الإخوان المسلمون (الجزء السابع)

عبد الناصر الحسين
عبد الناصر الحسين

يتساءل الكثيرون عن سرِّ العلاقة التاريخية بين «الإخوان المسلمين» و«إيران» أو «الحركة الشيعية» مع حضور عوامل التباعد وغياب عوامل التقارب، فلا القومية تجمع بينهما، ولا المذهب الديني يوحِّدهما، وهو ما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً.

القومية الفارسيّة متصادمة مع العرب

فأنت لو حاولت التصفُّح السريع في أدبيات الثقافة الإيرانية، فسوف تصادف الكثير من تحامل الأقلام الفارسيّة على العرب والعروبة، تحاملاً لن تجد شبيهاً له في مكان آخر.

يقول «كرماني» أحد المفكرين الإيرانيين: “إن الإسلام دين غريب فرضته على الأمة الآرية النبيلة، أمُّة سامِيَّة، وهي عبارة عن حفنة من آكلي السحالي الحفاة العراة البدو، الذين يقطنون الصحراء، إنهم العرب المتوحشون الذين جلبوا الدمار للحضارة الإيرانية”.

ويقول الكاتب الإيراني الآخر «ما شاء الله أجوداني»: “إنّ العدو الحقيقي للثقافة الإيرانية، وسبب مشكلات إيران كلها، هو الإسلام والعرب”.

لكن الباحث الإيراني «أخوان» كان أكثر شراسة حين قال: “أفسد العرب كل جوانب الحياة الإيرانية، من الدين والأسطورة والمأثرة الشعبية، إلى اللغة والأدب والتاريخ، وإنّ التقاليد العربية المشؤومة وعدوى التعريب الملوثة الفظيعة، أفسدت شعرنا التقليدي، ليس فقط على صعيد الشكل والبحر والوزن والمنظومة البيانية، لكن على صعيد معظم الأعمال الشعرية، ورزحت لغتنا الوطنية الفارسية تحت هيمنة الخرافات العربية السامِيَّة والإسلامية”.

المذهب الشيعي متشدّد مع السنَّة

أما عن نظرة علماء الشيعة إلى «جماعة السُنَّة» فإن العين لا تخطئ أبداً ملامح الكراهية الواضحة. وهذا ما يقوله «العلّامة حسين الموسوي» -وهو من كبار علماء النجف- في كتابه لله ثم للتاريخ: “وهكذا نرى أنّ حكم الشيعة في أهل السنة يتلخص بما يأتي: إنـهم كفار، أنجاس، شرّ من اليهود والنصارى، أولاد بغايا، يجب قتلهم وأخذ أموالهم، ولا يمكن الالتقاء معهم في شيء، لا في رب ولا في نبي ولا في إمام، ولا يجوز موافقتهم في قول أو عمل، ويجب لعنهم وشتمهم، وبالذات الجيل الأول”.

من المؤكد أنني لم أكُ لأورد تلك الشواهد المقيتة لأستحضر ذلك الخطاب البائس، بل لأضع القارئ أمام جدلية رهيبة، مفادها: “من أي باب دخل الإخوان ليبرّروا تحالفهم مع «الشيعة الفرس» ضدّ أبناء جلدتهم، وما الذي يجعلهم يتخندقون مع الفرس ضدّ العرب؟”.

مبرّرات واهية

وفي محاولتي الإجابة على هذا السؤال الكبير والمحيِّر لا بدّ من استحضار المرحلة التي نشأت فيها جماعة الإخوان المسلمين والتي أعقبت سقوط ما يسمى «الخلافة العثمانية»، فعلى وقع غياب الخلافة تداعى مؤسسو الجماعة لإنشاء كيان يضع على كاهله مسؤولية إعادة الخلافة، لتكون الحصن الحصين الذي يحمي «أمة الإسلام» وأسّسوا لرؤية فكرية سياسية تقول: “إنّ الخلافة هي مسؤولية أمة كاملة وهي كذلك مظلّة للأمة كلها «سنيَّة وشيعيَّة»، فعلى الجميع التوحّد لإنجاز هذا الهدف”.

