الجنس عند الشباب العربي في المغترب، إشكاليات وتناقضات

رسلان عامر
رسلان عامر

بداية، لا بدّ من التنويه أنّ هذا المقال ليس الغاية منه الدفاع عن التقاليد الجنسية الشائعة في المنطقة العربية وما يشبهها من المجتمعات الإسلامية، بل على العكس من ذلك الغاية منه هو نقدها موضوعيّاً، وبيان مدى تنافضها وهشاشتها، اللذين يمكن القول عنهما أنهما يتناسبان طرداً مع درجة تزمّتها، وبالتالي فهذا المقال قطعاً لا يندرج في نطاق أيّة مقاربة للقضيّة الجنسية التي تقوم على مبدأ “الشرق الفاضل والغرب الفاسق”، كما أنه لا ينحاز إلى ثقافة الجنس الغربية التي يجب أن تخضع هي الأخرى بدورها للنقد العقلاني الموضوعي.

ذاك أوّلاً، أما ثانياً، فصفة “عربي” المستخدمة هنا، هي بتاتاً لا تستخدم بأي مضمون “قومي” أو “هويوي”، وهي هنا فقط تحمل مضموناً “نسبيا” بمعنى “المنسوب إلى المنطقة العربية”، وهذا يعني أن الكلام الوارد في هذا المقال ينطبق على من هو عريي قومياً، وعلى سواه من أبناء المنطقة ممن ينتمون إلى قوميات أو جماعات هويوية تقليدية أخرى مثل الكردي والشركسي والأمازيغي والقبطي والسرياني وسواهم.

في الثقافة العربية الإسلامية الكلّ يعلم أن الزواج هو الشكل الوحيد المسموح للعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة الحرّين، وأي شكل آخر من التواصل الجنسي بينهما خارج الإطار الزوجي يعتبر زنى، والزنا في الدين هو من أكبر الآثام، ويترتب عليه درجات جد شديدة من العقاب! وهو في التقاليد الشعبية من أبشع أشكال العار والفضيحة، اللذين في كثير من الأحيان لا يغسلان إلا بالدم!

وبالنسبة لأغلبية البيئات العربية الراهنة ما تزال حتى علاقة الحب العاطفي النقي بين شاب وفتاة أمراً مرفوضاً، بل ومعيباً، ما يعني أن أي تواصل بين الرجل والمرأة -كرجل وامرأة- أيا كان، فمكانه الحصري الوحيد هو الزواج، وهو خارجه محظور بصرامة، وبعنف في بعض جوانبه.

وما يزال خطابنا التقليدي يصرّ على فرض أقصى درجة من الفصل بين الجنسين بدعوى الحفاظ على الأخلاق الجنسيّة السليمة.

وما زلنا نتفاخر بأعلى صوتنا بأننا أصحاب فضيلة وعفة، ونتغنى بهذه المكرمة التي نتفوّق بها على الغرب الفاسق، وغالباً ما تتحول هاتان العفة والفضيلة إلى ذريعتين أساسيتن لتبرير رفضنا للحلول العقلانية والعلمانية والديمقراطية المقترحة للخروج من حالة التخلف الشامل التي نرزح تحت نيرها، لأن العقلانية والعلمانية والديمقراطية -برأي رافضيها- ستجعلنا فاسقين كالغربيين.

لكنّ عفّتنا وفضيلتنا المزعومتين لا تصمدان أمام الاختبار الحقيقي على أرض الواقع، وسرعان ما تظهر حقيقيهما الهشًة عندما تمتحنان في أجواء لا يكون لهما فيها من سند فعلي إلا قوة الإيمانين الديني والعرفي بهما والإرادة المبنية عليهما.

وهذا ما يحدث عادة لشبابنا العربي عندما تتاح له الفرصة للعيش في دولة غربية، فهناك حيث لا رقيب ولا حسيب، والعلاقة الجنسية بدون زواج مسموحة تماماً، تسمح أغلبية الشباب العربي لأنفسها، وعلى اختلاف مذاهبها وطوائفها، بأن تنخرط طوعاً، وبرضى وحماس، في علاقات هي وفقاً لدينها وأخلاقها حرام شرعاً وعار خلقاً، وهي بموجبهما باختصار “زنى”.

الشباب العربي في المغترب، بأغلبيته الساحقة، لا يعود لديه أي مانع من هذا “الزنى”، بل كثيراً ما يصبح الإكثار منه مصدر فخر للشباب الذين يرون في ذلك تعبيراً عن تميّزهم في الفحولة والرجولة.

فأين هي العفة والفضيلة؟، وأين التربية الدينية والأخلاقية؟، لاسيما أنّ ما ينطبق على هذا الخرق الجنسي الكبير لا يقتصر على الجنس وحده، فالسلوك نفسه يتكرر مع الخمر وسواه.

