علاقات طهران والإخوان المسلمين الوظيفيّة… أنقرة “الرجل الثّالث”

رامي شفيق
رامي شفيق

تفيض صفحات التاريخ بوقائع كثيرة تعكس استراتيجية السياسة الخارجية لجماعة الإخوان المسلمين، منذ عقود طويلة مضت، بحيث بدت معها الأمور أنّ علاقات الجماعة تتمركز إقليمياً ودوليّاً، حسب تناقضات المصالح التي تتضح مع متغيّرات السياسة، وتشابكاتها البراغماتية مع الأطراف الخارجية، والتي تستوجب التزامات محددة في إطار دورها الوظيفي لجهة تلك الأطراف والدول المخلتفة.

تأتي علاقات الإخوان المسلمين مع أنقرة وطهران، كنموذج مباشر لتلك القراءة التي تدرس طبيعة وتكتيكات التحرك السياسي للجماعة في الشرق الأوسط، وذلك على ضوء جملة المتغيرات التي ضربت المنطقة، خلال العقد الماضي؛ إذ خلقت مشهداً مغايراً لطبيعة القوى الداخلية في المجتمعات العربية، وكذا، طمع قوى إقليمية في ممارسة النفوذ والتأثير في المنطقة والإقليم، خاصة، مع الفراغ الاستراتيجي في بنية ومشروع عدد من الدول التي تتعثّر في بلورة رؤية لإدارة أزمات وعقبات المنطقة، ومواجهة بؤرها الساخنة أمام اجتياح الإسلام السياسي بأجنحته وتياراته ومرجعياته المتباينة.

ومن خلال ذلك الفراغ، تدير الجماعة تحركاتها مع طهران باعتبارها خياراً تكتيكياً، يمكنها التعويل عليه في إدارة الصراع بالشرق الأوسط، وذلك عبر عدّة مستويات جاءت أبرزها كتراتبية منطقية للخلاف التركي الخليجي، والذي استثمرته طهران في تعضيد علاقاتها مع الإخوان، ومن ثم، تحويل الأخيرة إلى أداة وظيفية في مواجهة الرياض على ساحة اليمن واستثمار ذلك إقليمياً.

كان تطوّر الأحداث وتعقدها في الشرق الأوسط، خلال السنوات الاخيرة، خاصة الملف السوري، مسرحاً خلفياً، تتحرك فيه العلاقات التركية الإيرانية على خيط دقيق؛ إذ تتجه أنقرة لجهة دعم قوى الإسلام السياسي والتنظيمات الجهادية، بهدف تشكيل أوراق ضغط سياسية وميدانية بين اللاعبين الإقليمين والدوليين في سوريا، بينما ترى طهران نظام “الأسد” حليفها الرئيس في الشرق الأوسط، منذ العام 1979. وعليه، فإنّ تنامي النفوذ التركي في الإقليم عبر البوابة السورية، يجعل أنقرة بمثابة خصم استراتيجي للنفوذ الإيراني في المنطقة.

عبر تطورات عديدة في المشهد السوري، وتدخلات موسكو، والتي استطاعت أن تثبت أركان النظام، واستثمار وجوده الهشّ والمؤقت، ربما، لحساب إدارة مصالحها مع واشنطن وباقي الأطراف الإقليمية، انعكست انتهازية الموقف السياسي لأردوغان، والذي عمد إلى تجاوز مجموعة من التصرفات الخشنة، وكذلك، التحرش السياسي، من جانب موسكو، فضلاً عن اصطدامه بالتناقض الرئيس في موقف فصيل الإخوان بسوريا مع إيران على أساسه الطائفي. 

إذ إن جماعة الإخوان ترى نفسها مضطرة لإدارة العلاقة مع إيران داخل غيوم ضبابيّة كثيفة، باعتبارها تقدّم نفسها كحامل للفكر السنيّ، بينما لا ترغب في تقديم ذاتها للعالم الإسلامي منضوية تحت راية الولي الفقيه، خاصة، وهي تقاوم أزماتها المتباينة داخل مجتمعاتها المحلية، وتحديداً، بعد الإخفاق في تجربة الحكم بمصر، فضلاً عن كون أمر تطوير تلك العلاقات، وتوظيفها السياسي والأيدولوجي مرهونين برؤية أردوغان ومصالح أنقرة الاستراتيجية.

