مهاتيرمحمّد، العابث بتاريخه وإنجازاته

خالد الزعتر
خالد الزعتر

عند الحديث عن التّجربة النهضويّة الماليزيّة ، لابدّ من الإشارة إلى السياسة الخارجيّة الماليزية والتي كانت (سياسة الحياد) هي السّمة الرئيسيّة في السّياسة الخارجيّة الماليزيّة والتي كان لهذه السّياسة دوراً مساهماً وداعماً للتطوّر الاقتصاديّ الماليزيّ ، والّتي ساهمت إلى حدّ كبير في أن تلعب دوراً في نهضة ماليزيا ، ما قاد إلى نجاح التّجربة النهضويّة الماليزيّة التي قادها مهاتير محمّد وجعلت من ماليزيا قوّة اقتصاديّة في طليعة الدّول التي تسمّى بنمور آسيا، مكّنتها من الدّخول إلى نادي الدّول المتقدّمة. مهاتيرمحمّد

لكنّ عودة مهاتير محمّد مرّة أخرى إلى تولّي منصب رئاسة وزراء ماليزيا ، لم تكن عودة من بوّابة (النّهضة أو التجربة التي نجح في صناعتها)، وإنّما كانت عودة تحمل معها الكثير من التغييرات في طريقة تفكير مهاتير محمّد ، حيث بدا واضحاً أنّ هذه العودة تحمل معها ملامح سياسيّة خارجيّة جديدة بشكل جذريّ يسعى لإرساء قواعدها ، بحيث تحلّ (سياسة المحاور) بدلاً من (سياسة الحيّاد)، وأنّ مهاتير محمّد اختار (المحور الإيرانيّ–التركيّ) وبالتالي تصريحات مهاتير محمّد من منتدى الدّوحة بمعارضة العقوبات الأمريكيّة على إيران في موقف يتطابق مع الموقف التركيّ، بأنّها ترسم ملامح تحالف (ماليزيّ– تركيّ- إيرانيّ– قطريّ) قد يبدو واضحاً ذلك عبر (السّياسة الشاذّة) التي سعى مهاتير محمّد لانتهاجها عبر الدّعوة (لقمّة إسلاميّة مصغّرة) لا تأخذ بعين الاعتبار الدّول ذات الثّقل الإسلامي ، بقدر ما تأخذ القمّة بعين الاعتبار الاقتصار على المحور الجديد أو التّحالف الرّباعي والذي انضمّت له ماليزيا مؤخّراً. مهاتيرمحمّد

عند الوقوف على أسباب هذا التحوّل الكبير في طريقة تفكير مهاتير محمّد سوف نجد أنّ الخلفيّة الفكريّة للرجل العجوز لم تكن (خلفيّة اقتصادية كما كانت في التسعينات بداية عصر النهضة الماليزيّة) بل كانت الخلفيّة الفكريّة الجديدة تحمل معها (النَفس الإخوانيّ)، حيث باتت ماليزيا في الفترة الأخيرة تبرز كأحد الدول التي باتت تشكّل ملاذاً آمن للجماعة أو هكذا ينظر لها جماعة الإخوان والدول الداعمة لهم، مثل ماليزيا أحد أهمّ المعاقل التي يتواجد بها جماعة الإخوان وقياداتها، والتي بدأت تتصاعد أهميتها كدولة ملاذ آمنة للجماعة الإخوانية بعد صعود مهاتير محمد إلى السّلطة، والذي بات يطلق عليه لقب (رجل الإخوان في آسيا) والتي تشكّل مركزاً للشخصيّات الأبرز والأقوى في التّنظيم الدوليّ للإخوان، وهي مركز استثمارٍ هام للتّنظيم الدوليّ الإخوانيّ.

يبدو واضحاً، إنّ مهاتير محمد _بالعودة إلى الواجهة السياسيّة من جديد_ لم تكُ طموحاته وأفكاره كما كانت في السّابق تقتصر على النّهضة الاقتصاديّة، بقدر ما تأخذ معها طموحات تتخطّى حدود الخارطة الجغرافيّة الماليزيّة وهو البحث عن قيادة وزعامة إسلامية، وربما قمّة كوالالمبور تؤكّد حجم الطّموح لدى مهاتير محمّد الذي بات واضحاً أنّه يسعى عبر محاولة شقّ الصفّ الإسلاميّ والعمل على إرساء قواعد موازية لمنظمة المؤتمر الإسلامي إلى ما يمكن تسميته بمنافسه القوى الإسلاميّة وبخاصّة المملكة العربية السّعوديّة التي تعتبر هي القائدة للعالم الإسلامي.

وعلى مايبدو إنّ طموحات مهاتير محمّد هي طموحات ليست مقتصرة على الطّموح الشخصي، بل هي مرتبطة بمخطّط إقليمي تقوده دول محور الشرّ الثلاثي ( قطر، إيران وتركيّا )، فعندما ننظر إلى قطر نجد أن ليس لها وزن أو ثقل إسلامي ، وإيران تعيش في عزلة سياسية وأزمات اقتصاديّة وكذلك الحال مع تركيّا التي أصبحت محاطة بالكثير من جبهات التوتّر السياسيّة مع الشرق والغرب وتعيش أزمة اقتصاديّة متصاعدة، وبالتّالي فهذه الدول التي تعيش على حافّة الانهيار السياسيّ والاقتصاديّ ليس لديها القدرة على المنافسة على القيادة والزعامة الإسلاميّة، وبالتالي هناك نوع من الإستثمار القطريّ والتركيّ والإيراني لعودة مهاتير محمّد إلى الواجهة ومحاولة توظيف تجربته النهضويّة السابقة والرصيد الذي استطاع تحقيقه في سنوات ماضية في محاولة الدّفع به إلى تنفيذ مخطّط شقّ الصفّ الإسلاميّ، وهو المخطّط الذي يخدم طموحات دول محور الشّر الثلاثي، التي كان هدفها دائماً ضرب التعاون الإسلاميّ وشقّ الصفّ والإصرار على عرقلة العمل الإسلامي المشترك. مهاتيرمحمّد

إنّ ما حقّقه مهاتير محمّد الذي يعتبر رائد النهضة الماليزيّة من إنجازات في سنوات ماضية، جعل منه يعود إلى الواجهة السياسيّةمرّة أخرى برغم إقالته، ولكن هذه المرّة  كان يحمل معه أفكاراً وطموحات سياسية جديدة ومحاولات لإرساء قواعد لسياسة خارجيّة ماليزية قائمة على سياسة المحاور بدلاً من سياسة الحياد التي عرفت عنها، هو بمثابة هدّم للمنجزات الّتي حققها في السابق في ظلّ تحالفاته الجديدة مع جماعات إرهابية ومحاولة فاشلة لإنعاش الجماعة الإخوانيّة التي أصبحت مرفوضة شعبيّاً وسياسيّاً، والتّحالف مع دول تعيش أزمات سياسيّة واقتصادية وهو محور الشّر الثلاثي ( القطري والتركي والإيراني )، هو أمر كان من الممكن أن يقود ماليزيا في حال استمرار مهاتير محمّد في رئاسة الوزراء من عصر النهضة التي عاشتها إلى ما يمكن تسميته “عصر النّكسة”. ليفانتمهاتي رمحمّد

خالد الزعتر / كاتب ومحلّل سياسي ( مؤلّف كتاب إيران الخميني ، شرطيّ الغرب )، وكتاب ( الدويلات العربية ودولة إسرائيل الكبرى ) وكتاب ( التنظيم القطري، التراكمات التاريخيّة وعقدة المساحة والبحث عن الزعامة ).

ليفانت – خالد الزعتر