الوضع المظلم
الإثنين ١٦ / مايو / ٢٠٢٢
Logo
  • تركيا المُغترة بقوّتها .. بماذا ستنفعها أمام كورونا؟

تركيا المُغترة بقوّتها .. بماذا ستنفعها أمام كورونا؟
تركيا المُغترة بقوّتها .. بماذا ستنفعها أمام كورونا؟

إعداد وتحرير: أحمد قطمة


في الوقت الذي تكافح دول العالم فيه بغية مواجهة فيروس كورونا القاتل، اعتبرت وجهات نظر الكثير من الناس أنّ الفيروس فرصة جديدة للإنسان للتفكر في المظالم التي صنعها بحق غيره من البشر، ولعلّ الجانب التركي الذي نشر (وفق كثير من المتابعين) فساداً كبيراً خلال السنوات العشر الأخيرة، في مختلف الإقليم المحيط به، مدعوٌ أكثر من غيره إلى إعادة ضبط خياراته، بما يتماشى مع القيم الإنسانية، والترفّع عن استخدام القوة العسكرية التي يمتلك منها الكثير بحقّ الشعوب المحيطة به من العرب والكُرد والأرمن واليونان وغيرهم، لكن تلك القوة العسكرية لن تتمكن من مواجهة فيروس غير مرئي، وكأنها رسالة إلى المتجبرين للحدّ من جبروتهم. تركيا 


ورغم ذلك، يبدو أن الجانب التركي قد لا يأخذ بالرسالة على ذلك المنحى، وربما يفسرها وفق ما يراها مريدوه من كونها عقاباً إلهياً بحق المناوئين له، لتتواصل العنجهية التركية في التعامل الفوقي مع باقي الملل والأديان، وربما منها تأتي حالة الإنكار التركية، الساعية إلى إخفاء حقيقة انتشار الفيروس داخله، لتبقى الأعداد الحقيقة للمصابين طيّ الكتمان، وربما تتمكن الأيام القادمة من كشف حقيقة انتشاره من عدم حقيقته.  تركيا 


الإعلان الأول للإصابة وتناميها


كان الإعلان الأولي للسلطات التركية عن تسجيل الإصابة بفيروس كورونا على أراضيها في العاشر من مارس، وهو إعلان متأخّر مقارنة مع غيرها من الدول، رغم أن تركيا معروفة بحركة الطيران النشطة التي تمرّ عبرها باتجاه أوروبا أو إيران والشرق الأوسط، وهو ما نُظر إليه بعين الريبة والشك، حول احتمالات إخفاء السلطات التركية لحقيقة انتشار الفيروس، لعدم رغبتها في تعطيل حركة الاقتصاد الذي يعاني ما يعانيه، وتكبّد الكثير من الخسائر وفقد قسطاً وافراً من قيمته خلال السنوات الأخيرة، نتيجة السياسات الخارجية لأنقرة، وشنّها مجموعة عمليات عسكرية في سوريا وليبيا، واستنزاف مواردها في دعم جماعات أخرى في مجموعة بلدان كالصومال وأثيوبيا ومصر وغيرها، حيث تصدر تقارير دورية من بلدان مختلفة عن التدخل التركي في شؤونها الداخلية، وهو ما يضع إشارات استفهام حقيقة حول طبيعة تلك المساعي، ومدى جديّة أنقرة بأحلام استعادة العثمانية، ومخاطر ذلك على الدول التي يجري التدخل فيها تركياً.


