زوجتي تقود العالم | The Levant

زوجتي تقود العالم

إبراهيم اليوسف
إبراهيم اليوسف

أعترف إنني أحد أكبر الخاسرين من جرّاء انتشار جائحة كورونا الوبائية، إذ إن الإجراءات التي قامت بها أم العيال في البيت سبقت الإجراءات التي قامت بها أنجيلا ميركل مستشارة البلد الذي لجأنا إليه، حيث إنني-شخصياً- ماكنت لأصدق أن المدعو كورونا قادر أن يخترق هذا الحصن الأوربي العتيد.
لذلك فقد كنت أخصص يومي العطلة الأسبوعية للقيام بالواجبات الاجتماعية، على امتداد النهار وأثناء الليل، أو أستقبل بعض أصدقائي الضالين، أنّى أتيح لنا ذلك. حيث اشتقت إليهم، وبات جرس الباب الخارجي لايرن، بعد التهديد بالغرامات الباهظة. زوجتي تقود العالم

ما أجمل الأمس، إذ كنت أحضر اللقاءات الثقافية، أو حتى السياسية. أستقلّ باصات النقل الداخلي بمفردي، بعد أن ضعت مرات عديدة، وكنت أعتمد على خصيصة موقع في هاتفي فيأتي بعض أفراد أسرتي، أو أقربائي، أو أصدقائي للوصول إلي في زمن قياسي ليعيدوني إلى البيت، يلتفّ حولي جميعهم، أسرد عليهم كيفية ضياعي. غير أنّ ذلك كله غدا في عداد التقاليد المهددة بالانقراض، إذا ما استمر الخطر الكوروني المحدق بنا.

ثمة تقاليد افتراضية كانت تطبق من لدن أم العيال وحدها، وبات كورونا يؤكد صدق رؤيتها. بعد نظرها الثاقب، إذ لم يتغير علينا أي شيء، من جهة التعقيمات البيتية، بل إن جميعها كانت تطبق من قبل ربة البيت ذاتها، و كنا نضطر إلى تنفيذ جزء منها، طوعياً، وهو الحدّ الأدنى المقبول، بيد أننا لطالما كنا نتملصّ من تطبيق أجزاء أخرى، وهاهو الفيروس اللعين يتآمر علينا، ويبين أننا كنا على خطأ، وأن أم العيال قد كانت على صواب، عندما كانت تردد على مسامعنا وصفتها المبالغ فيها في عالم الحيطة والحذر، لاسيما بعد أن أتت إلى هذا البلد، ورأت الكلاب تسوح على هواها، وتحت أمرة كل كلب سيدة أو سيد. أول ما فعلته هو أنها باتت تمتنع عن استخدام المصاعد -ما استطاعت- إذ إن الكلاب تبقى مصدر وباء، وفيروسات، مهما تمّ تعقيمها، لأنها لا تظهر.

عبثاً، حاولنا إقناعها بأن مصدر وباء كورونا هو الخفاش والأفعى، أو لربما هو نتاج حرب بيولوجية، لاسيما إن البلدان الكبرى باتت تتبادل الاتهامات، بل تتقاذفها، فكل منها يرى أن الآخر وراء حرب بيولوجية، لدواع تجارية، أو اقتصادية، أو سياسية، بل لأجلها مجتمعة، بينما هي تصرّ على أن للكلاب علاقة بهذه البيئة. أول مافعلته هو أنها تضع أقصى الترتيبات في مواجهة أحذيتنا المتهمة بنقل الجراثيم الكلبية، حيث إنّه في هذه البلاد ثمة من يتمخط، أو يتبلغم أرضاً، وتظلّ هذه الخثرات على مرمى بصر المارة، في الطرقات، أو حتى على درج المباني، ناهيك عن أن أيدينا لابد من تعقيمها فور دخول البيت.

لقد مسستم درابزينات المباني، أو مساند وأبواب الباصات والأمكنة التي زرتموها، أو أن كلاباً كانت معكم في الباصات، لذلك فقد دخلت معقمات “الجيل” حياتنا منذ أن غادرنا البلاد، بما يكاد يقارب عشر سنوات، حيث كانت الحال على هذا النحو في محطتنا السابقة، الإمارات التي استفزّها منظر امرأة أوربية وخادمتها الآسيوية وهما تدخلان كلبين إلى مصعد البناية، ماجعلها  تغادره في نصف الطريق،  لتعتمد على الدرج، تصعد إلى الطابق العاشر، وتنزل عبره:

_”إنك مريضة وتتعبين.

_لا إأنها رياضة”.

