في نقد الحاجة إلى التسامح

جاد الله جباعي
جاد الله جباعي

يُنظر إلى التسامح من منظور إيجابي في كثير من الأحوال والظروف لما له من دور في صون وحدة المجتمع وحفظ السلم الأهلي وحماية حياة الأفراد والجماعات. لكن التسامح عند تدقيق النظر فضيلة عصية على التحديد، ومفهوم شديد الالتباس كثير المكر وسريع الزوغان، إذ سرعان ما يتداخل عند التعبير عن التسامح اتجاهان اثنان من التفكير والنظر على اختلاف في الغاية والمراد، واختلاف في الأساس والبناء: اتجاه يجعل من التسامح فضيلة أخلاقية تقوم على التكرّم والإحسان، أو العفو والمنّة. واتجاه يجعل منه قيمة اجتماعية تقوم على مبدأ قانوني حقوقي يعيد تأسيس المفهوم على مبدأ الكينونة والاختلاف وتبادل الاحترام والاعتراف. نقد الحاجة

يعبر الاتجاه الأول عن التسامح بخطاب وعظي دعوي ذي طابع معتقدي أيديولوجي، ديني أو سياسي نفعي في الغالب، تضع ذات المتكلم نفسها خلاله في موقع التفوق والغلبة، الحقيقية أو الموهومة، بالاعتماد على مصادر قوتها الكامنة، كالمكانة الاجتماعية وكرم المنبت والانتماء، أو قوة الشوكة والعصبية، أو التفوق الأخلاقي أو المادي. فيساق الخطاب في هذه الحالة مشفوعاً بنبرة سلطوية تارة، وفحيح لفظي بنفحة أبوية ونفَس استعلائي تارة أخرى. وهذا الخطاب يحطّ من قدر المخَاطب ويقلل من شأنه، ويستهين بحمولته الفكرية وقيمه الأخلاقية ويسَفّه رأيه عن سوء في القصد أو حسن في النية.

ولا يعدو التسامح في هذه الحال عن كونه تسامحاً ظاهرياً يخفي شعوراً بمركزية “أنا” متضخمة، ويبقى مشدوداً إلى ميزان القوى الذي لا يعترف بمساواة ولا يقيم وزناً للاختلاف، مع ميل إلى اللامبالاة وغض الطرف ما دام الآخر لا يشكل تهديداً جدياً ومباشراً. ولا يتغير هذا الخطاب كثيراً بتبدل موقع المتكلم من حال القوة إلى حال الضعف إلا بتغيّر نبرة الخطاب وميله للتشديد على التفوق القيمي أو الأخلاقي كتعويض مغبون عن واقع الحال المتردّي.

وتمتين حصون الدفاع والخصوصية بنزوع إحيائي لماض مجيد متخيل. ومثل هذا التسامح لا يقيم حواراً منتجاً بين الذوات كأفراد أو جماعات أو مجتمعات، ولا يبني تفاعلاً مثمراً. بل يرسي قواعد تفاوض مفروض في أحسن الأحوال كضرورة ظرفية للحفاظ على وضع تعايش أو تساكن أو تجاور قائم، ويبدي تساهلاً وتنازلاً لتجنب مجابهة غير مرغوبة ولا مضمونة النتائج، ويلتمس من قيم التسامح تبريراً لتأجيل المواجهة ما أمكن بنوع من الهروب نحو الأمام. نقد الحاجة

هذا الضرب من التسامح هو صدىً أو امتداد تاريخي لفكرة ومفهوم التسامح الذي ساد في لحظات تاريخية مختلفة من ماضي الدول الإسلامية ووسم موقف سلطاتها المتساهل إزاء رعاياها وطوائفها من مسلمين وذميين ومن عرب وغير عرب على اختلاف هوياتهم، في مركز الدولة أو في التخوم والأمصار المفتوحة، كما ميز العلاقة بين مللها وطوائفها وشيعها مع بعضها البعض. ومثل هذا الموقف قد ساد في غيرها من الدول والإمبراطوريات المجاورة لها زمنياً أو جغرافياً، وفي دول الغرب المسيحي خاصة إبان الانشقاقات الدينية المتوالية في الكنيسة والحروب الدينية التي أفضت إلى بروز وتنامي حركات الإصلاح الديني .

