كيف ابتلع آل الأسد الثروات السورية خلال نصف قرن؟

كيف ابتلع آل الأسد الثروات السورية خلال نصف قرن ..؟
كيف ابتلع آل الأسد الثروات السورية خلال نصف قرن ..؟

“يوم كانت سورية تسمّى يابان الشّرق الأوسط” تسمية أطلقها “مهاتير محمد” صانع النهضة الماليزية حين زار دمشق عام 1952 م قبل أن يفترسها آل الأسد، وأعلن مهاتير عن رغبته بجعل ماليزيا نسخة عن سورية، حيث كانت تحت حكم رئيس جمهوري انتخِب بشكل ديموقراطي .
ولم يكن لديه حسابات سرّية في بنوك سويسرا، إنّه شكري القوتلي الذي تنازل عن الحكم طواعية من أجل وحدة سورية ومصر وتوفي في مشافي بيروت وعجز أولاده عن سداد أجور المستشفى، فأين ماليزيا اليوم من دمشق؟ وكيف تحوّل الاقتصاد السوري الذي صدّر القمح لإيطاليا وزرع القطن في الجزيرة؟ كيف انهار الاقتصاد بعد أن كان الدولار يساوي ثلاث ليرات فقط؟ ماذا حلّ بمصانع الغزل والنسيج في دمشق وحلب بعد أن ملأت منتجاتها أسواق العرب.
ماذا فعلت عائلة الأسد في الاقتصاد السوري؟ وأين اختفت عائدات النفط والثروات الأخرى؟، ماذا حلّ بيابان الشرق الأوسط؟.

الفيديو يظهر سوريا قبل حكم الاسد 

الاقتصاد السوري في ظل حكم حافظ الأسد:
عندما استلم حافظ الأسد الحكم بعد الانقلاب على السلطة لم يكن لديه مشروع اقتصادي لدعم سورية وقد اتّبع سياسات اقتصادية تخدم مصالحه، أدّت إلى تآكل مخزون البلاد النقدي حتى أفلست الخزينة في منتصف الثمانينات، كما اتّبع سياسات عشوائيّة حيث سمح للقطاع الخاص باستيراد أي شيء دون إجراءات حماية مما أدّى إلى استنزاف القطع الأجنبي وقد حاول من خلال هذه السياسة الاقتصادية في بداية حكمه التقرّب من الطبقة التجارية السنيّة في محاولة للتغطية على التغيّرات التي أجراها في الجيش بعد استبداله الضباط السنّة بضباط مقربين منه من الدائرة العلوية. واستخدم مع بعض رجال الأعمال سياسة شراء الولاءات والصمت عن نهب الأموال العامة وترك مساحة لهم للإفادة الماليّة خاصة في الثمانيات في فترة الصراع مع الأخوان مما أغرق هؤلاء بالفساد وجعلهم شركاء معه في الدّفاع عن نظامه والاقيتات عبر مصالحه وامتدت هذه السياسة حتى أصبح الفساد عمود الدولة السورية.
وبلغ الاقتصاد السوري قمّة الانهيار بعد إعلان حافظ الأسد تأييده للثورة الخمينية في إيران ووقوفه في وجه العراق والدول الخليجية، فتوقّفت المساعدات الخليجية المالية، والتي حمت الاقتصاد السوري من الانهيار مدة عشر سنوات حيث تقدّر هذه المساعدات بما يزيد عن مليار ونصف دولار سنويّاً. 
عملت إيران على استبدال المساعدات الخليجية بتقديم 100 ألف برميل نفط يومياً. عمد حافظ الأسد إلى بيعها ووضعها في حساب ابنه باسل الأسد الذي كان يٌهيَّأ لاستلام السلطة، حيث كشف عن 13 مليار دولار باسم باسل الأسد في أحد بنوك النمسا بالمقابل كانت الموازنة العامة كاملة لاتتجاوز المليار والنصف.
عمد حافظ الأسد وعائلته على ابتلاع كل مايقع في أيديهم فترك رفعت الأسد وجميل الأسد وكل من يمتّ له بقرابه يعيثون فساداً في المال العام، وتمّ احتكار جميع المشاريع الاقتصاديّة الكبرى لمزرعة الأسد، واستغلّ رفعت الأسد الأموال التي منحتها الحكومات الخليجية ببناء قوّة عسكرية خاصة به.
واتّبع نظام الأسد أساليب شتّى للتغطية على سرقة خيرات الشعب السوري، كرفع أسعار البناء عام 1980 بنسبة تتراوح بين 100 بالمئة و400 بالمئة بالنسبة لمواد البناء وذلك بهدف التغطية على سرقات رفعت الأسد لمشروع دُمّر السكني وتحويله لمنشآت لسرايا الدفاع وأبناء الطائفة العلوية، وقد وصل سعر طن الحديد آنذاك إلى 30 ألف ليرة سورية وهذا أدّى إلى جمود في القطاع الاقتصادي وارتفاع أسعار العقارات بشكل لايصدّق.
وتحت بند حماية القطع الأجنبي منع استيراد المواد الضرورية ودفع أقارب الأسد للتهريب من الدول المجاورة مما زاد الفقير فقراً وآل الأسد ثراء.
وكان يتمّ تخدير الناس قي ظلّ هذه الأوضاع المعيشيّة البائسة بأن سورية تواجه تحديات وأزمات فتارة اسرائيل وتارة أخوان وتارة أخرى أنور السادات.

