الوضع المظلم
الجمعة ٢٨ / يناير / ٢٠٢٢
Logo

إعلام نازي بلشفي معاصر على شكل إعلام الأسد

إعلام نازي بلشفي معاصر على شكل إعلام الأسد
مصطفى علوش

عندما انهار سدّ زيزون في الرابع من حزيران عام 2002 كنت شاهداً على السجال الذي دار  من أجل  نشر عنوان الغلاف على مجلة تشرين الأسبوعيّ التي كانت تصدر آنذاك، بين رئيس التحرير خلف الجراد وأمينة التحرير سلمى سلمان، حيث طلب رئيس التحرير منها تغيير كلمة كارثة في عنوان (كارثة سدّ زيزون) لتظهر المجلة في اليوم التالي بعنوان محايد لا يدلّ على أنّ هناك كارثة حصلت في سورية. الأسد


وخلال سنوات عملنا الإعلاميّ كنّا شهوداً على مئات الأمثلة من هذا العيار وعلى قمع يوميّ ناعم ضدّ أي مادة إعلاميّة تحمل فيها نبرة صدق في التحليل وعرض الوقائع، وكان قد ذكر مرّة أحد الصحفيين في حوار وزير إعلام سابق ما معناه: إنّ استدعاء رئيس التحرير لأي صحفي إلى مكتبه يعادل من ناحية الخوف استدعاء الاستخبارات. الأسد


وليس جديداً إذا قلنا إنّ الكذب الإعلاميّ في وسائل إعلام الأسد كان سياسة يوميّة ومازال يوجّهها الأسد من خلال مكتبه الإعلاميّ الذي تشغله الآن لونا الشّبل، والاجتماعات التي تجريها لونا الشّبل مع الإعلاميين تعني مباشرة نقل وتنفيذ توجيهات الأسد بخصوص الإعلام الذي يموّله من الموازنة العامة.


وكذب إعلام الأسد مشابه لكلّ إعلام موجّه في دولة شموليّة استبداية، وكانت الدولة النّازيّة تستخدم أساليب التضليل وتعبئة الرأي العام بالأكاذيب وأوّل هذه الأكاذيب هو الصفاء العرقي الآري، ودونيّة بقية الأعراق البشريّة، كذلك كان الإعلام الستاليني البلشفي. الأسد 


تشرح المفكرة حنة أرندت في كتابها الحركة التوتاليتارية: (حين قرّر ستالين أن يعيد كتابة تاريخ الثّورة الروسيّة اقتضى من الحملة الدعائيّة المؤيّدة لصيغة التاريخ الجديد أن تتلف كلّ الكتب والوثائق القديمة وأن تقضي على مؤلفيها وقرّائها في آنٍ معاً، على هذا فإنّ صدور تاريخ الحزب الشيوعي في نسخته الرسميّة عام 1938 سجّل نهاية حملة التطهير الواسعة التي كانت حصدت جيلاً من المفكرين السوفييت).الأسد


وإذا رغبنا باستحضار أمثلة من الكذب الإعلاميّ الأسدي لَتذكرنا مباشرة كيف يتمّ ضخّ الأكاذيب اليوميّة المتعلقة بسعر صرف الدولار والتعامل مع هذا الأمر الاقتصاديّ بطريقة برنامج توم وجيري الشّهير، أو على طريقة الحكايات الخياليّة حيث يتم تغذية الرأي العام بأضاليل الصمود الأسطوريّ لدولة الأسد، كما يجري نزع كلمة الدولار وتحويلها إلى مؤامرة بينما واقع الحياة الاقتصاديّة يشير إلى انهيارات متلاحقة في كل الصعد الاقتصاديّة، فانهيار العملة السوريّة هو نتيجة طبيعيّة للحل الأمني العسكري الذي استخدمه النّظام ومازال منذ الساعات الأولى من عمر الثّورة السوريّة.


تشير المفكرة حنة أرندت في مكان آخر في كتابها الحركة التوتاليتارية: (تتبدّى حملتهم الدعائية " تقصد النّازيون" منطبقة باحتقار جذري حيال الوقائع في حدّ ذاتها، ذلك أنّ الوقائع بنظرهم رهن كلياً بسلطة من يصنعها). ليفانت


في ذات السياق يمكن لنا أن نرى مشاهد تحييد وتغييب الدمار و التدمير في سورية لصالح عرض أخبار العاصمة دمشق من خلال مشاهد مطاعم السهر والغناء، ومشهد أكثر من مليون نازح سوري في منطاق الشّمال السوريّ الآن لا تعني شيئاً لإعلام الأسد وهؤلاء حسب زعمه حاضنة للإرهاب.


في الضفّة الأخرى، كانت وسائل إعلام المعارضة تكذب على النّاس ومازالت حين تسمّي كلّ من حمل السلاح ضدّ الأسد ثائراً، ووقائع الأرض واضحة وضوح الشّمس من خلال أخوة المنهج الذين كانوا ومازالوا أعداء الثّورة السّورية وما اغتيال الناشطين واعتقالهم إلّا دليل ملموس على كميّة القمع التي عاشها الإعلاميون في مناطق سيطرة جبهة النصرة.


ويهطل الكذب القادم من محطة الجزيزة وغيرها من محطات إعلاميّة عربيّة على شكل الاتجاه المعاكس عبر استخدام لغة طائفيّة مقصودة واستضافة رموز وأسماء سورية محسوبة على الثّورة لتضخّ في الرأي العام رؤيتها الطائفيّة التحريضيّة التي ساهمت في تحطيم وتغييب الكثير من الأصوات الديمقراطيّة السوريّة الحرة.


بالتأكيد لا يمكن مقارنة كذب الأسد وآلة قتله بغيرها من  آلات الكذب، ولكن الكذب يبقى دائماً كذباً وانهيار الوضع الاقتصاديّ في سورية سببه الأوّل والأخير نظام لايريد من النّاس سوى الخنوع والخضوع. لايمكن أن تكون مع الثورة وأنت تستخدم لغة طائفيّة مقيتة، وحين تقلّد نظام الأسد في كذبه الإعلاميّ تكون نسخة مشوّهة عنه.


يعرف الكثير من الإعلاميين السّوريين كيف كان رئيس تحرير سابق عاش في زمن حافظ الأسد يتباهى في نشر صورة الأسد على كامل الصفحة الأولى في محاولة منه لتعزيز موقعه عند الأسد الأب وذلك في ثمانينات القرن الماضي، كما يعرف كثير من الإعلاميين السّوريين الآن إنّ في بعض الإعلام المعارض العديد من الأمثلة المشابهة الحاليّة لما كان يفعله رئيس تحرير الأسد.

ومع استمرار المقتلة السورية مازلنا نحتاج الآن وفي كل حين إلى إعلام حقيقي ينقل الوقائع والأخبار بعيداً عن الكذب والتلفيق.

facebook
facebook

ابق على اتصال

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!