وفي خضم توتر العلاقة بين الكنيسة والدولة التي لم يأتِ حلّها إلا على أساس هذا التسامح الذي ما زال يكتسب أهمية عملية في ظروف التوتر الشديد والاحتراب السياسي أو الديني. وهي التي أرست على كل حال مقدمات التسامح الأولى بمفهومه الحديث لاحقاً عبر توجيه الفكر نحو استجلاء فكرة التسامح الموجودة في جوهر الدين أولاً، ومن ثم نقل المفهوم إلى ساحة الجدال الفكري الفلسفي والقانوني والسياسي القائمة على تنسيب الحقيقة واستبعاد هاجس الحقيقة الأخلاقية والدينية المطلقة من مجال اهتمامها في وقت لاحق.

أما الاتجاه الثاني من التفكير فيرى في التسامح قيمة اجتماعية أخلاقية مؤسسة على مبدأ الحرية والمساواة الوجودية بين البشر يقوم على الاحترام والاعتراف المتبادل بحق الاختلاف. وإذ يشترك خطاب هذا الاتجاه مع الاتجاه الأول في النظر إلى التسامح من منظور إيجابي، وبالأيديولوجية النفعية، والإعلاء من قيمة الفضيلة الأخلاقية للتسامح. لكنه يختلف عنه في تحديد المبادئ والغايات التي يكون فيها التسامح فكراً وفعلاً محموداً ومتى يتحول إلى عكس ذلك. نقد الحاجة

فإيجابية التسامح لا تأتي من أهميته في تسكين المنازعات وحفظ التعايش والتهادن بين الأفراد والجماعات وفق ما تمليه مصلحة السلطة السياسية أو الدينية أو الاجتماعية المسيطرة، ولا من التساهل أو طاقة التحمل التي تبديها الذات إزاء الآخر وتجاوزاته فحسب. بل من “حاجة المجتمع للتسامح حتى يستطيع أن يحدّ من آثار أشكال التعددية الثقافية والاجتماعية والفكرية والسياسية على استقراره”، كما عبّر عن ذلك ستيوارت ميل. (1) فالنفعية هنا لا تكون إلا نفع عام وخير عام يشمل جميع أفراد المجتمع دون استئثار أحد أو جهة ما بعوائده، أو استثناء أحد منها. والتسامح هنا ليس منّةً وكرم نفس، أو فضيلة أخلاقية فحسب. بل هو واجب أخلاقي تجاه الآخر يفرضه منطق الطبيعة ومنطق العقل القائم على الحرية ووعي الاختلاف والتنوع في الطبيعة والمجتمع على السواء.

ولأن المجتمعات الحديثة بتعقد كيميائها وتشابك علاقاتها لم تعد مجتمع الأسرة أو العائلة الممتدة والعشيرة أو القبيلة الواحدة، بل مجتمعات متعددة الأعراق والألوان والأجناس والهويات والثقافات، رغم وجود القبيلة والعشيرة في بعضها كحال مجتمعاتنا، فإن منطق العقل يوجب أن تنفتح ثقافة تلك المجتمعات على العالم والعصر، عالم الحداثة والتمدن والتحضر والديمقراطية وعلوم العصر، بقبولها بنسبية الحقيقة وتعدد أنماط التفكير وما قدمته من تأصيل فلسفي وفكري وحقوقي لمفهوم التسامح للارتقاء بعالم الإنسان، وسعيها الدائم لتحقيق العلاقة الفضلى بين السلطة والمجتمع والفرد و بين الدول والحضارات. وتؤمن بأن علم الإنسان غير كامل ولا يستطيع أحد أن يزعم أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، ولا تستطيع حضارة أن تفرض حتى السعادة على الآخرين.

ولا يكفي أن يكون التسامح فضيلة أخلاقية تقوم على اللامبالاة والتحمل وغض الطرف والتستر على النواقص والعيوب، بقدر ما هو مكاشفة نقدية تقوم على التفهم والقبول وترسي أسس حوار بناء يقرّ باختلاف البشر، ليس بصفاتهم البيولوجية الظاهرة فحسب، بل إقرار واعتراف بتساوي البشر جميعاً بالقيمة والكرامة الإنسانية الأصلية، وحقهم بالاحترام والتقدير وإتاحة الفرص المتكافئة أمامهم لتوكيد ذواتهم وإظهار كفاءاتهم وإبداعاتهم دون تمييز بالعرق أو الجنس أو اللون أو الخلفية الاجتماعية أو التراتب الطبقي. نقد الحاجة

