عدنان منصور
عدنان منصور

رسالة أمريكي عند نيران أول نوروز بعد انتهاء داعش: لا بدَّ أن نبقى أكثر هنا

عند نيران نوروز من عام الكوارث، على تلّة في أقصى البلاد، يقف صديقي ذو الصّبغة القمحيّة على وجهه، المائلة للبياض، بلحية مشذَّبة ووشوم ملأت زنديه، يتأمل الـ20 من مارس، يشاهد وفي عينيه لمعة دهشة لاحظتها، وقد أطفأ بريقها، حوار سابق على طاولة بيضويّة في مدينة شهدت مقتل شبّان وأطفال ومسنين جنوب الحسكة، على يد ظلاميي العصر لتتآخى الأحداث مع نوروز الأول قبل 2720 عاماً من الآن وفق التقويم الكردي. انتهاء داعش

كان السّواد يحيط بنا، فيما ينتشر النُّور بشكل مبعثر، منبعثاً من النّيران الموقدة بإطارات دأب السكّان في شمال وشرق سوريا على جمعها قبيل أسابيع بل حتى أشهر، من عشيّة الاحتفاليّة الرسميّة التي يشارك فيها أبناء الشّعب الكردي في كافة أصقاع العالم.

احتفاليّة هذا العام لم يكن فيها الكرد وحيدين، إذ كان الحدث مختلفاً، جَمعَ الكرد بقوات التحالف الدولي، فيما وفد على الاحتفالات أقرانهم من أبناء مكونات المناطق المحررة في العام الأخير، بعربهم وسريانهم وآشورييهم وشركسهم، فالجغرافيا اليوم ارتسمت بدماء آلاف المقاتلين والمقاتلات، ممن خطفت الحرب ضد الظلم أرواحهم التي كانوا أعدّوها سابقاً لمثل هذه الأيام، فلا تزال الصورة ترتسم أمام عيني لذلك القائد المقاتل الذي قال: “أخبروا أطفالكم إنّي قدّمت روحي لأجلب لهم الحرية”.

هؤلاء الأطفال كانوا يشبكون أيديهم بأيادي الكبار، ممن شكّلوا حلقة للدبكة، وفي الزاوية الأخرى يسحب بعضهم، مواطنين من مكونات أخرى، حضروا عشية العام الجديد للمشاركة والرقص وعبور النار قفزاً، وصديقي الأمريكي لا يزال ينظر، فالمشهد خطف جلَّ وقته، ليمدّ عنقه وجزءاً من جذعه ويهمس لي: “أظنكم تعرفون كيف تصنعون الربيع”، ويكمل: “لتخلد أرواح الشهداء من مقاتلين ومقاتلات في سلام، لو لم يفعلوها حينها لما كنا اليوم نقف على هذه التلة التي كانت ذات يوم جزءاً من مشهد الحرب قبيل الباغوز ليتشابه المشهد الآن مع مشهد الانتصار على أزدهاك”.

على الطاولة البيضوية أستذكر كلمات كتبها في عجالة، أثارت غبطتي، حينما حوّل نقاش دقائق إلى مقال مقتضب، هذ القادم من خلف المحيط الهادئ، إلى لا هدوء الأرض، أتى برفقة قوات التحالف الدولي التي لا تزال إلى اليوم تؤكد شراكتها مع قوات سوريا الديمقراطية، مستغلة المناسبة تلو الأخرى ومنتهزة الفرص لتكرار التأكيد على الشراكة في قتال تنظيم داعش، أعتى قوة راديكاليّة، اتخذت من الناس البسطاء حصان طروادة، لتعيث فساداً في المجتمعات، فكراً وجغرافية وتاريخاً وأمناً واقتصاداً وإدارة وحتى الخدمات.

في الجانب الآخر من مشهد التشارك بين مكونات المنطقة المختلفة والقوات العسكرية وقوات التحالف الدولي حسم الأخير قراره بإلغاء احتفالات كان يعدّ لها، إلا أن الخصم هذه المرة كان الوباء الجديد، جوكر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كورونا الذي حمل في داخله داعشاً آخر، دون منطق ودون سابق إنذار، يشبه تفجيراتهم وخلاياهم وعملياتهم، يمنع الفرح ويجلب الظلام.

يختلس صديقي الأمريكي بضع دقائق أخرى وهو يغادر ملتفتاً في كل حين وراءه، فيما عشرات بقع النور والفرح تمتد أمامه على مدّ نظره. يلتفت ليشاهد ما الذي سيحدث، تغيّرت الموسيقى بشكل مفاجئ، اقتربت منه قائلاً: “الآن بدأ الاندماج وظهرت الشراكة وتآخي الشعوب، إنها المكونات ترقص وتدبك على أنغام تظهر أصالة مكوناتها”، نظر الأمريكي بعيداً، واختتم: “لا بدّ أن نبقى أكثر من كل ما مضى ونحتفل في صمت”. انتهاء داعش

مضى منتشياً، ينتظر الغد، يريد أن يرى يوم التجديد، ويستذكر خلالها 5 أعوام من الحرب ضدّ كل القوى التي استغلت سكان المنطقة لضرب مكوناتها، لا يزال ينتظر يوم غد كما ينتظره الجميع، فيما نشوة من عرف الظلم وانتصر عليه تسبق وتزيد منذ زمن كاوا الحدّاد وما قبله. ليفانت

ليفانت – عدنان منصور

شاهد أيضاً

نوبة هلعي الأولى

نوبة هلعي الأولى

شاهدت اليوم تقريراً عن شابة وشاب تزوجا في لبنان، أمر طبيعي يحدث كل يوم لكنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.