ثمّة سبق سجلته أم العيال  على دول الاتحاد الأوربي، وأمريكا، إذ إنها بعيد قفز الجائحة من الصين إلى إيران، قالت: إنها تستهدفنا، ولاأحد منا في منجى منها، وفي كل يوم كانت تسأل أولادها وبناتها: “هل أصدرت ميركل فرمانها لتطبيق الوقاية، والحجر الصحي؟”. كانوا يقولون لها: “ألمانيا واثقة من نفسها، ولديها ما يكفي من لقاحات وأمصال”، إلا أنها صارت تسجل ملاحظاتها الجادة على لامبالاة المستشارة، وتقول: “ليتني أوصلت لها صوتي حتى أنبهها عن الأخطار المحدقة”، من دون أن تنسى عبارتها المتكررة، كلما تابعت نبأ جديداً عن الكورونا: “نحن السوريين هربنا من حرب بلدنا فوقعنا في حرب بلاد العالم”.

يقول أيان، أصغر أطفالنا: “غداً، سيقول بشار الأسد كورونا من إنتاجنا، لكن الصين وإيران صديقتا الأسد ودعمتاه كما روسيا”. زوجتي تقود العالم

ترد عليه أمه: “افتحوا النوافذ”.

تقول أم العيال: “ثمة عاصفة في الخارج، و لقد فتحنا النوافذ والأبواب خمس مرات منذ الصباح وحتى الآن”.

“أمي حريصة على شعبها كأنها رئيسة جمهورية، أمنا جديرة أن تكون قائدة، أنا أرشحها لرئاسة العالم”.

تقع عيناي على البخاخات المصفوفة إلى جانب بعضها بعضاً، على الطاولة الصغيرة قرب الباب، لكل منها وظيفتها. إحداها لتعقيم مدخل الشقة، والأخرى لتعقيم مقابض الأبواب والنوافذ، والثالثة لتعقيم أرضية البيت، والأخرى لتعقيم المجلى، والأخرى لطرد فيروسات الشر من الغرفة، كما إنها قد وضعت شرائح من بصلة مقطعة في أكثر من ركن من البيت، بالإضافة إلى توزيع البصل والثوم والكركم وحبة البركة واليانسون والليمون والزنجبيل على أطعمتنا، ومشروباتنا.

“احتياطياتك الوقائية بمثابة كتيبة كاملة”، تقولها ابنتنا من أربيل على السكايب. مردفة: “أعان الله أبي الذي يعيش تحت سلطتها”.

يرد ابننا الكبير، ضاحكاً- ليمرر عبارته- وهو يسكن البناية المجاورة ولم يسمح له ولأخوته بزيارتنا من أسبوعين، أي قبل أن يتم الحديث عن ضرورة الوقاية في الإعلام الألماني.

“عمتي تقدم لنا نصائح مهمة”، تقولها إحدى كناتنا على السكايب.

“أنا أنفذ ماتقول”، تقول زوجة أحد أبنائي.

“ندمت، لأنني لم أطبق تعليماتها منذ أول يوم”. تقولها إحدى كناتنا.

“لكننا اشتقنا لولائم أمنا آخر الأسبوع”، يقولها أحد أبنائنا.

“أمنا أكثرمن استفادت من كورونا، فهي ترسّخ سلطتها الافتراضية علينا، و على كل منا في بيته، وحتى على بعض أخواتنا وأهلنا في بعض قارات العالم التي تتوزع السوريين، بعد الحرب عليهم، لكنها ناجحة”، تقولها ابنتنا الصغيرة،

تعيش حماتي

تعيش حماتنا

تعيش ماما

تعيش ماما

تعيش الدكتاتورة

أقولها-مازحاً- وأنا أفكر في مرحلة  مابعد كورونا، وأسأل: أيعقل أن تظلّ هذه العادت القاسية متبعة؟

مابعد كورونا عنوان جميل، هل سنعيش هذه الفترة؟

إنه  عنوان مقال لي، لقد سئمت مرحلة الاستعمار الكورونالي، لأن أمكم تعيش عصرها الذهبي، إذ صرت تحت مرمى عيون مراقبتها المباشرة، فهي ماعادت تلاحقني بهاتفها:

“أين أنت؟

صوت من هذا؟

إنها امرأة تجلس على الطاولة المقابلة في المقهى

افتح الكاميرا”.

أبحث عن طاولة فارغة لأجلس وأفتح الفيديو فلا أجد.

ميركل تدفع ضريبة استخفافها بكورولا فهاهي تدخل الحجرالصحي. إنها نقاهة ولاشيء عليها، فهي أنقذت حياة مليون سوري في استضافتهم في  بلدها و حتى في غيره.

تنصرف أمهم إلى أدعيتها، السلاح اللامرئي، في جبهة صمودها وتصديها ضد الكورونا: زوجتي تقود العالم

“لاأتمنى حتى لأعدائنا أن يصابوا بهذه الآفة، أخشى أن تكون نهاية العالم، وندفن في هذه الأرض الغريبة”.

“لاتخافي، سنعود سالمين إلى وطننا، وستقودييننا هنا يا ماما”، تقولها ابنتي الكبرى.

“ماما أعظم قائدة في العالم!”.

ليفانت – إبراهيم اليوسف ليفانت

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

زوجتي تقود العالم

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك

قناتنا على اليوتيوب