إنّ الشخص الغربي عندما يمارس الجنس بدون زواج أو يتعاطى الخمر، يبقى شخصاً متصالحاً مع ذاته، فهو وفقاً لأخلاقه الخاصة لا يرتكب إثماً ولا يفعل عيباً، وهذه الأمور تعتبر عنده أموراً عادية وشائعة في مجتمعه إلى درجة أن عدم القيام بها يصبح هو الأمر المستغرب، وبالتالي عند الاعتماد على المعيار الذاتي للأخلاق، فهذا الغربي لا يقوم بأي عمل غير أخلاقي.

والغربي عندما يمارس الجنس بدون زواج لا يعتبر نفسه وشريكته زانيين أو آثمين أو فاجرين، ولا يعتبر ممارستهما هذه زنى أو إثما أو فجوراً.

وعلى العكس من ذلك هو حال العربي، الذي ينخرط في علاقة يعتبرها هو نفسه إثماً وفجوراً، ويرضاها لنفسه، ويرضى فيها نفسه آثماً فاجراً.

وفي نظرته إلى المرأة الغربية في مثل هذه العلاقة كثيراً ما يبلغ العربي درجات قصوى من التناقض والتجرّد من الإنسانية، فينظر لها كعاهرة، فطالما أنّها تقبل ممارسة الجنس بدون زواج فهي عاهرة، وعهرها يسقط عنها أية قيمة إنسانيّة ويجعلها بلا قيمة، أما ممارسة العهر -وفق مفهوم العربي- معها، فهي بنظر هذا العربي لا تنقص شيئاً من قيمته وكرامته، فهو الذكر، ولا عار عليه طالما أنه هو الذي “يَطأ” أما هي فعليها كل العار لأنها “تُطأ” وتقوم بدور “الموطوءة”، وبالنسبة لموضوع “الإثم” لا مشكلة فيه، لأن هذا العربي غالبا ما يكون لديه مخطط للتوبة، وهو في معظم الأحيان مؤجّل إلى ما بعد انتهاء “الفرصة” التي يجب اغتنامها في الغرب بأحسن شكل ممكن.

وبالنسبة لمثل هذه الذهنية لا يكون ثمّة فرق بين امرأة عادية وأخرى تحترف البغاء إلا في التكلفة المادية، وهذا ما يجعل بعض مغتربينا لا يتورّعون حتّى عن معاشرة البغايا! فيما لا يتورّع آخرون عن القيام بكل أنواع الشذوذ والوصول إلى درجات هي مستهجنة ومرفوضة حتى بالمعايير الغربية نفسها.

بالطبع لا يمكن القول أنّ كل الشباب العربي يتصرف بشكل واحد في الغرب، لكن قلة قليلة فقط هي التي تبقى محافظة على تقاليدها الخاصة، أو تتعامل بوعي وتفهم مع تقاليد وأخلاقيات المجتمعات الغربية المختلفة عن تقاليدها وأخلاقها، وهذا لا ينطبق فقط على الذكور، بل وعلى الإناث، ولكن النسب تختلف، فنسبة المحافظة عند الفتيات هي أعلى، والسبب هو هنا عملي بالدرجة الأولى، لأن الفتاة تحسب حساب عودتها إلى بلدها والفضيحة المدمرة التي يمكن أن تتعرض لها فيما لو عُرف أنها أقامت علاقات جنسية في الغربة، أما الشاب فهو عادة لا يحاسب على ذلك، بل ويمكنه أن يتحدّث عنه بحرية ويتفاخر به في الجلسات الخاصة، كما أنّ عدم المحافظة هذا لا يرتبط بسن معينة أو نوعية محددة من الأشخاص، حيث ينخرط الجميع تقريباً في العلاقات اللازوجية سواء كانوا طلاباً جامعيين أتوا مباشرة بعد المدرسة، أو طلاب دراسات عليا، أو تجاراً أو عسكريين أو عمالاً أو سواهم، وهذا لا يقتصر على العازبين فقط، بل ينطبق حتى على المتزوجين، المتزوج بعضهم من زوجة أو أكثر، والذين لدى البعض منهم أولاد هم في سنّ الشباب، وهذه حالة عامة، والحديث يتمّ عنها هنا من خلال معاينة شخصيّة مباشرة لها أثناء مرحلة الدراسة الجامعية في إحدى الدول الأوروبية الشرقية.

إنّ الحديث عن موبقات رجالنا عموما هناك يمكنه أن يطول كثيراً، إذ لم يكُ من النادر مثلاً أن يعاشر البعض نساء متزوجات، ولا أن يتخلّوا عن شريكاتهم إن حبلن منهمن، ولا أن يتخلّوا حتى عن زوجاتهم عند العودة إلى بلدانهم وبدون طلاق، بحيث يخدعون تلك الزوجات بأنهم سيأخذونهن إلى بلدانهم لاحقاً، ويرمونهن فعلياً، ومع أولادهن أحيانا، وهلمّ جرّى.