من ناحية ثانية نظر الإخوان إلى القضية بمنظار فكرة «العدو المشترك» متمثّلاً بالغرب المسيحي ومعهم يهود العالم، الذين تآمروا على إسقاط الخلافة فخلصوا إلى نتيجة مفادها: “ضرورة اجتماع الأمة الإسلامية بقطبيها السني والشيعي لمواجهة العدو المشترك”. وكل ذلك وفقاً لرؤيتهم.

علاقات حميمة

بدأت العلاقات الإخوانية الإيرانية من بواكير تأسيس الجماعة، تحديداً منذ العام 1938، وفقاً لما كشفه القيادي المنشقّ عن الجماعة «ثروت الخرباوي» في كتابه «سر المعبد»: “وعلى الرغم من الاختلافات المذهبية بين الطرفين، فإنّهم تغاضوا عن ذلك، من أجل مصالح كل منهما، فقد سعى الإخوان إلى دعم خارجي، بينما سعت إيران لإيجاد موضع قدم لها في البلدان التي تتواجد فيها الجماعة”.

وكشف الخرباوي عن وثيقة تاريخية تشير إلى لقاء خاص تمَّ بين المرشد الأول للجماعة «حسن البنا» و«مصطفى الخميني»، الذي أصبح فيما بعد «الإمام آية الله الخميني»، زعيم «الثورة الإيرانية»، كما زار مصر العام 1954 بدعوة من الإخوان، مؤسس الحركة الشيعية الثورية «فدائيان إسلام» «نواب صفوي»، الذي كانت حركته مناوئة لحكم الشاه آنذاك، وتعتبرها القيادة الإيرانية أحد جذور ثورتها الإسلامية. ويقول «عباس السيسي» أحد قياديي الإخوان المسلمين في الجزء الثاني من كتاب «في قافلة الإخوان المسلمين» حول هذه الزيارة: “وصل إلى القاهرة في زيارة لجماعة الإخوان المسلمين الزعيم الإسلامي «نواب صفوي» زعيم فدائيان إسلام بإيران، وقد احتفل الإخوان بقدومه أعظم احتفال، وقام بإلقاء حديث الثلاثاء، فحلَّق بالإخوان في سماء الدعوة الإسلامية وطاف بهم مع الملأ الأعلى”.

ويذكر «نسيم بالهول» في كتابه «في العمق الصهيوني للقوة الإيرانية»، بعض الأسماء الإيرانية التي التقت حسن البنا، ومنها؛ «محمد تقي قمي» و«آية الله الكاشاني».

ويقول «عمر التلمساني» المرشد الثالث لجماعة الإخوان المسلمين في كتاب «حسن البنا الملهم الموهوب»: “ولقد استضاف حسن البنا لهذا الغرض فضيلة «الشيخ محمد تقي القمي» أحد كبار علماء الشيعة وزعمائهم، في المركز العام فترة ليست بالقصيرة، وقد أثمرت زيارة القمي لحسن البنا بإنشاء «دار التقريب بين المذاهب الإسلامي»، ومطالبة الإخوان بفتح رواق للمذهب الشيعي في الأزهر، على أن يدرَّس هذا المذهب على يد علماء من إيران، كما نتج عن لقاء حسن البنا بالكاشاني أن قرَّرا عقد مؤتمر إسلامي في طهران تشارك فيه شخصيات من العالم الإسلامي”.

ويصف بالهول علاقة الإخوان بصفوي: “ومع تعصب نواب صفوي لمذهبه وحماسه لحركته الثورية ذلك الذي جرَّه إلى أعمال عنف عديدة من تصفيات واغتيالات، فقد كان ذا صيت لامع عند الإخوان المسلمين، وكانوا يضفون عليه هالات المديح والثناء، فقد كان في نظرهم شاباً سياسياً ثورياً يريد الوقوف أمام الظلم والاستبداد، وهذه هي المساحة المشتركة بين الطرفين.

