اليمن المنكوب، حين غابت الإرادات وحضرت المشاريع الضيّقة!

محمد الثريا
محمد الثريا

لم يبقَ سوى 20 ألف أسد في الأرض، يوماً ما سيتحوّل الأسد إلى كائن أسطوري.
سيموت الملك وسيحمل الضبع لقب ملك الغابة.
لكنّه لن يصبح أبدا الملك وإن لبس ثياب المُلك وتُوّج بتيجانه.
يوماً ما بعد مائة عام أو ما يزيد سيقول أحد الرعاة: لقد رأيت شبلاً، وسيكّذبه الناس قائلين: “ياله من مجنون لقد انقضى عهد الأسود”.
سيكذّب الرّاعي عينه ويصدّق الناس.
حتّى يسمع الجميع زئير الأسد من جديد.

لقد كان في أعماق الغابات ولم ترصده الكاميرات المحيطة ولم يصدّق السكّان وجوده لأن العالم أقنعهم بذلك.
أجيال من الضباع لم ترَ الأسود، وقد خدعوا أنفسهم فصدّقوا أنّهم ملوك الغابة.
وعندما يسمعون زئير الأسود لأوّل مرّة ستجبرهم غريزتهم على الفرار والاختباء كأجدادهم، وسيعود الأسد ملكا للغابة.

ما دفع لقول هذه الخاطرة ليست الحال البائسة التي تعيشها البلد اليوم، ولا هي محاولة كذلك لدغدغة مشاعر الناس المحبطة منذ مدة، بالعكس تماماً من ذلك، فالشارع برمّته بات تقريباً غير مبالٍ ولا عابئاً بهكذا خواطر بقدر ماهو مثقل بجراح الحروب وويلاتها وشاخص بصره صوب ما قد تحمله بواطن الأيام من تداعيات مرعبة لمجاعات وشيكة وموجات عنف أكثر دموية جرّاء انهيار اقتصاد العالم وتنامي رغبة النفوذ لدى كباره. فما الحاجة إذن للحديث عن حقوق الشعوب وضباع الأزمات التي أصبحت اليوم هي من يتسيّد المشهد ويقود المرحلة؟.
ليس ثمّة وقت أفضل من الوقت الراهن للتأكيد أنّ الأزمة اليمنية بلغت ذروة العجز والفشل وأن جميع أطرافها باتوا يبحثون عن أقرب المخارج وأقلّها كلفة لمغادرة دائرة الاستنزاف التي جعلت قواهم تبدو خائرة وتعجز عن تحقيق المزيد بل وحتّى ضمان حفظ ما تمّ تحقيقه سلفا.

مطلع العام 2015م قاد الحوثيّون انقلاباً عسكرياً على سلطة الرئيس التوافقي باليمن عبد ربه منصور هادي، أدّى الانقلاب حينها الى إسقاط العاصمة صنعاء ومحاصرة الرئيس في منزله.
لم تمضِ سوى بضعة أسابيع منذ أن تمكّن هادي من الإفلات من قبضة الحوثيين ومغادرة صنعاء حتّى أعلن بعدها عن عاصفة الحزم، العمل العسكري لتحالف استعادة الشرعيّة ودحر الانقلاب والذي جاء استجابة لطلب عاجل وجهه الرئيس هادي للأشقاء تحدّث عن ضرورة تدخلهم وإنقاذ اليمن من السقوط في منحدر المشروع الفارسي كما اشيع آنذاك.

اليوم وقد دشّنت الحرب باليمن عامها السادس في ظلّ صعوبة التوقعات حول مستقبلها والأفق المبهم الذي لازال يخيّم على أجوائها وهي بالمناسبة حالياً لا تختلف كثيراً عن حال وأفق عامها الأوّل فإنّه وحتّى الساعة لم يعد بمقدور أحد البتّة فهم خفايا ومسارات تلك الحرب أو حتّى نوايا أطرافها المحتربة.
لكن ومع ذلك هل لازال بالإمكان تحديد ولو مبدئياً هويّة الأسد والضبع خلال كل تلك الجلبة الطويلة وسنوات الصراع التعيسة التي عشناها؟. 
المنطق وليس العاطفة يقول أن لا منتصر في الحرب اليمنية وأنّ الجميع خسروا وإن بدت لنا رحى المعارك مستمرّة في الدوران حتّى اللحظة إلا أنّها قطعاً لن تخلّف أكثر مما خلّفته سنوّها الفارطة وبما أن الجميع فشل، فالجميع إذن لم يكونوا أسوداً منذ البداية.

الشمال تقريباً فقد هويّته الجمهورية أو على الأقلّ جزءاً كبيراً منها لكن في نفس الوقت لايمكن الجزم بأنّه أذعن أو أقرّ كليّة المشروع الحوثي بديلاً عنها. فهنالك أولاً من لازال يرفض ويقاتل داخل جغرافيا الشمال نفسها وثانياً أنّه لايمكن تجاوز حقيقة أنّ المشروع الحوثي بصبغته الأيدولوجيّة تلك لازال يمثّل تهديداً مباشراً لمنظومة الأمن القومي الخليجي وتحديداً السعودية لذا من الصعب التسليم بفرضية أنّ المشروع الحوثي سيغدو مشروعاً وطنيّاً يمكن القبول به كنظام حكم للشمال المجاور.
بالمحصلّة سينخرط الحوثيّون ومشروعهم ضمن توليفة سياسية واسعة ومشروع وطني شامل يعبّر عن كلّ الشمال ودون ذلك لايمكن الحديث عن شمال مستقرّ أبداً.

جيّد هنا إذن، سأكرّر السؤال مرة أخرى، أين كان الأسد ومن الذي لعب دور الضبع بامتياز ومن حيث لايدري طيلة فترة الصراع والأزمة؟ أظنّ الإجابة الآن واضحة.

في مايو من العام2017م، دخل الجنوب منعطفاً تاريخياً جديداً وعهد سياسياً مختلفاً تمثّل بما سمّي يومها إعلان عدن التاريخي والذي تمخّض عنه تشكيلة سياسيّة جديدة عرفت بالمجلس الانتقالي الجنوبي.
بدا منذ الوهلة الأولى أنّ المكون الناشىء أكثر قوّة وحضوراً وحتى تنظيماً من عدّة مكوّنات سبقت، وبالفعل تمكّن المجلس الانتقالي من الخوض سريعاً في غمار السياسة والتوغّل عميقاً في معركتها الشائكة حين أعلن نفسه حاملاً سياسياً للقضية الجنوبية.

لم يمضِ سوى عامين ونيّف منذ تأسيسه حتّى دخل المجلس الانتقالي في مواجهة عسكرية مع حكومة الشرعيّة اليمنية في عدن حملت مسمّى أحداث أغسطس وعلى إثر ذلك دعت الرياض حينها طرفي القتال إلى فتح باب الحوار بينهما والتفاوض مباشرة وهو ما تكلّل بالفعل عبر الإعلان عن اتّفاق تسوية سياسية مؤقّت عرف باتّفاق الرياض.

حتّى اللحظة تعاني بنود ذلك الاتفاق ركوداً وعجزاً مستغرباً في إنقاذها في حين لازال كلا طرفي الاتّفاق يؤكّدان التزامهما الكامل بتنفيذه، فضلاً عن تأكيدات سابقة للمملكة بصفتها راعي الاتّفاق وفي أكثر من مناسبة بإمكانيّة استخدامها القوة بحقّ الطرف المعرقل. فما الذي يمنع اتّفاق الرياض من دخوله حيّز التنفيذ حتى الآن برغم تجاوز عامل الزمن المدة المعلنة لبنوده المزمنة ومرور أشهر على توقيعه؟، ولماذا لم يعلن عن هويّة المعرقل الحقيقي للاتّفاق طالما تأكّد عرقلته اليوم؟.

على كلّ حال قد لا يختلف الأمر كثيراً من حيث صراع المشاريع في الجنوب عمّا هو حاصل هنالك بالشمال وإن اختلفت المسمّيات بينهما لكنك ستجد أنّ جوهر الصراع قائم على محاولة فرض المشروع السياسي في مقابل تجاوز الإرادة الشعبية ورغبة الشارع.
وكما تحدّثنا سلفاً حول استحالة إقرار الفكر الحوثي كمشروع سياسي يمثّل عموم الشمال فإنّه أيضاً بات من الصعب الحديث اليوم عن مشروع الأقاليم كمشروع سياسي تدشّن بداياته من مناطق الجنوب. ولاحاجة هنا ربما لاستعراض جميع جهود ومحاولات الحكومة الشرعية طيلة سنوات إدارتها للمناطق الجنوبيّة وفشلها في إرساء مشروعها السياسي، وبرأيي ليس السبب في ذلك هو تناقض مشروع الشرعية مع المشايع السياسية للمكونات الجنوبية بقدر ماهو محاولة يائسة لتجاوز رغبة الشارع الجنوبي والتي عبّر عنها منذ سنوات ماقبل الازمة والصراع الحالي.
لذا لن يكون صعباً عند قراءتك للحالة الجنوبية الراهنة معرفة أين موقع الأسد فيها؟، وأين تقف حدود الضباع الناهشة باسم مستقبل الجنوبيين؟.

يبدو أنّ حرباً تفرّعت أهدافها وتضاعفت تكلفتها كحرب اليمن لم تعد أمراً مرغوباً في استمراره لدى أطرافها المحليّة وحتى حلفاء تلك الأطراف بالأقليم.
فهل باتت الحاجة اليوم ماسّة أكثر من أيّ مضى في الجلوس على طاولة الحوار والخروج بتسوية شاملة يكتفي أطرافها ولو بالحدّ الأدنى من قائمة أهدافهم المعلنة والأيمان بحقيقة إنهاء هذا الصراع على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”؟.

على الأرجح إنّ جميع الأطراف أضحت اليوم على قناعة كاملة في صعوبة تطبيع كامل مشروعها وتحقيق كافة غاياتها وإن الوقت قد حان فعلاً لأن تضع الحرب أوزارها والذهاب الى حلّ سياسي وفق المتاح وما أمكن إدراكه بعد خمس سنوات حرب.
لكن كيف ستتم صياغة هذا المشهد الختامي الذي نتحدّث عنه خاصة في ظلّ تطورات ومستجدات متلاحقة يشهدها العالم والإقليم وتكاد لا تقف يوما عند ثابت واحد؟، ولم تنفكّ بأن تلقي بظلالها على مسار الأزمة والصراع باليمن؟.

لاشكّ أنّ التطورات الأخيرة والتي لعبت جائحة فيروس كورونا دوراً كبيراً في بروزها قد باتت تدعم إلى حدّ كبير ضرورة إغلاق ملف الأزمة اليمنية خاصة وإنّ المتعهد والمفوّض الأساسي فيها أضحى يعيش حالاً من الإرباك والتراجع؛ فالسعودية وبعد أن أصبحت وحيدة في إدارة الصراع وأمام انكفاء واضح للشريكين الأميركي والبريطاني تجاه المعضلة السعودية باليمن جرّاء اهتمامهما بموجة الوباء الحالي وتداعياته الكارثيّة على النظام الاقتصادي العالمي ناهيك عن بوادر تصعيد أشدّ تخوّضه المملكة حالياً مع الروس في المنطقة وجميعها معطيات سلبيّة قطعاً لم تعد تدعم الرغبة ولا القدرة في استمرار السعودية مدة أطول، هنا تأتي ملحمة الخيارات الصعبة وضرورة أن تتخلّص المملكة من عقبة الوزن الزائد والتحالف الشكلي بغية انطلاقة جديدة ومغادرة أسرع للملف الأكثر تكلفة بالمنطقة بالنسبة للسعوديين.

يعلم النظام السعودي جيداً أنّ العالم بات مقبلاً على مرحلة جديدة وحرب أوسع يصفها مراقبون بحرب الجميع ضدّ الجميع.
ومن هنا يمكن القول إنّ السعودية أدركت أنها اليوم أمام تحديّات أكبر وأكثر أهميّة من إضاعة الوقت والجهد خلف سراب تحقيق الهيمنة والنفوذ باليمن وإن ضرورة التخلص من عبء هذه الحرب بأسرع وقت ممكن قد باتت هدفاً استراتيجياً ومستعجلاً لدى قيادة المملكة تمهيداً لتفرّغها واستعدادها لما هو أهم وأكثر خطراً على أمنها القومي خصوصاً وإنّ رقعة المصالح وعناوين الصراع قد بدأت تتبدّل تدريجياً بالمنطقة.

إذن، وبالعودة إلى مستقبل الصراع باليمن فإنّنا سنقف أمام حقائق عدّة سيبدو أنّ جزءاً منها كان نتاجاً لأحداث السنوات الخمس الماضية فيما الجزء الآخر لعبت تطورات ومعطيات داخلية وخارجية دوراً في بروزها مؤخراً والحديث هنا عن نضوج المشهد ووصول أطرافه الى القناعة التامة في ضرورة التوقّف عند هذه النقطة.
النقطة التي قد تبدو لدى جميع أطرافها كشريط النهاية وراية النصر الأخيرة في رحلة البحث عن تحقيق غايات وأهداف سياسيّة تأكّد لاحقاً إنها ضيقة وصعبة المنال، فهل بتنا اليوم بانتظار حديث من هذا النوع؟.
لكن ماذا عن حقيقة تلك النقطة التي سيتوقّف ويذعن لها جميع المتحاربون؟، أليست هي ذاتها الحقيقة التي ستؤكّد أن جميعهم لم يكونوا سوى ضباع لمشاريع حاولت أن تقتات طويلاً على أزمات هذا البلد وخلافاته لتكتشف لاحقاً أنّ الاستمرار في العبث بعرين الأسد ومحاولة لعب دوره أمر خاطئ ولن يقود إلا إلى هلاكها.
لقد انحنت مشاريع النخب المتصارعة أمام إرادات الشعوب وبوّابات السلام.

ليفانت – محمد الثريا