وعلى العموم، منذ ذلك الحين، بدأ الجانب التركي بإصدار تحديثات متتالية لأعداد المصابين بالفيروس والضحايا الذين يفقدون حياتهم جرّاءه، وفي السادس عشر من مارس، ازداد تعداد المصابين بالفيروس إلى 47، وهي زيادة أدّت إلى اشتعال مخاوف عائلات السجناء السياسيين، ولا سيما أولئك الذين يعانون مشاكل صحية، على سلامة ذويهم المحتجزين، بعد أن صرّح وزير العدل عبد الحميد غول، أن جميع الزيارات العائلية ستعلّق، لمدة أسبوعين، في محاولة لمنع انتشار عدوى وباء فيروس كورونا. تركيا 


مخاوف عقّب عليها في الثامن عشر من مارس، القيادي الكردي صلاح الدين دميرتاش، الذي طالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالشفافية ومصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع المتعلقة بانتشار فيروس كورونا وعدم إخفاء المعلومات، حيث قال الرئيس المشترك الأسبق لحزب الشعوب الديمقراطي في تغريدات من سجنه: "في هذه الأوقات الصعبة، على المجتمع بأكمله أن يعمل بأقصى درجة من التضامن والتعاون لمكافحة الوباء".


وطالب المعارض الكردي بإتاحة جميع أنواع العلاج مجاناً في المستشفيات الحكومية والخاصة لمواجهة الفيروس، وكذلك بـتوزيع المواد الغذائية الأساسية ولوازم التنظيف والأدوية والمستلزمات الطبية على جميع المحتاجين مجاناً، وتقديم ما يكفي من الكهرباء والمياه والغاز الطبيعي والإنترنت والهاتف مجاناً، ودعا إلى منح موظفي القطاعين العام والخاص إجازة مدفوعة الأجر، ودفع إعانات البطالة لجميع العاطلين عن العمل، وتأجيل جميع الضرائب والرسوم وإيجارات التجار في أماكن العمل.


ملاحقة الناشطين في محاربة كورونا


لكن تلك الدعوات التي أطلقها دميرتاش، يبدو أنه من الصعب تلبيتها، ولو كان دميرتاش خارج السجون التركية ودعا إليها، لكانت غالباً ستكون سبباً كافياً لإيداعه السجن، كحال العشرات ممن أعلنت وزارة الداخلية التركية في الواحد والعشرين من مارس توقيفهم، إثر نشرهم منشورات وصفتها السلطات بـ "مستفزة ولا أساس لها" عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتعلق بفيروس كورونا المستجد، حيث قالت الوزارة عبر تويتر: "وجدنا 242 شخصاً يشتبه بأنهم نشروا عبر وسائل التواصل الاجتماعي منشورات مستفزة ولا أساس لها تتعلق بفيروس كورونا، وتم توقيف 64 شخصاً". تركيا 


ولم تقتصر الملاحقة على الناشطين، بل طالت كذلك الصحفيين، ومنهم إسماعيل تشيكيل، رئيس تحرير صحيفة "سيس" الصادرة في مدينة كوجالي الحدودية مع مدينة إسطنبول، والذي نشر خبراً عن وفاة مواطنين جرّاء إصابتهما بالفيروس القاتل بإحدى المستشفيات في بلدة دارينجه، إذ جرى اعتقاله ضمن سياسة التعتيم والتكتم التي تطبقها حكومة حزب العدالة والتنمية في هذا المضمار.


فيما اتهمت المعارضة التركية، الحكومة بالتقصير، فقال آيطون تشيراي النائب البرلماني عن حزب "الخير" المعارض، في الثالث والعشرين من مارس: "ما زلتم متأخرين، وتعجزون عن اتخاذ تدابير شاملة لحماية البلاد من انتشار كورونا"، وأضاف تشيراي قائلاً: "لقد تأخرتم في وقف الرحلات الجوية إلى كل من إيران وأوروبا، ومقارنة ببقية الدول تأخرتم كثيراً في التحوّل مع هذا الوباء، وفشلتم في هذا"، وتابع: "نعم تأخرتم في كل شيء، تأخرتم في تعليق منافسات الدوري، وفي غلق المساجد، وفي إجراء التحاليل اللازمة للكشف عن الفيروس".