إنّ لدى كل منهم نصيب من الحقيقة رغم اختلاف طرق تفكيرهم في الوصول إليها، ورغم تفاوتهم واختلافهم في المقدرات الجسدية والعقلية التي قد تفرضها ظروف بيئتهم الطبيعية أو الاجتماعية غالباً. والاعتراف بحقهم بالاحترام رغم مغايرة معتقداتهم وأفكارهم وقيمهم الأخلاقية أو الجمالية وأنماط عيشهم وأذواقهم الفنية وطقوس أفراحهم أو أحزانهم. هذا النوع من التسامح الذي قد يصح أن نطلق عليه “التسامح النشط” أو “التسامح الفعال” والذي لا ينتقص من قدر الآخر أو يقلل من شأنه يصعب أن يتجسد في السلوك العملي والحياة اليومية دون التدقيق وإعمال العقل في مرجعياته الفكرية ومفردات خطابه ومراقبة المتكلم لسلوكه وغايته المقصودة.

“ومثل هذا التفكير لا يقصر التسامح على موضوع الانسجام الديني، ولا يحصر إشكالية التسامح  في مجال الاختلافات الدينية فحسب إنما يطرحه في إطار أوسع ليشمل كل أنواع السلوك وأساليب العيش التي لا ترضى عنها الأغلبية الاجتماعية ولا تروق لها”(2). فقيم المواطنة الحديثة المؤسسة على مبدأ الحق وحرية الضمير وسيادة القانون المجسد لإرادة جميع أفراد المجتمع لا تعطي السلطة السياسية أو الاجتماعية السائدة شرعية تقييد سلوك أو منع رأي أو تقنين اعتقاد بالقوة والإكراه إلا في حدود ما يمنع أن يُحدث هذا السلوك أو الرأي أو الاعتقاد ضرراً جسدياً أو معنوياً على شخص آخر، و”لا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الأساسية”.(3) فالغاية الأخيرة هي ضبط العلاقة بين الفرد والمجتمع على إيقاع تحقيق الحماية الذاتية التي تقوم على حق التدبر ومنع الضرر، أو ما نعبر عنه بجدل الحرية والمسؤولية بتعبير آخر.

يحتاج المجتمع السوري اليوم إلى الكثير من التسامح للخروج من دوامة الحرب التي دمرت قواه الحية وفتكت بنسيجه الاجتماعي ويحتاج إلى خطاب فكري وسياسي متوازن لا تتقمص فيه الضحية ثوب الجلاد وتعيد دورة العنف من جديد. فقد كان للتسامح دور لا ينكر في حل النزاعات الدينية الدموية بالطرق السلمية ما أمكن، ولجم العنف والحدّ من التعصب ووقف الاحتراب وحفظ دماء الكثير من الأبرياء في غير مكان من العالم عبر التاريخ، لكنه لا ينكر أيضا أن مفهوم التسامح بقي لصيق تلك الغاية وارتبط بها ارتباطاً مباشراً من جهة، وأنه بقي مؤسساً على علاقة غير متكافئة بين الأطراف المعنية من جهة ثانية .

إذ بقي مرتبطاً بمعنى التنازل عن الكرامة مقابل الحفاظ على الحياة والوجود إلى زمن طويل. وهو ما يتعارض مع مبدأ الحق والمساواة، مساواة البشر في كرامتهم الأصلية وحقهم في الحياة والاحترام على قدر حق الذات، والاعتراف بالاختلاف والتنوع باعتباره مصدراً للتعارف والتحاور والتفاعل والإبداع. وليس في ذلك التماس عذر لرفض التسامح أو إيجاد مسوغ لقبوله، إنما محاولة تفكيك المرجعية الفكرية لخطابه في كل ظرف، وفتح جرح السؤال من جديد: هل يحتاج السوريون اليوم للتسامح لرأب صدوع مجتمعهم العميقة والتأسيس لبناء دولتهم الحديثة والخروج من دوامة العنف؟ وإلى أي تسامح يحتاجون؟.

