تعامل بعض الحكومات مع الفايروس انعكاس لتركيبتها البنيوية

شفان إبراهيم

حدّد الفايروس نمطية العلاقة بين الحكومات وشعوبها. فطبيعة مواجهة التحدي والتصدي التي تعاملت بها الدول والجهات مع “كورونا” أوضحت طبيعة العقل السياسي والثقافي لإدارة الأزمات والتعامل مع الشعب. الحكومات

فككل شيء في حياتنا، وحتى الفايروس “MADE IN CHINA”. إن الكتّمان والتستر على انتشار الفايروس لدى الطبقة الحاكمة في الصين، كان أشبه بأن المعلومات حول الجائحة كالأسلحة البيولوجية يُحظر إتاحتها أمام العامة، وبذلك تعتبر سرية المعلومات واحتكارها ثقافة متأصلة وعقيدة راسخة ضمن الهرم الوظيفي والرئاسي الصيني منذ قرابة الــ/70/ عاماً. فالطبقة الحاكمة في الصين تنظر إلى نفسها بالثورية ذاتها التي بدأت منه، والمعلومة خارج الدائرة المرسومة تُعتبر معرفة، والأخيرة مصدر قوة، وبذلك انتشر الوباء في العالم بعد أن تكتّمت عنه لأسابيع قبل أن تعترف بكين بالوباء وتتحول فيما بعد إلى أسرع دولة تضبط انتشاره وينخفض الخط البياني للفايروس إلى أدنى حالاته. ومع ذلك فإن أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة في العالم لا يتمنّون انهياراً في الاقتصاد الصيني؛ فهم الذين عاشوا على بضائعها منذ عقود، فاستبدالها بنظيرتها الأوربية سيعني عبء أثقل على كواهلهم.

وتتشابه إيران مع الصين بصلابة التعامل والتكتم على الأمور، ومحق شعوبها، وإخفاء المعلومات. لكن ما فات إيران أنها أقلّ ضبط وتنظيم وصرامة من الصين. انتشار الوباء عبر مرجعية قم، بعد عودة الطلبة الصينيين من عطلتهم، منعت الحساسيات الدينية الإعلان المبكر عن الفايروس، لأن الأضرحة الدينية كما هو مُروج في إيران تشفي جميع الأمراض، ومع انتشار نكتة أن كورونا مؤامرة من “الشيطان الأكبر، أمريكا”؛ للنيل من إيران، فابتكار أمريكا مصلاً للقضاء على الفايروس، سيضع طهران أمام تجرّع السمّ من جديد، لاقتناء الدواء من الشيطان الأكبر. الحكومات

كما إن إلغاء الطبقة السياسية في كوردستان العراق، عيد النوروز، حماية للأهالي ومواجهة مع الفايروس، بالرغم من إحيائه أثناء القصف الكيماوي في ثمانينيات القرن الماضي، شرحت عقلية إدارة الأزمات ما إن توضع على المِحك. مع ذلك ثمة ما يؤرق هذه الرقعة الجغرافية دوماً في كل حدث سياسي أو شعبي أو عالمي. وما كان لأزمة الفايروس أن تمضي دون أن يشعر الكوردستانيون بعمق مأساتهم مع جهات دينية راحت تعتبر المتوفي بمرض الكورونا شهيداً داعية لعدم الالتزام بقرارات الحكومة، والإصرار على الفرائض الدينية الجماعية دون اكتراث بما تستجلبه من مصائب. بالمقابل فإن رساميل كوردية راحت تحمل العبء عن حكومتها، سواء بإعفاء المستأجرين من رسومهم الشهرية منازلاً ومحلات وغيرها، أو التبرع لإنشاء مشفى ميداني خلال /15/يومياً، وهو يعكس حالة الانتماء العميق للمجتمع والإقليم. عُمق الاهتمام الحكومي بمصلحة المواطنين في الإقليم، والإجراءات المتبعة دفعت بالقنصل الأمريكي في أربيل “هولير” للقول: “يجب أن نتعلم حماية مواطنينا من حكومة إقليم كوردستان، حكومة إقليم كوردستان أصبحت علامة دولية ضد فيروس كورونا”. مع كل ذلك تتوسع دائرة المصابين وإن ببطء شديد مقارنة بكل دول العالم، فثمة جائحة مُتغلغلة في الوسط المجتمعي الكُردي هناك، توازي الوباء نفسه، جائحة الاستهتار واللامبالاة الشعبية.

