بين شرق الفرات وغربه، مخاوف قسد من عمليّة عسكريّة رابعة

شفان إبراهيم

تتطوّر الأحداث السياسيّة في الشمال السوري بشكل ملفت، وإن كانت الجائحة قد استحوذت على كامل الاهتمام العالمي، بيد أنّ الجانب الخفي ما بين أسطر الاتّفاق التركي الروسي في بداية آذار الماضي، رُبما يبدأ بالظهور، وتحديداً في غرب الفرات، ما يعني رسم خارطة نفوذ تركيّة جديدة في الشمال السوري، إدلب وريف حلب الشمالي. حيث تكوِّر تُركيا جُلّ اهتمامها على إنهاء تواجد قوّات الحماية الشعبيّة. 

في أيّ مكان تستطيع الوصول إليهم، غرب وشرق الفرات، وهي المُدركة لحجم سيطرة تلك الوحدات على قوّات سوريا الديمقراطية. ورُبما يكون ريف حلب الشمالي مسرح العمليّة العسكرية التركية الرابعة، كإحدى بنود صفقة أنقرة وموسكو حول 5M، طريق/حلب_دمشق/، التي لم تعلن ولم يتم ذكرها. وهي مساعي تركيا صوب إحكام قبضتها بشكل عميق على قرابة كامل شمال غرب سوريا من ريف اللاذقية الشمالي ومروراً بعفرين وحتى جرابلس.

حيث إنّ تل رفعت وماحولها يشكّلون الهدف الأبرز لبسط تلك السيطرة، وتبقى منبج رُبما في مرحلة لاحقة. خاصة وأنّ سيطرة وحدات الحماية الشعبيّة على تل رفعت جاءت بغطاء روسي، إبّان الخلاف الذي نشب بين روسيا وتُركيا، على إثر إسقاط الأخيرة لطائرة روسيّة حربيّة. ولا تزال تل رفعت وما حولها ضمن مناطق النفوذ الروسي في سوريا، وهو ما حالَ دون نجاح قوّات المعارضة السورية من السيطرة عليها، رغبةً من روسيا في فرض توازنات تستفيد منها مستقبلاً، ويبدو أنّه التوقيت المناسب لذلك، ولا قدرة أو طاقة لــ”قسد” من إعادة تكرار حرب جديدة، محسومة النتائج لصالح تركيا، وبل بسرعة قياسيّة هذه المرّة. وبالطبع سيترافق وذلك، تكرار حديث فصائل المعارضة السورية وتركيا عن نيّتهم إعادة اللاجئين السوريين إلى المناطق الخاضعة لنفوذهم. الفرات

في الطرف الآخر من المعادلة السياسية والعسكرية، تجد قوّات سوريا الديمقراطية نفسها أمام تحدٍّ حقيقي هذه المرة؛ لاختيار جهة وحيدة للتحالف معها، وما يستلزم من ذلك الاختيار تقديم تنازلات تعفّفت حتّى عن مُجرد ذكرها سابقاً. أمّا الاتّفاق مع دمشق وروسيا وهذه الأخيرة تسعى جاهدةً لخلق توافق جذري بين قسد والنظام السوري، لحصار مسار جنيف، وعودة سيطرة دمشق على كامل الشريط الحدودي، وما يلحقه من توازنات سياسية وعسكرية جديدة، وأهمها الانفصال عن التحالف الدولي، وإرسال النفط إلى خزينة دمشق، عوضاً عن حراستها لصالح أمريكا، أو الانصياع للرغبات الأمريكية، وأهمها تحقيق المصالحة مع أطراف المثلث “المجلس الكوردي، إقليم كوردستان العراق، وتركيا”، وتقدّيم التنازلات المطلوبة لهّم، خاصّة وأنّ الإدارة الذاتيّة تسعى للانضمام إلى المعارضة السوريّة، رغبةً لن تتحقق إلّا إذا شكّل الوطني الكوردي جسراً لعبورهم. وهذه بالتحديد تخضع لخمس محدّدات مُركّبة.

أوّل المُحدّدات: منذ قرابة الثلاثة أعوام وأكثر، غُيب الاتّحاد الديمقراطي عن مُجمل الأحداث السياسية المحليّة والإقليمية والدولية، وكُل الأمور السياسية والإدارية والعسكرية، تتمّ تحت ستار الإدارة الذاتيّة أو “قسد”. 