1-منير الكشو، مفهوم التسامح صعوبة التعريف وتحولات الواقع، ، بحث محكم، قسم الدراسات الدينية في مؤسسة مؤمنون بلا حدود ، 2019 . نقد الحاجة

2- نفس المصدر السابق

3- إعلان مبادئ بشأن التسامح ، اعتمده المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين، باريس، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1995، جامعة مينسوتا، مكتبة حقوق الإنسان

ليفانت – جاد الله جباعي

يُنظر إلى التسامح من منظور إيجابي في كثير من الأحوال والظروف لما له من دور في صون وحدة المجتمع وحفظ السلم الأهلي وحماية حياة الأفراد والجماعات. لكن التسامح عند تدقيق النظر فضيلة عصية على التحديد، ومفهوم شديد الالتباس كثير المكر وسريع الزوغان، إذ سرعان ما يتداخل عند التعبير عن التسامح اتجاهان اثنان من التفكير والنظر على اختلاف في الغاية والمراد، واختلاف في الأساس والبناء: اتجاه يجعل من التسامح فضيلة أخلاقية تقوم على التكرّم والإحسان، أو العفو والمنّة. واتجاه يجعل منه قيمة اجتماعية تقوم على مبدأ قانوني حقوقي يعيد تأسيس المفهوم على مبدأ الكينونة والاختلاف وتبادل الاحترام والاعتراف. نقد الحاجة

يعبر الاتجاه الأول عن التسامح بخطاب وعظي دعوي ذي طابع معتقدي أيديولوجي، ديني أو سياسي نفعي في الغالب، تضع ذات المتكلم نفسها خلاله في موقع التفوق والغلبة، الحقيقية أو الموهومة، بالاعتماد على مصادر قوتها الكامنة، كالمكانة الاجتماعية وكرم المنبت والانتماء، أو قوة الشوكة والعصبية، أو التفوق الأخلاقي أو المادي. فيساق الخطاب في هذه الحالة مشفوعاً بنبرة سلطوية تارة، وفحيح لفظي بنفحة أبوية ونفَس استعلائي تارة أخرى. وهذا الخطاب يحطّ من قدر المخَاطب ويقلل من شأنه، ويستهين بحمولته الفكرية وقيمه الأخلاقية ويسَفّه رأيه عن سوء في القصد أو حسن في النية.

ولا يعدو التسامح في هذه الحال عن كونه تسامحاً ظاهرياً يخفي شعوراً بمركزية “أنا” متضخمة، ويبقى مشدوداً إلى ميزان القوى الذي لا يعترف بمساواة ولا يقيم وزناً للاختلاف، مع ميل إلى اللامبالاة وغض الطرف ما دام الآخر لا يشكل تهديداً جدياً ومباشراً. ولا يتغير هذا الخطاب كثيراً بتبدل موقع المتكلم من حال القوة إلى حال الضعف إلا بتغيّر نبرة الخطاب وميله للتشديد على التفوق القيمي أو الأخلاقي كتعويض مغبون عن واقع الحال المتردّي.

وتمتين حصون الدفاع والخصوصية بنزوع إحيائي لماض مجيد متخيل. ومثل هذا التسامح لا يقيم حواراً منتجاً بين الذوات كأفراد أو جماعات أو مجتمعات، ولا يبني تفاعلاً مثمراً. بل يرسي قواعد تفاوض مفروض في أحسن الأحوال كضرورة ظرفية للحفاظ على وضع تعايش أو تساكن أو تجاور قائم، ويبدي تساهلاً وتنازلاً لتجنب مجابهة غير مرغوبة ولا مضمونة النتائج، ويلتمس من قيم التسامح تبريراً لتأجيل المواجهة ما أمكن بنوع من الهروب نحو الأمام. نقد الحاجة

هذا الضرب من التسامح هو صدىً أو امتداد تاريخي لفكرة ومفهوم التسامح الذي ساد في لحظات تاريخية مختلفة من ماضي الدول الإسلامية ووسم موقف سلطاتها المتساهل إزاء رعاياها وطوائفها من مسلمين وذميين ومن عرب وغير عرب على اختلاف هوياتهم، في مركز الدولة أو في التخوم والأمصار المفتوحة، كما ميز العلاقة بين مللها وطوائفها وشيعها مع بعضها البعض. ومثل هذا الموقف قد ساد في غيرها من الدول والإمبراطوريات المجاورة لها زمنياً أو جغرافياً، وفي دول الغرب المسيحي خاصة إبان الانشقاقات الدينية المتوالية في الكنيسة والحروب الدينية التي أفضت إلى بروز وتنامي حركات الإصلاح الديني .