الاقتصاد السوري في ظل بشار الأسد قبل الثورة:
بدأ بشار الأسد حكمه بتحوّلٍ في السياسة الاقتصادية من دولة مغلقة إلى سوق مفتوح فسمح بفتح فروع للمصارف الأجنبية إضافة إلى فتح حسابات بالعملات الأجنبية وقد تزامن هذا التحول مع زيادة الهوّة الطبقية في المجتمع.
وتابع بشار الأسد مسيرة والده في إطلاق يد أقاربه في أموال البلاد بدءاً من النفط والفوسفات ونهب الآثار وانتهاءً بالسيطرة على الاقتصاد من خلال شركات ضخمة تحتكر السلع والخدمات الرئيسية ومنها الاتصالات الخليوية وسوق صرف العملات وقد برز رامي مخلوف كرجل أعمال شارك مؤسسة “راماك وصروح”، وشريك مؤّسس في الاتصالات السورية بنسبة 75 بالمئة.
وبلغت سورية المرتبة 15 عربياً على مؤشّر الفساد خلال مسح أعدّته منظمة الشفافية الدولية حيث قُدّر حجم الفساد قبل اندلاع الثورة السورية ب 5 مليار دولار بين 2008 و2010 فقط. وتشمل صور الفساد تلقي الرشاوي بغرض غضّ الطرف عن تجاوز القوانين والتلاعب في المناقصات والمزايدات لصالح المتنفّذين من نظام بشار الأسد.
هذا ويكتنف الغموض الثروة التي يملكها بشار الأسد حتى قبل الثورة حيث قدّرها البعض بمليار ونصف دولار أمريكي. وسرّ مصادر هذه الأرقام المخيفة تكشفه آبار مجهولة للنفط والغاز لم تذكر حتى في الكتب المدرسية حيث اكتفي بذكر حقل “رميلان” وحقل “السخنة”، وبيّنت المعلومات إنّ عدد الابار النفطية والغازية المجهولة والتي كشف عن بعضها بعد انطلاق الثورة السورية كانت لاتدخل في الانتاج السوري.
الاقتصاد السوري بعد انطلاق الثورة السورية:
عمد رأس النظام السوري بعد انطلاق الثورة السورية إلى الاستعانة بحزب الله اللبناني بهدف وأد الثورة في بداياتها إلا أنّه لم ينجح في ذلك فعمد على الاستعانة بروسيا وايران ودفع ثمن ذلك باتفاقيات ومعاهدات بيع وشراء واستئجار، ولم تكتف عائلة الأسد بنهب الخيرات السورية بل عمدت للتصرّف في مقدّراتها وموانئها وحقولها وكأنّها ملكيّة ذاتيّة في سبيل البقاء في الحكم وامتصاص قوت الشعب. وحملت هذه الامتيازات الاقتصادية التي تمّ منحها لروسيا وإيران مسميات منمّقة مثل استثمار ومقاولة وليس بآخرها تأجير ميناء طرطوس لروسيا مدة 49 عاماً وطرد العاملين منه، مما تسبّب في ارتفاع معدل الفقر لدى الشعب السوري وتردّي الأوضاع وتعلّل النظام بالعقوبات الأمريكية الأوروبية المفروضة عليه، والحرب الكونية التي يتعرّض لها .
ومما لاشكّ فيه إنّ تغطية نفقات الحرب على الشعب السوري كانت باهظة لكنّ عائلة الأسد أبقت على أرصدتها في البنوك بل وتابعت سرقة البلاد وعمدت على إيجاد بدائل جديدة لتغطية نفقات الشبيحة والأسلحة التي تستخدم في قمع الثورة منها دعم رجال الأعمال لنظام الأسد مثل رامي مخلوف وسامر الفوز ومحمد السوّاح الذي كافأه النظام بتعيينه رئيس المصدّرين السوريين عام 2014 وقام بتسليمه مهمة الإشراف على معارض سورية. كانت المصلحة المتبادلة هي العنوان الأبرز لعلاقات النظام مع رجال الأعمال في ظلّ الفوضى الحاصلة والتغاضي عن القوانين، وتشير مصادر مطّلعة إنّ النظام في الفترة الأخيرة رفع الفاتورة التي يتلقاها من هؤلاء بعد مطالبة روسيا له بتسديد مبلغ يقدّر بمليارات الدولارات مما دفع بعضهم الرفض كرامي مخلوف الذي وُضِع تحت الإقامة الجبرية وذلك بهدف إجباره على التسديد وقام بالاستحواذ على جمعيّة البستان التابعة لرامي مخلوف ومداهمة شركة “راماك” عمود أعمال المخلوف التجارية والاقتصادية.

