عن المؤامرة… و أشياء أخرى

ثائر الزعزوع
ثائر الزعزوع

عندما سمع الكثيرون بانتشار فيروس كورونا كوفيد-19، أراحوا أنفسهم من عناء التفكير، وانساقوا لنظرية المؤامرة، التي ليست بحاجة لكثيرة تحليل وتأويل، إذ لا يريد العقل المستسلم ذريعة أسهل من المؤامرة، لزيادة الاستسلام، وإلقاء تبعات ما يحدث على الآخر، مؤامرة صينية .
تستهدف السيطرة على الاقتصاد العالمي، أو مؤامرة أميركية تستهدف القضاء على التوسّع الصيني في العالم، يمكنك اختيار أحد الاحتمالين، فيما يتناسب مع توجهك الفكري، وسوف تجد نفسك مرتاحاً، طبعاً، لن تحفل كثيراً بتوصيات الأطباء وتحذيراتهم، لأنك تعلم جيداً أنّ المؤامرة لا تستهدفك أنت شخصياً، و أنّ ما يشاع عن انتشار المرض ما هو إلا تهويل إعلامي، ربما يخفي خلفه مخططاً ما.

خذ مثلاً هذه الفرضية، كورونا هو مؤامرة على الإسلام، يهدف إلى إيقاف العمرة و الصلاة في المساجد، وهذا بالمناسبة كان معقول التصديق بالنسبة لجمهور واسع، لو أن الفاتيكان و معابد البوذيين، وسائر دور العبادة حول العالم لم تتوقف عن استقبال المؤمنين. ولو إنّ الـكورونا اقتصر على منطقة ما من العالم، أو على بلد دون سواه، فمن المؤكد أنه سوف يكون مؤامرة على ذلك البلد. لكن أن يستشري هكذا، وبهذه الطريقة المرعبة، فهذا ما جعل نظرية المؤامرة تتعثر، ويبدأ المؤمنون بها بالتراجع شيئاً فشيئاً، ويهرعون لشراء الكمامات، وأدوات التعقيم قبل أن تنفد من الأسواق.

الحقيقة إن نظرية المؤامرة لا تقتصر على شعوبنا، كما يظن البعض، إذ سمعت من فرنسيين أعرفهم، شيئاً يشبه ما نسمعه أو نتابعه من ردود أفعال على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قرر يوتيوبر فرنسي أن يحقق “سبقاً” حين ادّعى أنّ كوفيد-19 فيروس تمّ تصنيعه من قبل “معهد باستور” المتخصص في دراسة الفيروسات و الأوبئة.
ونال مقطع الفيديو الذي نشره ملايين المتابعين، حيث يشرح رؤيته لنظرية المؤامرة، مستنداً إلى ما يسميه حقائق، طبعاً كلها زائفة و لا دليل عليها، و قد ترجم مقطع الفيديو إلى العربية وحقق انتشاراً واسعاً أرضى أصحاب نظرية المؤامرة كثيراً. لكن المعهد الفرنسي الشهير اكتفى ببيان علمي موثّق، يدحض فيه كل ما جاء في مقطع الفيديو، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما قاله ذلك اليوتيوبر كلام فارغ لا قيمة له.
في سوريا، عام ٢٠١١ كتب مجموعة من الصبية على جدران مدرستهم عبارات تحاكي ما فعله ثائرون في أقطار عربية أخرى، فقال النظام و على الفور، هذه مؤامرة، تستهدف محور الصمود والممانعة، كذا إلى آخره، وهذا أسهل تفسير أو تحليل، فالعوامل الجويّة، أيضاً، قد تصير مؤامرة، الزلازل والبراكين، العواصف، ارتفاع درجات الحرارة، انقراض بعض الفصائل من الطيور والحيوانات، وكذلك الثورة، فليس أسهل من القول إنها مؤامرة، وساعتها لا ضرورة للتفكير بالأسباب التي دعت الناس إلى التظاهر ضدك، أو إلى المطالبة بحقوقها، الحرية مثلاً هي مؤامرة استعمارية، والديمقراطية حسب التأويل الإسلاموي والديكتاتوري، هي فتنة أو بدعة استعمارية، نعم الأمر بسيط بهذه الطريقة، وليس مرهقاً على الإطلاق، ما أسباب الثورة في سوريا؟ لا تبحث، قل إنها مؤامرة كونية، دول العالم كلها تشترك فيها لضرب «قلعة الصمود والتصدي»، وما زال النظام يردد الكلام نفسه منذ تسع سنوات وحتى يومنا هذا.

