عن أماني ووعد، وحقوق النّساء السوريّات

هنادي زحلوط
هنادي زحلوط

لأسابيع سبقت اليوم العالمي لحقوق المرأة، نشب جدال في الفضاء العام الافتراضي خصوصاً والحقيقي عموماً، حول الملابس التي ارتدتها كل من الدكتورة أماني بلور، والسيدة وعد الخطيب في مناسبة حفل توزيع جوائز الأوسكار. النّساء السوريّات

 

الدكتورة أماني حافظت على الزيّ التقليديّ الذي ترتديه كثير من النساء السوريّات، والذي كانت ترتديه أصلا في سوريا، وخلال تواجدها في مستشفى “الكهف” الذي استبسلت فيه في أداء واجبها لإنقاذ أرواح السوريين المحاصرين هناك وتخفيف جراحهم.

فيما ارتأت وعد الخطيب، أن تجعل من الاوسكار مناسبة لإبراز قيم ثورة لطالما آمنت بها وعملت لأجلها، فارتدت ثوباً طرّزت عليه بخيوط الحرير عبارة “تجرّأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة”.

كان يمكن أن نصفّق للسيدتين اللتين مثّلتَا سوريا أجمل تمثيل، وأضافتا على الأوسكار مسحة انسانيّة لم يسبق أن حملها أحد، كان بإمكاننا كسوريين أن نكتفي بالفخر بهما، واحترام خيار كل منهما في اختيار ملابسها، لكنّنا ما اعتدنا للأسف اعتبار ملابس المرأة كما هي “حريّة شخصية”.
ما زالت النساء السوريّات يكافحن ويناضلن لنيل مساحة أكبر في وجه ثقافة عامة سائدة مدعّمة بعادات وتقاليد، ومكرّسة في القوانين والدستور السوريّ، تشارك في صناعة هذه الثقافة المضادة لحقوق المرأة النساء كما الرجال, وتعزّزنها لدى الجيل الحالي، رغم أنّ النساء والرجال يعانون من قيود هذه الثقافة ومن ثقلها وعرقلتها لكافة مناحي الحياة.
الملفت كان تأويلات هذا اللباس، وربطه بالعلمانيّة أو بانتماء إسلامي سياسيّ، وهو ما عملت عليه مطولا تنظيمات عانى من قمعها السوريون الثائرون على امتداد التراب السوري، فقد ألزم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” النساء كما الرجال أيضاً بزيّ يكاد يكون موحداً، وأشرفت “الشرطة النسائيّة” للتنظيم على إجبار السيدات على ارتدائه ودون ذلك العنف والتهديد بالقتل، وشهدت مدن عديدة أبرزها الرّقة على هذا العسف الذي مورس ضدّ النساء السوريات، اللواتي أدركن أنّ هذا الاجبار يعني فيما يعنيه أنهنّ لا يمتلكن أجسادهنّ، وبالفعل قام التنظيم على إجبار سيدات وفتيات قاصرات على الزواج من عناصره وتحت التهديد، ورغم ذلك لم تنطفىء يوماً شعلة مقاومة هذا الفكر الظلامي القاتل. النّساء السوريّات

فيما فرضت جبهة النصرة -التي لم يعد سرّاً ارتباطها وولاؤها لتنظيم القاعدة- بداية ارتداء الحجاب في مناطقها، وأرهبت ناشطات الثورة السورية والصحفيّات، كما الصحفيّات الأجنبيات اللواتي قدمْن لتغطية الثورة ونقل أخبارها للعالم، وبدل أن تقدّم المدن الثائرة تجربتها الرائدة في تطبيق الحريّة والديمقراطية التي ناضل من أجلها مجتمعها المحلي، أرهبت النّصرة نشطاءها وصحفييها واعتقلتهم، وفرضت على نسائها ورجالها قوانينها المستوحاة من الفكر الظلامي ذاته، فيما واصلت النساء السوريات سعيهنَّ لبناء المدارس وتعليم الأطفال وإنشاء المراكز الثقافيّة والأنشطة المتنوّعة وهنَّ يَعين أي خطر يواجهنّ.

 

لم تكن القضية بالمطلق قضية ملابس وزي، بل كانت كما هذه الثورة، قضيّة حقوق وحريّات، فعندما يفرض على المرأة زيّ ما، فهذا يعني أيضا أنها مقيّدة فيما يتعلّق بحق الانتقال والتنقل, وحقّ السفر والعمل، وبأنها أصبحت أيضا مهدّدة في حقها بالحياة.

لا أعلم ان كان المنظّرون لملابس أماني ووعد يدركون حقّاً بأنّهم يهدّدون هاتين السيدتين, ويشاركون في ذات السلوك القمعي الذي مارسته داعش والنصرة، التي يدّعي معظمهم معاداتهما.

لكنّني أعلم أنّ جمهور الثورة، الذي دافع عن قيم الحرية والكرامة، وبذل من أجلها التضحيات، ولم يندم، مطالب بأن يحمي مسيرة نضاله ويبقى منسجماً مع تاريخه، ويدافع بالتالي عن حقّ هاتين السيدتين البطلتين حقّاً، وبجانبهما حقّ كل النساء السوريات اللواتي يطمحن لغد حرّ كريم ويضحين من أجله. ليفانت

ليفانت – هنادي زحلوط