ما حقّقه الحراك الشّعبي في الجزائر انتصار بطعم الانكسار

" ما حققه الحراك الشعبي في الجزائر انتصار بطعم الإنكسار "
" ما حققه الحراك الشعبي في الجزائر انتصار بطعم الإنكسار "

رغم مرور عام كامل على الحراك الشّعبي في الجزائر ، لايزال آلاف المواطنين يخرجون إلى الشّارع تعبيراً منهم على تمسّكهم بمطالبهم، التي يرون بأنّها لم تتحقق كلها بعد، رافضين رفضاً قاطعاً مخرجات الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة.

وفي الوقت الذي يستمر فيه الحراك الشعبي تحاول السّلطة كيفية إيجاد مخرج من حالة لا استقرار الشّارع الجزائري الذي يشهد إنزالا شعبيّاً مرّتين في الأسبوع وبأعداد غفيرة يومي الثلاثاء والجمعة من قبل الطلبة الجامعيين وعامة الحراكيين على التّوالي .

ويحاول الرئيس الجزائريّ الجديد منذ تولّيه سدّة الحكم، أن يعزف على وتر استمالة الحراكيين ببعض القرارات بسبب الضّغط الكبير الذي بات يمارسه الحراك السلميّ، وهي رغبة جامحة للسّلطة نفسها في أن تنقذ نفسها من مأزق ربما ستّتسع هوّته مع قادم الأسابيع، وتفادي بعض ممارسات العهد البوتفليقي، الذّي ثار عليه الشّعب وأرغمه على الرحيل .

وتتباين المواقف في الوسط السياسي والإعلامي حول ما حقّقه الحراك الشعبي لحدّ اليوم من مطالب كانت تصنّف في خانة المستحيلات بدءاً من تنحية الرئيس بوتفليقة وإرغامه على الاستقالة وإسقاط الولاية الرابعة وسجن القوى غير الدستوريّة التي كانت تسيّر البلاد في مقدمتهم شقيق الرئيس الأصغر السعيد بوتفليقة والجنرالين طرطاق وتوفيق مدين وإبعاد رئيس البرلمان معاذ بوشارب ورئيس المجلس الدستوري بلعيز .

وساهم الحراك الشّعبي في إخراج الجزائر من دائرة “الدول الاستبداديّة” في المؤشّر العالمي للديمقراطيّة لعام 2020، عقب إزاحة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة من السّلطة.

وأشار التقرير السنوي الذي أعدّته مجلة “إيكونيميست” البريطانية، إلى أن ثمّة تحسّن في وضع الجزائر على مؤشر الديمقراطيّة، مؤكداً على أنّها انتقلت من خانة “الدول الاستبداديّة” إلى خانة “النّظام الهجين”، وذلك بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة العام الماضي، حيث احتّلت المركز 113 من بين 167 بلدا شملها تصنيف الديمقراطية، و انتقلت من المرتبة 126 التي احتلتها العام الماضي.

ويقول المحلّل السياسي والدكتور “نورالدين بكيس” لصحيفة ليفانت بأن أي مراقب موضوعي لما جرى منذ 22 فبراير وحتّى الساعة لن يتردّد في توصيف ما تحقّق من مطالب الحراك لحدّ الآن بالانتصار، إلّا أنّ ما يشعر البعض بالانهزام والانكسار هو ربط المنجز بالمتوقّع الذي تجاوز سقف الموضوعيّة و القابليّة للتحقيق .

ويضيف بكيس قائلا: “البعض يتصوّر إمكانية تغيير النظام بهذه السهولة فقد شكّل ذلك نوع من الطوباويّة والرومانسيّة في التعاطي مع الواقع إلّا أنّه وظّف لدفع و رفع ديناميكيّة الشارع لإنتاج حراك بزخم ثوري ظاهريّ و فعل إصلاحي وظيفيّ”.

ولم يستبعد المحلّل السياسيّ في حديثه أن كان الالتباس حاضراً بشكل دائم بين السّقف الثوريّ و السّقف الإصلاحي، لكنّ اليوم بعد الحسم السياسي الجزئي من قبل السلطة وجد الجزائريون أنفسهم أمام مشهد أكثر وضوحاً وأكثر قابليّة للتعاطي مع الفعل السياسي المشارك بعد مرحلة الفعل السياسي الرافض و المقاطع .

ويجزم الدكتور نورالدين بكيس أن يكفي الجزائريين افتخاراً بالحراك و ما أنجزه مرحليّاً الذي أخرج الجزائريين من حالة الرّكود القاتل والأمل الغائب والنفسيّة الانهزاميّة والمشهد السياسي والمجتمعي المفبرك ليدخلهم إلى واقع متحرّك وهوامش حقيقيّة للتغيير قابلة للتوسّع والاستثمار لتتحوّل تدريجيّاً إلى مقدّمات جادّة لتغيير النظام.