وفي خضم توتر العلاقة بين الكنيسة والدولة التي لم يأتِ حلّها إلا على أساس هذا التسامح الذي ما زال يكتسب أهمية عملية في ظروف التوتر الشديد والاحتراب السياسي أو الديني. وهي التي أرست على كل حال مقدمات التسامح الأولى بمفهومه الحديث لاحقاً عبر توجيه الفكر نحو استجلاء فكرة التسامح الموجودة في جوهر الدين أولاً، ومن ثم نقل المفهوم إلى ساحة الجدال الفكري الفلسفي والقانوني والسياسي القائمة على تنسيب الحقيقة واستبعاد هاجس الحقيقة الأخلاقية والدينية المطلقة من مجال اهتمامها في وقت لاحق.

أما الاتجاه الثاني من التفكير فيرى في التسامح قيمة اجتماعية أخلاقية مؤسسة على مبدأ الحرية والمساواة الوجودية بين البشر يقوم على الاحترام والاعتراف المتبادل بحق الاختلاف. وإذ يشترك خطاب هذا الاتجاه مع الاتجاه الأول في النظر إلى التسامح من منظور إيجابي، وبالأيديولوجية النفعية، والإعلاء من قيمة الفضيلة الأخلاقية للتسامح. لكنه يختلف عنه في تحديد المبادئ والغايات التي يكون فيها التسامح فكراً وفعلاً محموداً ومتى يتحول إلى عكس ذلك. نقد الحاجة

فإيجابية التسامح لا تأتي من أهميته في تسكين المنازعات وحفظ التعايش والتهادن بين الأفراد والجماعات وفق ما تمليه مصلحة السلطة السياسية أو الدينية أو الاجتماعية المسيطرة، ولا من التساهل أو طاقة التحمل التي تبديها الذات إزاء الآخر وتجاوزاته فحسب. بل من “حاجة المجتمع للتسامح حتى يستطيع أن يحدّ من آثار أشكال التعددية الثقافية والاجتماعية والفكرية والسياسية على استقراره”، كما عبّر عن ذلك ستيوارت ميل. (1) فالنفعية هنا لا تكون إلا نفع عام وخير عام يشمل جميع أفراد المجتمع دون استئثار أحد أو جهة ما بعوائده، أو استثناء أحد منها. والتسامح هنا ليس منّةً وكرم نفس، أو فضيلة أخلاقية فحسب. بل هو واجب أخلاقي تجاه الآخر يفرضه منطق الطبيعة ومنطق العقل القائم على الحرية ووعي الاختلاف والتنوع في الطبيعة والمجتمع على السواء.

ولأن المجتمعات الحديثة بتعقد كيميائها وتشابك علاقاتها لم تعد مجتمع الأسرة أو العائلة الممتدة والعشيرة أو القبيلة الواحدة، بل مجتمعات متعددة الأعراق والألوان والأجناس والهويات والثقافات، رغم وجود القبيلة والعشيرة في بعضها كحال مجتمعاتنا، فإن منطق العقل يوجب أن تنفتح ثقافة تلك المجتمعات على العالم والعصر، عالم الحداثة والتمدن والتحضر والديمقراطية وعلوم العصر، بقبولها بنسبية الحقيقة وتعدد أنماط التفكير وما قدمته من تأصيل فلسفي وفكري وحقوقي لمفهوم التسامح للارتقاء بعالم الإنسان، وسعيها الدائم لتحقيق العلاقة الفضلى بين السلطة والمجتمع والفرد و بين الدول والحضارات. وتؤمن بأن علم الإنسان غير كامل ولا يستطيع أحد أن يزعم أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، ولا تستطيع حضارة أن تفرض حتى السعادة على الآخرين.

ولا يكفي أن يكون التسامح فضيلة أخلاقية تقوم على اللامبالاة والتحمل وغض الطرف والتستر على النواقص والعيوب، بقدر ما هو مكاشفة نقدية تقوم على التفهم والقبول وترسي أسس حوار بناء يقرّ باختلاف البشر، ليس بصفاتهم البيولوجية الظاهرة فحسب، بل إقرار واعتراف بتساوي البشر جميعاً بالقيمة والكرامة الإنسانية الأصلية، وحقهم بالاحترام والتقدير وإتاحة الفرص المتكافئة أمامهم لتوكيد ذواتهم وإظهار كفاءاتهم وإبداعاتهم دون تمييز بالعرق أو الجنس أو اللون أو الخلفية الاجتماعية أو التراتب الطبقي. نقد الحاجة