أما والحال مع كُرد سوريا، فقد تأخر المجلس الكوردي في الإعلان عن إلغاء مناسباته، خاصة وأن المحافظات السورية مُهددة وبعمق بوصول الفايروس إليها. كما إن التأخر في تطبيق الإجراءات المطلوبة من قبل الإدارة الذاتية، منع عن الناس هاجس الاهتمام الجدّي بالفايروس. فلا إجراءات شعبية احترازية، ولا استعداد بتوقيت مناسب، أو بنية تحتية جيدة بالنسبة للهياكل الإدارية الموجودة. خاصة وأن هذه الأزمة كشفت حجم النقص والضعف في الأداء الوظيفي والتنبؤ المستقبلي، إذ لا أمن غذائي، ولا أمن بيئي، ولا أمن صحي. ومع فقدان البنية التحتية للمشافي ومراكز الحجر الصحي، طيلة الأعوام السابقة، يُهدّد المنطقة لتكون الأكثر عرضة لانتشار الفايروس لو وصلت طلائعه إلى البلاد، تحديداً إنّ الأزمة ستنتقل إلى باقي الأمراض التي لن يجد حاملوها مركزاً للمعالجة. لجوء الإدارة الذاتية لتعقيم الشوارع وفرض حظر تجوال، وإغلاق متأخّر للحدود ومع استمرارية حركة مطار القامشلي الدولي حتى قرّابة 21/3/2020، ليس بكافً على أهميته وضرورته. فحظر التجوال دون تعويض للعمال المياومين، يعني لا وارد لحياتهم اليومية، أما المسنون وهم الأكثر عرضة للمرض، والأكثر تهميشاً وإهمالاً، انتشار الفايروس ضمن المخيمات والسجون سيشكل صفعة قوية للإدارة الذاتية، خاصة وأن معتقلي داعش، يُشكلون الورقة الأخطر والأهم بيدهم. الحكومات

التركيز على الحجر الصحّي، مع التهديد بفرض غرامات على المتسببين بخرقه، يشّي بعاملين مُركبين متداخلين، فهو من جهة يفرض نظاماً صحياً يحمي الشعب ويدفع بهم صوب حماية أنفسهم، وحماية من حولهم، وهو الإجراء العام المتّبع في كُل دول العالم. بيد أنه من جهة تالية يتسبب بفقدان المياومين لموارد رزقهم الوحيدة، ويدفع النّاس لشعور النفور وعوامل داخلية نفسية لعدّم الالتزام في الأيام المقبلة، مالم تُبادر الإدارة الذاتية لتقديم تسهيلات وسلّات غذائية للفقراء، وتخفيف أثار المصاريف الثابتة من رسوم الكهرباء الشهرية، وأدوية، ومستلزمات الأطفال، والمواد التموينية اليومية….إلخ.

والمؤسف أن الطبقة الجديدة التي راحت تُعلن عن ثروتها اللامشروعة في هذه الحرب، جرّاء ما استفادته من الإدارة الذاتية و”تمريقاتها” لطلباتهم وتجارتهم، منتقلةً إلى حياة البذخ والرفاهية المفرطة، على حساب دماء الأبرياء، لم تُبادر لتقدّم أيَّ مساعدات أو تغطية نفقاتً لحماية البلد، أو التبرع بـــ”دولار” واحد لشراء معقم لفقير يقيّه ويقينّا جميعاً. وكان ذاك فشلاً لأهم اختبار وطنيّ وفقداناً للتلاحم الشعبي المطلوب. الحكومات

بعكس ما حصل في العديد من دول العالم، فبعض ممثلات أفلام البورنو في إيطاليا وإسبانيا تبرعن بمبالغ خيالية لمساعدة حكوماتهم في مواجهة الوباء، عدّا عن دعم شبكات المافيا الأوربية لبلدّانهم لتجاوز الأزمة، وتبرع أصحاب رؤوس أموال بمبالغ ضخمة في إقليم كُردستان، والتبرع بمبالغ بدءاً من /100000- 1000000$/، كمساعدّة للأهالي أو بناء مشافي خاصة.

بينما اقتصر دعمّ الفقراء جرّاء توقف عملهم في عموم المنطقة الكُردية، على مبادرات شخصية لبعض الأهالي في عموم المدن الكُردية، كالتنازل عن المستحقات المالية المترتبة على أجار المنازل والمحال التجارية في كركي لكي/معبدة، أو ديرك/مالكية، وباقي المناطق. الحال وهذه العقلية التّي تُدير البلد، فإن مشكلة عميقة في طريقها إلى المدّن الكُردية. وما على الإدارة الذاتية سوى إخراج جزء يسيّر من الأموال الطائلة التي في جعبتها، وإلزام الطبقة الغنيّة الجديدة بالتبرع، إن أرادت التفكير بعقلية الحكومات المهتّمة بشعوبها.

لجأت جميع الدول إلى حظر التجوال، ولفترات طويلة، وهو ما سيعكس خلق نوع جديد من التعاطي بين الناس، وإمكانية إيجاد نمطية حيّاة خاصة وشبكة علاقات اجتماعية، بعيداً عن أنواع العلاقات المتعارف عيها سابقا. الحكومات

عدا عن النماذج المذكورة أعلاه، فإن انتشار الفايروس هو امتحان جدّي للحكومات في التعامل مع المشاكل الجدّية الطارئة، خاصة وأن المجتمعات المُنهكة من الحرب والمغلوبة على أمرها، تواجه أزمة في العمق لجهة الثقافة وبنية ونظام الرعاية الصحيّة. والأكثّر سوءاً تجلّى بتسطيح الأنظمة والحكومات منحى الأزمة الصحية والأخلاقية التي تعيشها، بل وتمييع نسق الإجابات التي راحت الشعوب تُطالب لاستفساراتهم حول عقود من النهبِ والكسب اللامشروع، قابله وكمثال، فقدان الكمامات أو ارتفاع أسعارها كانعكاس لنوعية التعاطي الثقافي والأخلاقي والإداري للطبقات السياسية الحاكمة والإدارية مع الأزمات.

ليفانت – شفان إبراهيم