمي، فالناس أحرار ولا ولن يقف أحد بوجه حريّتهم، إلا إذا أدّت بهم الحريّة إلى الفساد والضياع، أو أدى ذلك إلى تخلّف الشعب، ولعل التلازم بين الحريات ونهضة الشعوب والأمم هي المعادلة التي لا زالت تفتقد فهمها الأنظمة الفارسيةً، وتحتاج باختصار شديد إلى ترياق نهضة الشعوب والأمم.. فهل سيتوقف، خامنئي عند دساتيره وقنواته القاتلة موقفاً، ولو في هُدنة؟، لا أظن!.

ليفانت – خالد الجاسر