منذ أيام نشرت وكالة الأنباء السورية “سانا” خبراً عن تشويش متعمّد تتعرّض له بعض قنوات الإعلام الحكومي، وهي قنوات نسبة متابعتها بين السوريين الموجودين في سوريا تكاد تكون معدومة، فلماذا قد تتعرّض للتشويش؟ وما الخطر الذي قد تشكله؟ طبعاً لأن اعتبار الأمر مؤامرة يريح كثيراً من عناء التفكير في الحلول العلمية، أو الأسباب الحقيقية التي أدّت لذلك التشويش، فكيف استطاعت مؤامرة أن تقنع أهل درعا والبوكمال وعامودا وتل أبيض ودوما أن يشاركوا فيها؟ ويهتفوا بصوت واحد: “الشعب بدو حرية”.
في جانب الثورة أيضاً تأتي المؤامرة لتبرّر الخلل الذي تعرضت له الثورة، فالعالم كله متآمر مع النظام لضرب الثورة، نعم هذا الكلام مبرّر مناسب ليجنبنا البحث في الأسباب التي أوصلت الثورة إلى ما وصلت إليه. مؤامرة وكفى الله السوريين عناء التفكير، مع أن دراسة الأسباب قد تجنبنا الاستمرار الوقوع في الخلل والخطأ، فمن برّر للجماعات الجهادية المتطرفة، واعتبرها في وقت من الأوقات جزءاً لا يتجزأ من ثورة الشعب السوري، هو نفسه من يتحدث عن المؤامرة، ومن قبل أن يتلقى أوامر وتوجيهات من هذه الجهة أو تلك، هو نفسه من يقول إن ثمّة مؤامرة استهدفت الثورة.
من المؤكد أنّ دولاً وشركات قد تستثمر فيروس كورونا لتحقق أرباحاً ومكاسب، وهذه طبيعة الحياة، تماماً كما استثمرت دول وشركات ثورة الشعب السوري ومآلاتها، لتحقق أهدافاً بدت في الكثير من الأحيان تصبّ في خدمة الثورة نفسها. لكن الثورة لم تكن مؤامرة كونية تستهدف نظام الممانعة، بل كانت بحثاً عن الحرية والعدالة، كما أنّ فيروس كورونا ليس مؤامرة، فهو مرض قاتل، ما زالت أعداد ضحاياه تزداد يوماً بعد يوم.

ليفانت – ثائر الزعزوع

عندما سمع الكثيرون بانتشار فيروس كورونا كوفيد-19، أراحوا أنفسهم من عناء التفكير، وانساقوا لنظرية المؤامرة، التي ليست بحاجة لكثيرة تحليل وتأويل، إذ لا يريد العقل المستسلم ذريعة أسهل من المؤامرة، لزيادة الاستسلام، وإلقاء تبعات ما يحدث على الآخر، مؤامرة صينية .
تستهدف السيطرة على الاقتصاد العالمي، أو مؤامرة أميركية تستهدف القضاء على التوسّع الصيني في العالم، يمكنك اختيار أحد الاحتمالين، فيما يتناسب مع توجهك الفكري، وسوف تجد نفسك مرتاحاً، طبعاً، لن تحفل كثيراً بتوصيات الأطباء وتحذيراتهم، لأنك تعلم جيداً أنّ المؤامرة لا تستهدفك أنت شخصياً، و أنّ ما يشاع عن انتشار المرض ما هو إلا تهويل إعلامي، ربما يخفي خلفه مخططاً ما.

خذ مثلاً هذه الفرضية، كورونا هو مؤامرة على الإسلام، يهدف إلى إيقاف العمرة و الصلاة في المساجد، وهذا بالمناسبة كان معقول التصديق بالنسبة لجمهور واسع، لو أن الفاتيكان و معابد البوذيين، وسائر دور العبادة حول العالم لم تتوقف عن استقبال المؤمنين. ولو إنّ الـكورونا اقتصر على منطقة ما من العالم، أو على بلد دون سواه، فمن المؤكد أنه سوف يكون مؤامرة على ذلك البلد. لكن أن يستشري هكذا، وبهذه الطريقة المرعبة، فهذا ما جعل نظرية المؤامرة تتعثر، ويبدأ المؤمنون بها بالتراجع شيئاً فشيئاً، ويهرعون لشراء الكمامات، وأدوات التعقيم قبل أن تنفد من الأسواق.