ما يعني أنّ الــ/P.Y.D/ أمام مفصل مُرٍّ، للرضوخ للضغوط الأمريكيّة حيال الشراكة والحوار مع الوطني الكوردي، وأنّ الحوار تحت مسمّى الإدارة الذاتية أو حتّى قسد، رُبما يكون مرفوضاً من قبل المجلس الكوردي، وإن تمّ الحوار رُبما سيكون بين الاتّحاد الديمقراطي والمجلس الكوردي بشكل مباشر، أيّ بين طرفين أساسيين في المعادلة السياسية الكوردية في سوريا. حينها سيكون أمام المجلس الكوردي ثلاث خيارات، أوّلها، ضمان تحقيق اتّفاق شامل وفق السلال الأربعة (العسكري، والسياسي، والإداري، والأمني) ثم تضمين باقي الأحزاب للتوقيع على الاتّفاق. ثانيها، أن يتمّ حضور وفدّ من أحزاب الإدارة الذاتيّة ومجلس سوريا الديمقراطية، بما فيهم أحزاب التحالف الكوردي، ضمن وفد الاتّحاد الديمقراطي. أو ثالث الخيارات، في حالة إصرار الاتّحاد الديمقراطي على مشاركة باقي الأحزّاب معه ككتل خاصة، فإنّه يحقّ للمجلس أيضاً، الطلب بمشاركة الأطراف المؤسسة للأمانة العامة للوطني الكوردي من/تنسيقيات، اتّحاد الطلبة والشباب، تنظيمات المرأة، المستقلين، والأحزاب الكوردية/. 

وثاني المُحددات: موقف حزب الديمقراطي التقدمي، ووفق المزاج العام للحزب، رُبما يضطر لقبول ترتيبات أولية أو مبدئيّة بين المجلس الكوردي والاتّحاد الديمقراطي، لكنه لن يقبل أيضاً أن يتمّ شموله بباقي الأحزاب الأخرى خارج الاتّفاق الثاني، لكنه في النهاية سينخرط في العملية السياسية الجديدة المُرتقبة.

ثالث المُحددات: أمام المجلس الكوردي الفرصة الأخيرة للعودة إلى الميدان المحلّي، والمشاركة في بناء هيكل حكم محلي جديد، يحظى بالقبول الداخلي والإقليمي والدولي، وبما سيتتبعه من دعم وتمويل كبيرين، خاصّة وأنّ الاتّحاد الديمقراطي، وكجهة دأب الوطني الكوردي لتحميله كامل مسؤولية فشل جميع الاتفاقيات السابقة بينهما، ما عاد ذلك الطرف المتمتّع بالقوّة نفسها، بعد فقدانه لمجمل المنطقة الجغرافيّة التي كان يحكمها، وحصاره بين جميع القوّة الفاعلية والمؤثرة في الملف السوري (روسيا، تركيا، أمريكا) وبما يترتّب على المجلس من تقدّيم كفاءته الميدانيّة والسياسيّة في المرحلة الحاليّة والقادّمة، خاصة بعد فشله في حشدِ أنصاره في ثلاث مناسبات قام بها في بداية شهر آذار الماضي.

أما المُحدّد الرابع: فهو ما سيتمخّض عنه نتائج التوسّع التركي في غرب الفرات، والكلفة الباهظة لقاء بقاءِ الاتّحاد الديمقراطي في الساحة السياسية، بمتطلّب مُركب، (إرضاء تُركيا، والفصل بينه وبين قنديل).

والمحُدّد الخامس: ما أعلنه مجلس سوريا الديمقراطية عبر بيان رسمي، أوضح فيه مسؤوليّة جميع الأطراف حول كشف مصير المختطفين والمعتقلين لدّى دمشق، وغالبيتهم من أهالي دير الزور والرقة، وهو ما يعني شمولهم أيضاً بالمسؤوليّة حيّال ملف المخطوفين والمعتقلين الذي اشترط المجلس الكردي حلّه قبل أيّ حوارٍ جدي، كجدّية قسد والاتّحاد الديمقراطي للحوار.

بموازاة ذلك، فإنّ مؤشرات ثلاث توضّح ملامح المرحلة المقبلة، أوّلها، التدخل التركي الوشيك يتبدّى عبر قصف قوّات المعارضة السورية بشكل متقطّع لمناطق من شرق الفرات خاضعة لسيطرة قسد والجيش السوري؛ كرسالة تلقفتها قسد بجدّية عبر قبولها كُل ما سيُطلب منها. وثانيها، حركة المدنيين في تل رفعت،  وتوجّه بعضهم إلى مناطق أخرى، يشي بتخوّف وتوقّع قسد لتلك العملية. وثالث المؤشرات، ما أعلن عنه ترامب حيال استعداد تُركيا وقسد للدخول في تفاهمات واتّفاقات.

أسابيع قليلة قادمة، تحمل لما تبقى من شرق الفرات، أوضاعاً جديدة، مابين الإعلان عن حكومة مؤقتة جديدة تضمّ الأطراف الكوردية والعرب والمسيحيين، وبالتوافق مع المعارضة السورية وتركيا، أو أنّ عملية عسكرية تركية رابعة ستلتهم كُل مناطق تواجد قسد في غرب الفرات، ثم كوباني وعين عيسى.

– شفان إبراهيم