والمفارقة العجيبة الغريبة، أن كل هذا يحدث مع مواظبة الأغلبية، الخارقة للأخلاق والتقاليد العربية والإسلامية، على القيام التقليدي بالفروض والطقوس الدينية من صلاة وصيام وسواها، ومع دفاعها العنيف عن هذه الأخلاقيات والتقاليد في أي حديث يخاض حول موضوع الأخلاق الجنسية بين العرب أنفسهم أو مع غيرهم من الأجانب!

من المهم بالتأكيد الإشارة إلى أنه رغم ما تقدم فثمّة بدرجة ما تباين في مواقف الشباب العربي، وأن درجات من الليونة والتفهم للحالة الجنسية الغربية كانت تتطور بشكل أو بآخر عند البعض، الذين كانوا في المحصلة يتزوجون من أجنبيات ويحافظون على زواجهم منهن.

هنا غالباً ما يكون التعلّق هو السبب الرئيس، حيث يتعلّق الشاب بالفتاة التي يعاشرها أو يغرم بها، ويبرّر لها ما سبق من نشاطها الجنسي غير المشروع برأيه بذريعة أنها تفعل ما يفعله الجميع في مجتمعها، ولكن دون أن يبرِّئها من ذلك، ولكنه يقبل بها كتائبة عند زواجها منه، كما يقبل بنفسه تائباً عند هذا الزواج، أما عن إشكاليات هذا الزواج فيجدر بنا الحديث في موضوع مستقلّ مفصّل.

خلاصة ما تقدّم تجعلنا نتساءل عن مدى المصداقية الأخلاقية في ما نسميه “عفتنا” و”فضيلتنا” الجنسيتين، اللتين نتشبّث بهما إلى أقصى الحدود في مجتمعاتنا ونتخلّى عنهما ببساطة في المجتمعات الغربية.

فما هو السبب؟، أهي عدم كفاية المعرفة أم القناعة أم الإرادة أم العزيمة أم ماذا؟.

يمكننا ببساطة أن نستثني فورا موضوع المعرفة، لأنّ الجميع يعرف تماما ما هو موقف تقاليده العربية والإسلامية من الجنس بدون زواج ومن الزنا.

أما موضوع القناعة، فباستثناء قلّة قليلة يمكن أن تكون قد تطورت لديها قناعات مختلفة عما هو سائد في مجتمعاتها في الشأن الجنسي، فالأغلبية لديها نفس القناعات المُدينة للجنس بدون زواج كزنا.

 إذاً تبقى المسألة محصورة فقط بين الإرادة والعزيمة، وعند التأمل في الأمر يمكننا القول إنّ أكثرية المغتربين العرب الذين يمارسون الجنس اللازوجي في الغرب يقومون بذلك بإرادة حرّة وعن طيب خاطر ونيّة وتشوّق مسبقين، وقلّة منهم هم الذين يفعلون ذلك بعد مقاومة فاشلة لا تكفيهم فيها العزيمة.  

وهكذا نكون قد وصلنا إلى حالة غالبة تتناقض فيها الإرادة مع القناعة، أو الإرادة مع الإيمان، ما يعني أن العربي غالباً في الجنس ما يؤمن بشيء ويريد نقيضه، وكما سلف القول فهذا لا ينطبق فقط على الجنس، فما هو السرّ في ذلك، وما معناه؟!.

معناه أنّ هذا العربي يعيش حالة من الكبت، لأنه لا ينال ما يريد، وحالة من الخوف لأنه يلتزم بما يفرضه عليه المجتمع أو المعتقد خوفا من العقاب المجتمعي أو العقاب الرباني.

ومعناه أن هذا العربي، ونحن هنا نتحدث عن الأغلبية، يعيش حالة من الصراع مع الذات بين ما يؤمن به وما يريده.

ومعناه أيضاً أنّه يعيش حالة من التناقض، لأنه من ناحية يرفض شيئا ما رفضاً قاطعاً في بلاده ويقبله بأريحية في المغترب، وحالة التناقض هذه يمكن ردّها إلى سببين أولهما ذكوري والثاني ديني، فذكوريّاً، يقبل العربي الذكر لنفسه وعلى نفسه كذكر ما يعتبره هو نفسه “زنى”، ولكنه لا يقبله قطعا لما لديه من “إناث أو حريم”، فهذا بكل تأكيد عار عليه كذكر، ودينياً، العربي يعتبر بلاده هي “ديار الإسلام”، ورغم أنه في تناقضه لا يجمع سلوكيّاً بين حب الإسلام والالتزام بالإسلام في العديد من القضايا، إلا أنّ حبه للإسلام يدفعه للتشبث بما يراه صالحا لديار المسلمين، أي “التزمّت الجنسي”، أما ديار الغرب، فهي ديار الفاسدين، ولا مشكلة في المشاركة في فسادها أو إفسادها، وهذه بشكل جلي كيل بمكيالين، حيث يصبح “الصلاح مطلوبا فقط في “بلاد الصالحين”، ولا مانع لدى هذا العربي من أن يكون صالحاً في بلاد الصالحين -المزعومة- وفاسداً في بلاد الفاسدين، -وبدوره- حال المسيحي العربي لا يختلف عموماً هو الآخر عن حال المسلم في موقفه من هذه المسألة، فيكيل هو الآخر بمكيالين، ويرفض لبيئته المسيحية الشرقية أو بيئته الشرقية بشكل عام ما يرضاه لغيرها في الغرب.

