“بينيات” صديقي “الباسكي”

ثائر الزعزوع
ثائر الزعزوع

عن الباسكيين، وبحكم اهتمامي الكبير بالرّياضة، كنت أعلم أنّ فريق أتلتيك بيلباو الباسكي، وهو أحد الفرق المهمة جداً في إسبانيا، لا يتعاقد مع لاعبين ليسوا باسكيين، أو ليسوا من أصول باسكية، ولم يكن الموضوع صراحة، يثير فضولي لأعرف ما سبب ذلك الأمر، ولماذا يبدو الفريق متشدداً في هذه التفصيلة، علماً أنّ فريق ريال سوسييداد هو أيضاً فريق باسكي، لكنه ليس متشدّداً فيما يخص التعاقد مع اللاعبين، فتجد فيه لاعبين من مختلف الجنسيات. لكنّ اللاعبين الباسكيين يلعبون في المنتخب الإسباني، ويستطيعون اللعب في أندية ليست باسكيّة. الباسكي

في فرنسا، شاءت الصدف أن يكون البروفيسور الذي سيتطوّع لتعليمي اللغة الفرنسية باسكيّاً، لكنّه باسكي فرنسي، وهذه معلومة جديدة جداً بالنسبة لي، سأعرف بعد ذلك أنّ هناك إقليماً فرنسياً كاملاً اسمه إقليم الباسك، بل إنّ الفرنسيين يطلقون عليه تسمية “بلاد الباسك”. يحمل البروفيسور الذي سوف يصير صديقاً مقرّباً جداً، اسمين اسمه الفرنسي برنار، واسمه الباسكي بينيات، زوجته لا تناديه إلا باسمه الباسكي، عمل برنار أو بينيات سنوات طويلة موظّفاً في الحكومة الفرنسيّة، ووصل إلى منصب أقرب إلى وزير، وبعد تقاعده قرّر أن يتطوع في أحد المراكز لتعليم اللغة الفرنسية للأجانب، يبدي تعاطفه منقطع النظير مع المأساة السوريّة، وقد فوجئت به مرّات يبكي متأثّراً حين يرى صورة ما، لذلك صرت أحرص فيما بعد، ألّا أعرض أمامه تلك الصور التي تصلني من سوريا. الباسكي

عام 2018 دعانا زوجتي وأنا لمرافقته في زيارة إلى “بلاد الباسك” حين وصلنا، فوجئت بأنّ اللغة التي يتحدّثها السكان المحليون هي لغة أخرى غير اللغة الفرنسية، وأنّ أسماء الشوارع والمحلات مكتوبة باللغتين، اللغة الفرنسية، واللغة الباسكية، لا تختلف “بلاد الباسك” في شيء عن باقي المدن الفرنسية، فهي تتمتّع بالتنظيم نفسه، الشرطة هناك هي من أبناء المنطقة الباسكيين، ويدرس الطلاب في المدارس اللغتين الفرنسية والباسكية، وهم مواطنون فرنسيون يتمتّعون بحقوق ثقافيّة وسياسية كاملة، لا ينقصها كونهم باسكيين. تحترم الدولة خصوصيّتهم، ولا تفرض عليهم شروطاً كي يكونوا مواطنين في الدولة، لديهم نوّاب برلمانيون، ومدنهم الساحلية تعتبر من أهم المقاصد السياحيّة في فرنسا، ويمكن ملاحظة الحالة الاقتصاديّة الجيدة في مدينة مثل بياريتز أو أنجليت اللتين تطلّان على المحيط الأطلسي.

صديقي الباسكي يحفظ التاريخ الفرنسي جيداً، لكنّه لا يحب الجبنة الفرنسيّة التقليديّة كثيراً، هو يفضّل عليها جبنة “بلاد الباسك”، يقول إنّ جبنة “بلاده” أفضل، لأنّ المراعي هناك أفضل، ويمكنك أن تجد في المحلّات الكبرى في جميع المدن الفرنسية الجبنة الباسكية، واللحم المقدّد الباسكي أيضاً، وستجد أنه كتب عليها “فرنسا‪/‬بلاد الباسك”. الباسكي

والآن، يحتفل جمهور الثورة السورية، بالذكرى التاسعة لانطلاق الثورة، سوف لن أتوقف عند الخلاف المعروف، حول اليوم الذي اندلعت فيه الثورة، هل كان 15 أو 18 آذار، لكن المهم بالنسبة لي هو ما وصلنا إليه من حالة مأساوية بكل ما تحمله كلمة مأساة من معانٍ ودلالات، فالثورة التي حملت تسمية ثورة الكرامة تشتّت كثيراً، وفقدت بوصلتها كثيراً، لأنّ أجندات كثيرة رسمت لها وهي في طريقها للبحث عن كرامتها، فهي لم ترسم خطة لمشروعها الوطني السوري حتى يومنا هذا، وما زالت معلّقة في زحام شعارات بالية، فسوريا “قلب العروبة النابض” تلك التسمية التي يتفاخر بها النظام، لا تستطيع العثور على هوية وطنية سورية حتى يومنا هذا، فالسوري، لا يعلم بعد كيف يكون سورياً، وكنت أشرت في مقالة سابقة “ليڤانت يونيو 10, 2019” إلى هذه المعضلة التي نواجهها، لدى سؤالنا عن هويتنا السورية، أو لدى بحثنا عنها، فنحن نتهاوى بين مشاريع لا ندري حقّاً كيف تنشأ، أو إلى أين تذهب، نصرّ على مصطلحات بالية، ونريد تسويقها الآن، قد تبدو هذه العبارات انفعاليّة، هذا صحيح، لأنّ شعوراً بخيبة الأمل يعتري السوريين كلهم، وأقصد تحديداً جمهور الثورة، إذ لا أفق لهذا الانتظار الطويل، سوى تعليل النفس بعبارة أنّ الثورة سوف تنتصر، ولكن لا أحد يمتلك الجرأة على اقتراح حلول شجاعة. الباسكي