وهو ما يبدو أنه كان مقنعاً لدى "اتحاد الأطباء الأتراك" (الجيش الأبيض)، الذي طالب الرئيس رجب طيب أردوغان بالتزام الشفافية فيما يخص حقيقة تفشّي فيروس كورونا المستجد بالبلاد، وحذر من مخاطر التعتيم وإخفاء الحقائق، ما دفع رئيس اتحاد الأطباء الأتراك سنان آديامان، لتوجيه خطاب إلى وزير الصحة فخر الدين قوجة، شدد فيه على ضرورة الوضوح فيما يخص أرقام وفيات وإصابات الفيروس القاتل، وقال آديامان في خطابه: "من حق الشعب التركي أن يعرف حقيقة الأوضاع كما هي دون إخفاء أو تعتيم، حتى ندرك الأبعاد الحقيقية للمشهد المأساوي الحالي جرّاء تفشّي الفيروس بشكل كبير"، محذراً من أن التعتيم والإخفاء سيؤديان حتماً إلى توجه الأتراك لأخبار خاطئة مضلّلة ستبث الذعر في نفوسهم. تركيا 


الهروب إلى الأمام


لكن الدعوات المتتالية من قبل المعارضة التركية والمختصين، لا يبدو أنها قد نفعت مع السلطات التركية التي اختارات الهروب إلى الأمام واستخدام إسلوب الرئيس الأمريكي في تحديد فترة زمنية مستقبلية لإيقاف الفيروس، دون اتخاذ إجراءات حقيقة تساهم في فرض حظر صحي شامل، مُرافق بوضع كافة إمكانات الدولة العسكرية والاقتصادية في سبيل مواجهة الفيروس، بدل من الاستهار به وبأرواح شعبه، حيث يختار حاكم أنقرة مواصلة الخوض في سياسات توسعية قائمة على منطق القوة وليس قوة المنطق، حيث يغيب المنطق من السياسة التركية الخارجية، التي باتت أوصاف (الاستعلائية، التوسعية، الاستعمارية) هي الأقرب إليها.


وعليه زعم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في الخامس والعشرين من مارس، أن بلاده ستتغلب على تفشي فيروس كورونا خلال أسبوعين أو 3 أسابيع، وذلك عقب أن قال ترامب قبله بيوم: "سنحاول هزيمة فيروس كورونا بحلول عيد الفصح الشهر القادم" (12 أبريل القادم). تركيا 


لكن الأخبار السيئة ربما لم تأتي من الداخل التركي لأردوغان، بقدر ما هي من واشنطن، التي أضحت الأولى عالمياً في انتشار الفيروس متجاوزة الصين وإيطاليا، وفاق فيها تعداد المصابين الـ 140 ألف، حيث جاءت التوقعات الجديدة لترامب بوفاة 200 ألف أمريكي جراء الوباء، فهل سيواصل أردوغان السير على خطى قدوته، ويعلن أن الأتراك سيفقدون عدداً قد يصل إلى 10 آلاف وربما أكثر أو أقل، أم إنه سيعيد حساباته، ويعتبر البلاء الذي حلّ بالأرض، رسالة سماوية، كما يُحب أن يفسرها هو وأنصاره في العادة، ويُقرّر عقب ذلك أن يكفّ عن تغذية حمّامات الدماء في محيطه، وأن يمدّ يده للسلام مع الكُرد في تركيا، وينهيّ أكثر من أربعة عقود من الحرب الأهلية، وقرناً من المجازر بحقهم، ويعتذر للشعب الأرمني ويقولها بصدق لهم، أن أجداده ارتكبوا مجازراً بحقّ أجدادهم. وأنه قرر الانسحاب من سوريا، وترك إدارة شؤونها لأبنائها، وهو ما سيكون كفيلاً بعودة العقلاء من المرتمين في الحضن التركي إلى رشدهم والتواصل مع باقي السوريين لرسم خريطة حلّ، تضمن بناء سوريا جديدة لكل أبنائها. ويُقرر كذلك الانسحاب من ليبيا وترك أبنائها لحلّ خلافاتهم على أسس وطنية، لا تفرق على أساس القبيلة واللون والاتجاه؟. ليفانت


ليفانت

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!