يقول «محمود عبد الحليم» عضو اللجنة التأسيسية للإخوان المسلمين في الجزء الثاني من كتاب «الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ»: “رأى حسن البنا أنَّ الوقت قد حان لتوجيه الدعوة إلى طائفة الشيعة، فمد يده إليهم أن هلمُّوا إلينا، ويضيف: ولو كانت الظروف قد أمهلت حسن البنا لتمّ مزج هذه الطائفة بالطوائف السنية مزجاً عاد على البلاد الإسلامية بأعظم الخيرات”.

ويتّفق هذا مع ما صرّح به المرشد العام السابق «محمد مهدي عاكف» لصحيفة المصري اليوم بتاريخ 19 آذار/مارس 2009 حين قال: “إيران دولة شيعية، والشيعة ليست مذهباً دينياً، بل سياسي، ومن ثم نتعامل معها على أنَّها دولة سياسية لا مذهبية”.

ووصف المرشد الرابع للإخوان «محمد حامد أبو النصر»، «نواب صفوي» بأنه “الزعيم الإيراني المسلم الشهيد”، وبدوره صرّح القيادي الإخواني اللبناني «فتحي يكن» في كتاب «المتغيرات الدولية والدور الاسلامي المطلوب»: “تنحصر المدارس التي تتلقى منها الصحوة الإسلامية عقيدتها وعلمها ومفاهيمها في ثلاث مدارس: مدرسة حسن البنا، ومدرسة سيد قطب، ومدرسة الإمام الخميني”.

واعتبر زعيم حركة النهضة التونسية الإخواني «راشد الغنوشي» منظمة «فدائيان إسلام» في كتابه «مقالات حركة الاتجاه الإسلامي» امتداداً للإخوان المسلمين، وقد بادلها صفوي بدوره الود قائلاً: “من أراد أن يكون جعفرياً حقيقياً فلينضم إلى صفوف الإخوان المسلمين، وفق ما يذكر «عباس خامه يار» في كتابه «إيران والإخوان المسلمون»”.

وبحسب دراسة ماجستير إيرانية أعدَّها الباحث الإيراني «عباس خامه يار»، فإن جماعة الإخوان لا تهتم بشخص الحاكم ولا بمواصفاته التي ينبغي أن يتحلى بها، ولا بوقت وكيفية تنفيذه للأحكام؛ وهو ما أكده التلمساني بقوله: “لا يعنينا شخص من يحكم، ولكن في المقام الأول يهمنا نوع الحكم وشكله ونظامه، وبعد ذلك فليحكم من يحكم، شريطة أن يحكم بالشريعة، وإذا فعل الحاكم ذلك، فإن الإخوان سيكونون له عوناً وسنداً”.

ويذكر أنَّه في العام 1966، ترجم «علي خامنئي» كتاب «سيد قطب» «المستقبل لهذا الدين» للغة الفارسية، وكتب مقدمة للترجمة يصف فيها قطب بـ«المفكر المجاهد» الذي أثبت في كتابه أن العالم سيتَّجه نحو رسالتنا، وأن المستقبل لهذا الدين، كما كانت إيران مقصد شحنات بالبواخر لكتاب سيد قطب «في ظلال القرآن» بعد طباعته في الستينيات في بيروت.

ختاماً:

إذا تصورنا بأن الإخوان المسلمين قبلوا بكل تلك المبررات غير المقنعة بعقد شراكة خاسرة مع الحركة الشيعية قبل حقبة «الخمينية الحديثة»، فكيف سيبررون تحالفهم مع إيران بعد أن كشفت إيران عن كل سوءاتها المتعلقة بدعم المنظمات الإرهابية، وإشاعة الفوضى والدمار والقتل في أبناء الأمة التي يدعي الإخوان تمثيلها؟.

ليفانت – عبد الناصر الحسين