أما أسباب ذلك، فيمكن ردّها بشكل أساسي إلى أنّ الدين لدينا ليس ممارسة إراديّة واعية بقدر ما هو تقليد موروث، يتوارثه الخلف عن السلف، ويسيرون على خطاهم، فتمضي هذه الوراثة بشكل مقبول في البيئات التي تحكمها هذه الوراثة نفسها بشكل صارم، وهذا حال أية وراثة، لكن هشاشة هذه الوراثة تتعرّى عند اصطدامها بواقع لا يخضع لقوانينها وفروضها.

وختاماً لا بدّ من التنويه إلى أمرين:

أوّلهما، إن كلّ ما قيل أعلاه عن واقع شبابنا (وشاباتنا وكهولنا) في المغترب هو مبني على معاينة حقيقية استمرّت سنوات في مدينة أوروبيّة، وتعميم نتائجها على الواقع العربي يقوم بالدرجة الأولى على حقيقة أن تلك العينة من المغتربين العرب التي كانت موضوع مشاهدة في تلك المدينة الأوروبية، تكفي تماماً لاعتبارها عينة نموذجية من المجتمع العربي وليس استثنائية، فهي عينة عشوائية من ناحية الدولة إذ تضمّ أشخاصاً من دول عربيّة عديدة، ومن الجنسين، ومن أعمار مختلفة، وأوضاع عائلية ومهنية وثقافية مختلفة، وهي من الناحية العددية كافية تماماً لأنّها تبلغ عدّة مئات، وهنا قد يحتجّ محتجّ بأنّ كاتب المقالة لم يكن يعرف جميع العرب في تلك المدينة، وهذا صحيح، ولكن ماذا عن معرفة العشرات منهم؟، أو معرفة ما يزيد على المئة شخص بكثير؟.

هنا يشبه الأمر دخول قرية عدد سكانها بضعة مئات أو بضعة آلاف والعيش فيها عدة سنوات، ومشاهدة كيف يعيش الناس فيها على أرض الواقع، وتكوين صورة عامة عن طريقتهم في الإنتاج وتقاليدهم المختلفة وعباداتهم  وأخلاقهم وهلّم جرّى، وهذا لا يقتضي بالطبع معرفة الجميع في القرية فردا فرداً.

الأمر الثاني:

هو أنّ ما يحدث في الشأن الجنسي، الذي تعرّي هشاشة قيمنا فيه الغربة عادة، يمكن سحبه على باقي مجالات الحياة، والكثير منها لا يحتاج إلى غربة تعريه لأنّه عار بما يكفي في مجتمعاتنا نفسها، حيث يعيش الإنسان لدينا حالة من التناقض الفظّ بين ما يؤمن به وما يرضاه على أرض الواقع، ما يجعله فعليّاً في حالة فصام بين الإيمان النظري والواقع المعيشي، وهذا يمتدّ من المسائل الصغيرة إلى المسائل الكبيرة، ففي الوقت الذي يؤمن فيه الجميع بـ”أنّ النظافة من الإيمان” لا مشكلة لدينا بأن نملأ شوارعنا ومرافقنا العامة بالقمامة، ومشكلة عدم توريث البنت هي مشكلة شائعة رغم إيمان الجميع بأنّه للذكر مثل حظّ الأنثيين، ورغم إيمان الجميع بأنه لا إكراه في الدين فما يزال مسلسل التكفير والعنف الطائفي مستمراً وبشدة، وهلّم جرّى.

نعم، إنّ أبناء مجتمعاتنا يعيشون حالة من التناقض الجنسي وسواه في المجتمعات الغربية، ولكن هذه الحالة ما هي إلا انعكاس لحالة من التناقض الأكبر التي نعيشها في مجتمعاتنا، هذا من ناحية، وما هي إلا سقوط لأقنعة الخوف المهيمنة وتعرية لحالة الهشاشة الثقافية المستفحلة في مجتمعاتنا من ناحية ثانية.  

ليفانت – رسلان عامر