ولم يخفِ المحلّل السياسي بأنّ الحراك فشل في تملّك أدوات التغيير من داخل النظام بتحرير المؤسسات و السلطات إلا أنّه نجح بامتياز في تفعيل و توظيف أدوات التغيير من خارج النظام و على رأسها الشارع و نفسية المواطن و شبكات التواصل.

ويبقى على حدّ قوله الرّهان اليوم هو توظيف تلك الادوات لاختراق أسوار النظام و استهداف تملّك و تحرير أدوات التغيير من داخل النظام ، و لعل أحسن سيناريو هو الجمع بين ثقافة الرفض و ثقافة المشاركة بمزج التوجهين لخدمة نفس الهدف وهو التغيير في الاتجاه الصحيح وبهده الطريقة يمكن استيعاب البيئة الحاضنة للحراك بحسب نفسيتها لتثبيت قاعدة المطالبة والمطالبة بالذكاء المطلوب يختم بالقول بكيس .

ويرى بعض المتتبّعين للشأن السياسي أنّ الوضع الداخليّ بالبلاد، يعيش على صفيح ساخن ويعرف هشاشةً وعدم استقرار، وهو ما يتطلّب تحرّك الرئيس الجديد إلى معالجةٍ سريعةٍ لبعض المسائل المطروحة، التي يتمسّك جزءٌ كبير من الحراكيين بالتغيير الجذري للنظام، بإجراء إصلاحات سياسية عميقة، تدعو إلى حلّ كلّ المؤسّسات السياسية والاقتصادية، التي لها علاقة بمنظومة الحكم، مطالبين بالذهاب إلى مرحلة انتقالية توافقيّة.

وتشير كل المعطيات الحاليّة إلى أنّ وتيرة الإصلاحات السياسية التي وعد بها الرئيس تبون، لم تتجاوز الجوانب الشكليّة والتقنية، على غرار مشروع تعديل الدستور، دون بُعد سياسيٍّ عميق، أو استشارة مجتمعية موسّعة، يُفتح على ضوئها فضاء الإعلام العمومي للحديث بحرّية عن المحاور الرئيسيّة، وتُعرض فيه نقاشات متعارضة ومتناقضة مع تصوّرات السلطة.

وفي تصريح للإعلامي البارز “إبراهيم قارعلي” لصحيفة ليفانت، فإن الحديث عن الحراك الشعبي والذي يفضّل تسميته بالثورة الشعبية السلمية، قال: “يجب أن نعود إلى الجمعات الأولى من المظاهرات الشّعبية السلميّة ، فالشّعارات التي رفعها المواطنون في ذلك الوقت لم تكن حزبية ولا إيديولوجية ومن ذلك لا للعهدة الخامسة والشعب هو الذي يختار الرئيس ومحاسبة العصابة، ومثل هذه المطالب تكون قد تحقّقت بطريقة أو بأخرى في أقل من سنة”.

ويعتقد قارعلي بأنّ ما تحقّق من المطالب بخصوص إلغاء العهدة الخامسة وانتخاب الرئيس ومحاسبة العصابة تعدّ من أهم المطالب السياسية التي تحقّقت بفضل الثورة الشعبية، وهذا ليس بالقليل حدّ قوله ولو أنّ الجزائريين ينتظرون الكثير، ومهما يكن من أمر فإنّ بناء الجزائر الجديدة يتوقف على الإرادة السياسية للسلطة والمجتمع .

وما تحقّق يعدّ خطوة من رحلة الألف ميل التي تبدأ بخطوة ، ولو لم يتحقق ذلك لكنا قد بقينا نراوح مكاننا بل الأسوأ من ذلك تعود بنا خطواتنا إلى الخلف والتخلّف حسب محدّثنا، ولكن للأسف يقول: “قبل ذلك وخلال ذلك وبعد ذلك ظهرت مطالب حزبية إيديولوجية من طرف فصيلة سياسية معينة انحرفت بالثورة الشعبية السلمية وأصبحت تهدد حتى باستعمال العنف على الرغم من أنّ الشعب قد رفع من البداية شعار السلمية، ذلك أن هذا الفصيل السياسي المتلوّن قد ظلّ سنوات وسنوات هو المستفيد من العنف.يفانت

ويختم قارعلي حديثه لصحيفة ليفانت بالقول: “إنّ الإصلاحات التي يقوم بها رئيس الجمهورية خاصة في المجال السياسي وعما إذا كانت تتوافق مع مطالب الثورة الشعبية السلمية، فإنّ ذلك يتوقّف على طبيعة الدستور الجديد وعلى طريقة الاستفتاء على هذا الدستور ، ويلمح إلى أن الجزائر الجديدة تولد مع هذا الدستور الجديد ، يومئذ نعرف إن كنا قد انتقلنا إلى جزائر جديدة أم بقينا في جزائرنا القديمة .

ليفانت – أمين بن لزرق