إنّ لدى كل منهم نصيب من الحقيقة رغم اختلاف طرق تفكيرهم في الوصول إليها، ورغم تفاوتهم واختلافهم في المقدرات الجسدية والعقلية التي قد تفرضها ظروف بيئتهم الطبيعية أو الاجتماعية غالباً. والاعتراف بحقهم بالاحترام رغم مغايرة معتقداتهم وأفكارهم وقيمهم الأخلاقية أو الجمالية وأنماط عيشهم وأذواقهم الفنية وطقوس أفراحهم أو أحزانهم. هذا النوع من التسامح الذي قد يصح أن نطلق عليه “التسامح النشط” أو “التسامح الفعال” والذي لا ينتقص من قدر الآخر أو يقلل من شأنه يصعب أن يتجسد في السلوك العملي والحياة اليومية دون التدقيق وإعمال العقل في مرجعياته الفكرية ومفردات خطابه ومراقبة المتكلم لسلوكه وغايته المقصودة.

“ومثل هذا التفكير لا يقصر التسامح على موضوع الانسجام الديني، ولا يحصر إشكالية التسامح  في مجال الاختلافات الدينية فحسب إنما يطرحه في إطار أوسع ليشمل كل أنواع السلوك وأساليب العيش التي لا ترضى عنها الأغلبية الاجتماعية ولا تروق لها”(2). فقيم المواطنة الحديثة المؤسسة على مبدأ الحق وحرية الضمير وسيادة القانون المجسد لإرادة جميع أفراد المجتمع لا تعطي السلطة السياسية أو الاجتماعية السائدة شرعية تقييد سلوك أو منع رأي أو تقنين اعتقاد بالقوة والإكراه إلا في حدود ما يمنع أن يُحدث هذا السلوك أو الرأي أو الاعتقاد ضرراً جسدياً أو معنوياً على شخص آخر، و”لا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الأساسية”.(3) فالغاية الأخيرة هي ضبط العلاقة بين الفرد والمجتمع على إيقاع تحقيق الحماية الذاتية التي تقوم على حق التدبر ومنع الضرر، أو ما نعبر عنه بجدل الحرية والمسؤولية بتعبير آخر.

يحتاج المجتمع السوري اليوم إلى الكثير من التسامح للخروج من دوامة الحرب التي دمرت قواه الحية وفتكت بنسيجه الاجتماعي ويحتاج إلى خطاب فكري وسياسي متوازن لا تتقمص فيه الضحية ثوب الجلاد وتعيد دورة العنف من جديد. فقد كان للتسامح دور لا ينكر في حل النزاعات الدينية الدموية بالطرق السلمية ما أمكن، ولجم العنف والحدّ من التعصب ووقف الاحتراب وحفظ دماء الكثير من الأبرياء في غير مكان من العالم عبر التاريخ، لكنه لا ينكر أيضا أن مفهوم التسامح بقي لصيق تلك الغاية وارتبط بها ارتباطاً مباشراً من جهة، وأنه بقي مؤسساً على علاقة غير متكافئة بين الأطراف المعنية من جهة ثانية .

إذ بقي مرتبطاً بمعنى التنازل عن الكرامة مقابل الحفاظ على الحياة والوجود إلى زمن طويل. وهو ما يتعارض مع مبدأ الحق والمساواة، مساواة البشر في كرامتهم الأصلية وحقهم في الحياة والاحترام على قدر حق الذات، والاعتراف بالاختلاف والتنوع باعتباره مصدراً للتعارف والتحاور والتفاعل والإبداع. وليس في ذلك التماس عذر لرفض التسامح أو إيجاد مسوغ لقبوله، إنما محاولة تفكيك المرجعية الفكرية لخطابه في كل ظرف، وفتح جرح السؤال من جديد: هل يحتاج السوريون اليوم للتسامح لرأب صدوع مجتمعهم العميقة والتأسيس لبناء دولتهم الحديثة والخروج من دوامة العنف؟ وإلى أي تسامح يحتاجون؟.

1-منير الكشو، مفهوم التسامح صعوبة التعريف وتحولات الواقع، ، بحث محكم، قسم الدراسات الدينية في مؤسسة مؤمنون بلا حدود ، 2019 . نقد الحاجة

2- نفس المصدر السابق

3- إعلان مبادئ بشأن التسامح ، اعتمده المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين، باريس، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1995، جامعة مينسوتا، مكتبة حقوق الإنسان

ليفانت – جاد الله جباعي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit