الكورونا، توقّف الزمن

عبدالعزيز مطر

ظهرت في الفترة الأخيرة وخلال الأسابيع التي تلت تفشّي واستفحال وباء كورونا  تحليلات وكتابات كثيرة عربيّة وغربيّة معظمها تداول قضيّة أساسيّة ومحورية تتركّز حول التأثيرات المحتملة القادمة لتفشّي هذا الوباء على النظام العالمي (الدولي)، وعلى مختلف القضايا العالمية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

جميع تلك التحليلات والقراءات على اختلاف رؤيتها لهذه المسألة اتفقت جميعاً على مسألة هامة، إن العالم بعد كورونا لن يكون العالم ذاته قبل هذا الوباء الذي تفشّى سريعاً وشكّل منذ مئات السنين الخطر الأكبر الذي أوقف عجلة الحركة العالمية على كافة الأصعده السابقه، الجميع اتّفق أنّ كورونا غيّرت العالم في بضعة أشهر وإن كان لكلٍّ نظرته ورؤيته حول حدود هذا التغيير وحجمه وطبيعته.

استوقفني ذلك المشهد في تعاطي الحكومات والأنظمة التي تقود شعوب العالم، وانقسام هذا التعاطي الى مشهدين، مشهد يمثّل العالم الديمقراطي المتحضّر الذي تحكمه أنظمة ديمقراطية، وآخر يمثّل مشهد تعاطي الأنظمة الشموليه الاستبدادية مع هذه الأزمة والكارثة الإنسانية، التي لم تستعصِ عليها الأبواب وأقفال الزمن والسلطة، فهي لم تستثنِ أحداً، سواء الحاكم أوالمحكوم، والغني أوالفقير، الأبيض أوالأسود، والكبير المتقدم في العمر أوالصغير حديث الولادة، تساوى الجميع في مأساة كورونا.

ففي المشهد الأوّل، ورغم الألم الكبير، تحمّلت الأنظمة الديمقراطية مسؤولياتها اتجاه الشعوب التي تمثلها، ووضعت الشعوب أمام مسؤوليّه جماعيّه وفرديه وشاركتهم هذه المشكلة الكبيرة، وأظهرت تلك الانظمة مدى التّلاحم بين هذه الشعوب والأنظمة التي تحكمها من خلال اطّلاع شعوبها على كل مايجري والبحث عن حلول لهذه الأزمة وسخّرت الإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها خدمة لهذه الشعوب بالرغم من العبء الاقتصادي الكبير الذي فرضته هذه الأزمة على تلك الأنظمة، وأظهرت القطاعات الصحية والإعلامية في تلك الأنظمة القدرة العالية في التعاطي مع هذه الأزمة، وبرز الدور الاقتصادي الكبير لهذه الأنظمة من خلال تحمّل المسؤولية الكاملة اتّجاه الشعوب والإجراءات التي اتّخذت والتي خفّفت من أعباء المواطن الاقتصاديه في هذه البلدان.

وفي المقابل هناك مشهد مغاير تماماً والنقيض لهذا المشهد، في الأنظمة الشموليّة التي تعاملت مع هذه الأزمه كعادتها من خلال الإنكار، ومن خلال إبقاء الشعوب في حالة من الغيبوبه عمّا يحدث عن طريق المؤسسات الإعلاميّة لتلك الأنظمة التي تعاملت بشكل أكثر قبحاً من القبح، من خلال تسويق الأكاذيب وعدم الاعتراف بحجم الكارثه التي تلمّ بالشعوب، متنصّلة من مسؤولياتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة اتّجاه الأفراد والشعوب التي تحكمها، وتعدّى الأمر لممارسة الكذب والبيانات المزيّفة عن الأرقام الحقيقيّة لما حدث، والتي قدّمتها للمؤسسات الدوليّة كمنظّمة الصّحة العالميّة.

وأثبتت تلك الكارثه هشاشه الوضع الاقتصادي في تلك الدول التي تحكمها أنظمة الاستبداد والواقع الصحي المتردّي، وخير دليل على هذا، تعاطي شكل من أشكال هذه الأنظمه الاستبداديه كالنظام السوري، الذي يشبه كل شيء إلا تعبير نظام أو مؤسسات.

فالواقع الذي يعيشه السوريون تحت حكم هذه المنظومه لايقلّ كارثيّة عن الكورونا، فكلّ القراءات وكل الدراسات التي جرت أثبتت أنّ النفوس والأفراد جبلت على محبة من يحسن إليها، ولكم سعدت كثيراً بذلك التعاطف الكبير الذي أبداه السوريون على اختلاف انتمائهم العرقي والإثني مع السيده المستشاره ميركل، عندما وردت أنباء في الفتره الماضيه عن خضوعها للحجر الصحي، هل سأل حكّام الأنظمة الاستبدادية، وساسة القتل والطغيان، لماذا كل هذا الحب لحاكم أو لسيده تحكم بلاد لاترتبط بالسوريين من حيث العرق أو اللغه أو الدين؟.

الجواب واضح، وجليّ، فالإنسانيّة هي من تجمع كل من يحمل صفة الإنسان، وهي من جعل السوريين يطلقون على ميركل ألقاب استحقّتها عن جدارة، لإنسانيتها ومحبتها للخير، ومحبة شعبها والشعوب المظلومة لها.

الجميع يدرك في المطابخ السياسية خصوصاً، أنّ ماقبل هذه الأزمة لن يكون كما بعدها، فهي أشبه بأمواج التسونامي التي تعصف بكل شيء في هذا العالم، ويتوقّف كل شيء على عملية نجاح المجتمع الدولي والديمقراطية الدولية في مكافحة هذا الوباء وإلا فالطريق سيكون مظلما خلال السنوات القادمة، وأقول هذا من باب الواقعيّة الحقيقيّة، ومن خلال الدراسة المتأنيّة والمتابعة لواقع الاقتصاد العالمي ومن خلال التجارب السابقة للكوارث الصحيّة وماأعقبها من تغيّرات.

وبنظره متأنيّة للتاريخ، وخلال القرون الماضية، حملت الأوبئة التي مرّت الكثير من التغيرات، فطاعون أوربا الكبير في القرن الرابع عشر، أعقبه مراجعة لتغيّر نظام وشكل الحكم في أوربا وتلاشت عقبه سيطرة الكنيسة وفصلت تماماً عن أنظمه الحكم، وتشكّلت المؤسسات الأمنيّة كضامن لحماية أرواح الناس، من أجهزه الشرطة وغيرها، وبالتالي نشأت الدول الحديثة والثورة العلمية التي نعيش نتائجها من تطور علمي وتكنولوجي، وهذا مثال بسيط؛ ففي حال الفشل في التصدي لهذه الجائحه، فنحن على موعد مع مراجعة شامله لأنظمه وشكل الحكم في أنحاء العالم وماسيترتّب على ذلك من تغيّرات ضخمه تطال الجميع، دول ومؤسسات وأفراد ومجتمع.

وإذا كان النجاح، وهو المتوقّع، فبالتالي سيكون هناك ترسيخ لمفاهيم هذه النظم الحاليّة وترسيخ لقيمها الديمقراطية وسقوط لكل الأشكال المخالفة لهذه النظم والقيم، وسيكون تحالف الديمقراطيه والسوق أو الاقتصاد، وهو الشكل الأمثل والأبقى الذي سيتطوّر لاحقا لشكل أعمّ، يربط البشريّة بهذا النظام، الذي يعتبر صمام أمان في مواجهة الكوارث، وستتلاشى تدريجيّاً أنظمة الحكم الفرديّة التي أتعبها وعرّاها كثيراً الكورونا، وأثبت هشاشتها واعتبارها عالة على المجتمع أولاً، وعلى شعوبها ثانية، وأنها حالة مرضيّة يجب أن تنتهي مع هذا الوباء.

مرّ الكثير من المحن على البشريّة، والرغبة في الحياه هي وحدها من ستجعل البشرية تنتصر على هذا الوباء وغيره، فالأرض وهذا الكوكب الجميل الذي وهبنا إياه الخالق عز وجل، جميل بما يكفي لنعيش فيه ونتمسّك بالحياه عليه، تجمعنا الأخوّه والإنسانيّة وتجمعنا قيم المحبة والرحمة. 

ليفانت – عبد العزيز مطر