النظام يهرّب آثار سورية:
عمدت عائلة الأسد والمتنفذين فيه على سرقة الآثار وقامت بحملات تنقيب عن طريق شركات محليّة وإيرانية في مدينة تدمر بريف حمص إضافة إلى التنقيب في مدينة درعا وقامت هذه الشركات الإيرانية بنقل الآثار إلى إيران عبر الطريق البرّي الذي تشرف عليه ابتداء من دير الزور مروراً بالعراق وصولاً إلى طهران. وأكّد خبراء في الآثار قيام النظام بوضع قطع أثريّة مزيّفة مطابقة للقطع الأثرية الحقيقية بعد بيعها لإيران وتسعى طهران للحصول على الضوء الأخضر من عائلة الأسد بوضع يدها على “التكيّة السليمانية” المعلم الأثري الهام وتحويله إلى مطعم ومقهى وصالة ديسكو.

استغلال جوازات السفر والبدل العسكري
لم يسلم المواطن السوري من استغلال النظام حتى في موضوع الجوازات سواء في الداخل أو الخارج وسجلت تقارير الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن أثناء استخراجه إضافة إلى الكلفة المادية الباهظة وغير المنطقية مقارنة بدول العالم الأخرى.
وقد عمد النظام إلى إصدار مرسوم عام 2015 الذي سمح بموجبه بإصدار جواز سفر للمعارضين والموالين خارج البلاد وداخلها بمبلغ 800 دولار في حال استخراجه بصورة عاجلة و300 دولار في غضون 21 يوم، وقامت عائلة الأسد بابتلاع هذه المبالغ الضخمة التي تجنيها واستخدامها في الحرب ضدّ المعارضين وتمويل رواتب الميليشات الموالية .
كما وجد النظام سيلا من القطع الأجنبي من خلال البدل العسكري الذي يبلغ حوالي 8 آلاف دولار وتشير تقارير أنّ المطلوبين للخدمة الإلزاميّة والاحتياطية خارج البلاد يتجاوز عددهم المليونين. وقد صرّح النظام مطلع عام 2019 بأنّ 50 شخصاً يدخلوون البلاد يومياً بالتنسيق مع السفارات في الخارج لإجراء معاملات دفع البدل مما يعني حصوله فعلياً على واردات بمقدار 400 ألف دولار يومياً.

وتجدر الإشارة إلى أنّ 80 بالمئة من الشّعب السوري حتى الموالي منه يعيش تحت خطّ الفقر في ظلّ الأرقام المرعبة والخياليّة التي يتمّ الكشف عنها بين الحين والآخر في أرصدة بنوك سويسرا وروسيا والتي تعود للأسد وعائلته في مقابل شعب تمّ استغلاله والتهام قوّته منذ نصف قرن حتّى من يموت في سبيل بقاء عائلة الأسد يكافَأ بعنزة أو ساعة حائط أو سحّارة برتقال.

ليفانت – آية الحلبي