بيد أنّ طهران حين اندلعت أحداث “الربيع العربي” في مطلع العام 2011، أطلقت وصف “اليقظة الإسلامية” على تلك الأحداث، في محاولة دؤوبة لتطييف التحولات السياسية وتأميمها في جيوبها العقائدية، وعاشت لحظات عودة العلاقات مع بعض العواصم العربية، ومن بينها، القاهرة التي تسعى دوماً نحو تطبيع العلاقات معها.

جاءت ترتيبات الحكم بعد العام 2011 ليقبض الإخوان على مقاليد الحكم في القاهرة، والتي تملك بحكم الجغرافيا السياسية دوراً مؤثراً، في عدد من الملفات الساخنة، خاصة، الملف السوري، الذي تتنازعه أطراف متباينة المصالح. وعلى ضوء ذلك، مثّلت زيارة محمد مرسي لطهران في ذلك التوقيت والسياق، استجابة لرؤية أردوغان، وقتذاك، حين كان يمهّد الطريق لإدارة وترتيب المنطقة، بواسطة ممثل الإخوان في القاهرة، الذي احتلّ مقعد الرئاسة.

النظرة الدقيقة للخطاب السياسي لكلّ من النظام التركي والإيراني، فيما يخصّ القضية الفلسطينية، والعداء للصهيونية، لا يمكن تفكيكه وتأويله السياسي سوى من خلال اعتبار أن ذلك يمثّل شرياناً قوياً لدورة حياة تمتّد في عقل الولي الفقيه، وكذلك، طموحات أردوغان التوسعيّة في العالم الإسلامي، من دون أي تكلفة سوى جملة من الشعارات الفضفاضة والمفخخة التي تكفل له الحركة داخل المجتمعات العربية، ومن ثم، اعتبار ذلك نقطة الانطلاق في علاقات الجماعة مع كليهما.

إذاً، تتمحور العلاقة بين إيران والإخوان حول عدد من الملفات الإقليمية، التي تتبادل العمل فيها بحسب ما تسمح به شروط العمل السياسي والإقليمي بين أنقرة وطهران، ومساحة الدور الذي يكفله كل طرف للآخر، بغية استخدام وتوظيف جماعة الإخوان في عواصم التوتر بالمنطقة، لتحقيق أغراضها ومصالحها، وهو الأمر الذي اتضح على نحو مباشر بعدما تسرّبت أنباء اللقاءات بين المسؤولين الايرانيين وقيادات الجماعة داخل إسطنبول، إذ صرح القيادي الإخواني، إبراهيم منير، أنّ لقاء قيادات الإخوان مع عدد من المسؤولين الإيرانيين، في العام 2014، كان حقيقياً حيث تم توجيه الدعوة لمقابلتهم بهدف الاستماع لوجهات النظر التي قد تتفق أو تختلف في بعض القضايا.

كما ذكر نائب مرشد الإخوان، أنّ اللقاء كان فرصة لتوضيح رؤيتنا ووجهة نظرنا للمسؤولين الإيرانيين فيما يجري في المنطقة، وخصوصاً ما يحدث في سوريا والعراق واليمن، لأن إيران بالتأكيد لها تأثير في السياسات بهذه الدول.

تعكس تلك اللقاءات بين الطرفين، والتي جرت خلال الفترة الماضية بأن ثمّة أمور تحول بين وصول تلك العلاقات كأولوية استراتيجية بينهما، ويعود ذلك إلى شكل العلاقة بين أنقرة وطهران، فضلاً عن طبيعة المصالح فيما بينهما حول عدد من ملفات المنطقة، وضرورة ألا تأتي عمق العلاقات بين إيران والإخوان على حساب إدارة أنقرة للجماعة، وانضباط إيقاعهم وتحركاتهم، وذلك بحسب الرؤية الاستراتيجية للمصالح التركية في المنطقة.

الثابت في شكل ومحددات العلاقة بين الإخوان، وأنقرة، وطهران، والدوحة، هو طبيعة ومستوى استخدام تلك الدول لهذه العلاقة، وترجيح كفة مصالح تلك العواصم إقليميّاً على مصلحة الجماعة، التي ترغمها لحظات الاضطرار على قبول ذلك الوضع والخضوع له، وانتظار المتغيرات التي تعدّل من خلالها توازنات العلاقة، ومن ثم، تبدأ في استثمار الحالة داخل مجتمعاتها.

ليفانت – رامي شفيق