الحقيقة إن نظرية المؤامرة لا تقتصر على شعوبنا، كما يظن البعض، إذ سمعت من فرنسيين أعرفهم، شيئاً يشبه ما نسمعه أو نتابعه من ردود أفعال على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قرر يوتيوبر فرنسي أن يحقق “سبقاً” حين ادّعى أنّ كوفيد-19 فيروس تمّ تصنيعه من قبل “معهد باستور” المتخصص في دراسة الفيروسات و الأوبئة.
ونال مقطع الفيديو الذي نشره ملايين المتابعين، حيث يشرح رؤيته لنظرية المؤامرة، مستنداً إلى ما يسميه حقائق، طبعاً كلها زائفة و لا دليل عليها، و قد ترجم مقطع الفيديو إلى العربية وحقق انتشاراً واسعاً أرضى أصحاب نظرية المؤامرة كثيراً. لكن المعهد الفرنسي الشهير اكتفى ببيان علمي موثّق، يدحض فيه كل ما جاء في مقطع الفيديو، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما قاله ذلك اليوتيوبر كلام فارغ لا قيمة له.
في سوريا، عام ٢٠١١ كتب مجموعة من الصبية على جدران مدرستهم عبارات تحاكي ما فعله ثائرون في أقطار عربية أخرى، فقال النظام و على الفور، هذه مؤامرة، تستهدف محور الصمود والممانعة، كذا إلى آخره، وهذا أسهل تفسير أو تحليل، فالعوامل الجويّة، أيضاً، قد تصير مؤامرة، الزلازل والبراكين، العواصف، ارتفاع درجات الحرارة، انقراض بعض الفصائل من الطيور والحيوانات، وكذلك الثورة، فليس أسهل من القول إنها مؤامرة، وساعتها لا ضرورة للتفكير بالأسباب التي دعت الناس إلى التظاهر ضدك، أو إلى المطالبة بحقوقها، الحرية مثلاً هي مؤامرة استعمارية، والديمقراطية حسب التأويل الإسلاموي والديكتاتوري، هي فتنة أو بدعة استعمارية، نعم الأمر بسيط بهذه الطريقة، وليس مرهقاً على الإطلاق، ما أسباب الثورة في سوريا؟ لا تبحث، قل إنها مؤامرة كونية، دول العالم كلها تشترك فيها لضرب «قلعة الصمود والتصدي»، وما زال النظام يردد الكلام نفسه منذ تسع سنوات وحتى يومنا هذا.

منذ أيام نشرت وكالة الأنباء السورية “سانا” خبراً عن تشويش متعمّد تتعرّض له بعض قنوات الإعلام الحكومي، وهي قنوات نسبة متابعتها بين السوريين الموجودين في سوريا تكاد تكون معدومة، فلماذا قد تتعرّض للتشويش؟ وما الخطر الذي قد تشكله؟ طبعاً لأن اعتبار الأمر مؤامرة يريح كثيراً من عناء التفكير في الحلول العلمية، أو الأسباب الحقيقية التي أدّت لذلك التشويش، فكيف استطاعت مؤامرة أن تقنع أهل درعا والبوكمال وعامودا وتل أبيض ودوما أن يشاركوا فيها؟ ويهتفوا بصوت واحد: “الشعب بدو حرية”.
في جانب الثورة أيضاً تأتي المؤامرة لتبرّر الخلل الذي تعرضت له الثورة، فالعالم كله متآمر مع النظام لضرب الثورة، نعم هذا الكلام مبرّر مناسب ليجنبنا البحث في الأسباب التي أوصلت الثورة إلى ما وصلت إليه. مؤامرة وكفى الله السوريين عناء التفكير، مع أن دراسة الأسباب قد تجنبنا الاستمرار الوقوع في الخلل والخطأ، فمن برّر للجماعات الجهادية المتطرفة، واعتبرها في وقت من الأوقات جزءاً لا يتجزأ من ثورة الشعب السوري، هو نفسه من يتحدث عن المؤامرة، ومن قبل أن يتلقى أوامر وتوجيهات من هذه الجهة أو تلك، هو نفسه من يقول إن ثمّة مؤامرة استهدفت الثورة.
من المؤكد أنّ دولاً وشركات قد تستثمر فيروس كورونا لتحقق أرباحاً ومكاسب، وهذه طبيعة الحياة، تماماً كما استثمرت دول وشركات ثورة الشعب السوري ومآلاتها، لتحقق أهدافاً بدت في الكثير من الأحيان تصبّ في خدمة الثورة نفسها. لكن الثورة لم تكن مؤامرة كونية تستهدف نظام الممانعة، بل كانت بحثاً عن الحرية والعدالة، كما أنّ فيروس كورونا ليس مؤامرة، فهو مرض قاتل، ما زالت أعداد ضحاياه تزداد يوماً بعد يوم.

ليفانت – ثائر الزعزوع

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit