دوري أبطال كورونا

بشار يوسف
بشار يوسف

يتصدّر فايروس كورونا المستجد منذ عدة أسابيع وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها، وبات محور فترات الأخبار، وموضوعاً رئيساً في معظم البرامج، حتى الترفيهية منها، كنتيجة طبيعية لسرعة تفشّي الفايروس في معظم دول العالم ووضع مئات الملايين تحت الحجر الصحي بعد أن أودى  بحياة الآلاف.
على الرغم من أن “كوفيد-19” ليس الوباء الأول الذي يصيب البشر، وقد لا يكون أخطرها، كما أنّ التطور العلمي والتنافس التجاري من شأنهما أن يسرّعا في إيجاد اللقاح الواقي من هذا المرض، إلا أنه قد يفضي إلى تغييرات كبيرة، بعدما أظهر عجز أنظمة الرعاية الصحية، وبشكل خاص في الدول التي توصف “بالمتقدمة”، فضلاً عن زعزعة الاقتصاد العالمي والتشكيك في كفاءة بعض الحكومات والسياسات التي تتبعها، دون إغفال احتمالات ظهور صراعات جديدة بين القوى العظمى في سبيل الحصول على المستلزمات الطبية الوقائية أو احتكارها، ولو تطلّب ذلك استخدام القوة العسكرية.

كل ذلك، وربما ما هو أكثر، لم يمنع كثيراً من وسائل الإعلام، وبشكل خاص العربية منها، من تكرار سقطاتها السابقة، ما يطرح أسئلة كثيرة حول سياسات التحرير المتّبعة فيها، هذا إن كانت موجودة في الأصل، إذ لم يعد يقتصر الأمر على التعامل مع من ماتوا بسبب الفايروس أو أصيبوا به كأرقام مجرّدة تزيّن شريط الأخبار في الشاشات وتمنح العناوين في المواقع الإلكترونية مزيداً من الإثارة، فهذا ما اعتدناه في تغطيتها للحروب والثورات وما تزامن معها من اعتقالات وهجرات، بل تعدّى ذلك إلى أسلوب عرض تلك الأرقام، وكأنها مسابقة، ليتمّ بشكل يومي نشر عناوين من قبيل: “إسبانيا تحتلّ المركز الثالث في عدد الوفيات”، “الولايات المتحدة تتجاوز الصين في عدد الإصابات”، 1200وفاة في أمريكا مقابل واحدة للصين”، وغيرها من العناوين التي لا تصلح إلا لنقل أخبار البطولات، وكأن إجراءات الحجر والحظر دفعت بعض وسائل الإعلام إلى الاستعانة بمحرري أخبار الرياضة لديها لسدّ النقص الحاصل في كوادرها.

المشكلة لا تتوقّف عند هذا الحدّ، فإذا كانت وسائل الإعلام تلك تستعين بمحرري أقسام الرياضة لديها، فإنها بلا شك لم تطلب خدمات محرري الأخبار الاقتصادية، لذا يرتكب بعض معدّي نشرات الأخبار، أو من يتم استضافتهم فيها، أخطاء ساذجة في تحليل البيانات واستنتاج المعلومات منها، لعل من أبرزها حساب زيادة أو نقصان معدلات الإصابة أو الوفيات، دون الإلمام بقواعد الإحصاء البسيطة، ما يؤدي -للأسف- إلى تقديم مؤشرات خاطئة للمتلقين، وذلك في وقت يسود فيه الهلع ويتمسّك فيه الناس بأيّ أمل، إلى جانب تجاهل معطيات أخرى، مثل فترة حضانة الفايروس والمدة اللازمة لظهور الأعراض على المصابين.

إضافة إلى ما سبق، لا تتوانى بعض وسائل الإعلام عن نشر معلومات مغلوطة عن أعراض الإصابة بفايروس كورونا أو طرق الوقاية منه، دون بذل جهود كبيرة للتأكّد من صحتها، أو الرجوع إلى مصادرها، وفي أغلب الأوقات تتم استضافة أشخاص غير مؤهلين علمياً للتعليق على الجانب الطبي من الموضوع، فإما أن يكونوا من المراسلين، أو من العاملين في مجال السياسة، ما يضع كثيراً من إشارات الاستفهام حول مهمة الصحافة ومدى التزامها بالمعايير المهنية.

في الواقع إن انعدام المسؤولية الأخلاقية عن حياة الغير تغدو جلية أكثر في المواقع الإلكترونية والمدونات ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمكن إيجاد عشرات الأمثلة عن معلومات خاطئة يتم تناقلها دون التحري عن دقتها بهدف زيادة عدد الزيارات إلى المدوّنات الشخصية وبالتالي تحقيق دخل من الإعلانات أو زيادة عدد الإعجابات بالصفحات أو عدد المشتركين في المجموعات، وهو ما يمكن أن يزيد بشكل متزايد من انتشار الوباء، إذا ما أخذنا في الاعتبار الساعات الطويلة التي يقضيها معظمنا في استخدام الإنترنت، وتحوّل مواقع كفيسبوك أو تويتر إلى مصدر وحيد للأخبار عند كثير من الأشخاص لاستسهال وسرعة الحصول عليها، ويزيد ذلك في المناطق التي تكون فيها خدمة الإنترنت سيئة ولا تسمح للمستخدمين بالولوج إلى وكالات الأخبار أو المواقع الرسمية.

أزمة كورونا -إن جاز التعبير- قد تعزّز النزعات الفردية والتصرّف من منطلق المصلحة الشخصية البحتة، سواء على الصعيد الفردي أم الدولي، أو يمكن أن تلعب دوراً في تعميم ثقافة التكافل وفهم أن استمرارية النوع البشري تتطلب مسؤولية أخلاقية تشاركية تضمنها.

ليفانت – بشار يوسف