منذ أيامٍ دعا أحد الناشطين السوريين إلى توحيد قوى السوريين عرباً وكورداً و تشكيل قوة وطنية سورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالنظام يترنّح منذ سنوات، وصار ألعوبة بأيدي مشغّليه والأوصياء عليه وهذه حقيقة، لكنه بالمقابل لن يجد قوّة قادرة على إزاحته، فالجهود السوريّة تضيع سدىً، لأنّها متفرقة، ولم تجد مشروعها الوطني بعد، والأهم أن جميع تلك القوى السورية ترتبط بشكل أو بآخر بجهات خارجية تديرها، أو تسيّرها إيديولوجيّاً. لماذا لا نستفيد من تجارب غيرنا من الشعوب، ونتخلّى عن شعارات جوفاء لن توصلنا إلّا إلى مزيد من التردّي والضياع؟.

علّق أحد الأصدقاء على أحد منشوراتي متسائلاً: “هل لديك ميول كوردية”، فقلت له: “بل لديّ ميول سورية”، فلتكن مناطق شمال سوريا “بلاد الكورد” ضمن مشروع وطني سوري جامع، ولماذا لا نفكر بهذا الاحتمال؟ هل لأنّ رأس النظام، الذي ثار ضدّه السوريون، قال بأنّه لا وجود لقضية كوردية في سوريا؟؟

ليفانت ثائر الزعزوع

عن الباسكيين، وبحكم اهتمامي الكبير بالرّياضة، كنت أعلم أنّ فريق أتلتيك بيلباو الباسكي، وهو أحد الفرق المهمة جداً في إسبانيا، لا يتعاقد مع لاعبين ليسوا باسكيين، أو ليسوا من أصول باسكية، ولم يكن الموضوع صراحة، يثير فضولي لأعرف ما سبب ذلك الأمر، ولماذا يبدو الفريق متشدداً في هذه التفصيلة، علماً أنّ فريق ريال سوسييداد هو أيضاً فريق باسكي، لكنه ليس متشدّداً فيما يخص التعاقد مع اللاعبين، فتجد فيه لاعبين من مختلف الجنسيات. لكنّ اللاعبين الباسكيين يلعبون في المنتخب الإسباني، ويستطيعون اللعب في أندية ليست باسكيّة. الباسكي

في فرنسا، شاءت الصدف أن يكون البروفيسور الذي سيتطوّع لتعليمي اللغة الفرنسية باسكيّاً، لكنّه باسكي فرنسي، وهذه معلومة جديدة جداً بالنسبة لي، سأعرف بعد ذلك أنّ هناك إقليماً فرنسياً كاملاً اسمه إقليم الباسك، بل إنّ الفرنسيين يطلقون عليه تسمية “بلاد الباسك”. يحمل البروفيسور الذي سوف يصير صديقاً مقرّباً جداً، اسمين اسمه الفرنسي برنار، واسمه الباسكي بينيات، زوجته لا تناديه إلا باسمه الباسكي، عمل برنار أو بينيات سنوات طويلة موظّفاً في الحكومة الفرنسيّة، ووصل إلى منصب أقرب إلى وزير، وبعد تقاعده قرّر أن يتطوع في أحد المراكز لتعليم اللغة الفرنسية للأجانب، يبدي تعاطفه منقطع النظير مع المأساة السوريّة، وقد فوجئت به مرّات يبكي متأثّراً حين يرى صورة ما، لذلك صرت أحرص فيما بعد، ألّا أعرض أمامه تلك الصور التي تصلني من سوريا. الباسكي

عام 2018 دعانا زوجتي وأنا لمرافقته في زيارة إلى “بلاد الباسك” حين وصلنا، فوجئت بأنّ اللغة التي يتحدّثها السكان المحليون هي لغة أخرى غير اللغة الفرنسية، وأنّ أسماء الشوارع والمحلات مكتوبة باللغتين، اللغة الفرنسية، واللغة الباسكية، لا تختلف “بلاد الباسك” في شيء عن باقي المدن الفرنسية، فهي تتمتّع بالتنظيم نفسه، الشرطة هناك هي من أبناء المنطقة الباسكيين، ويدرس الطلاب في المدارس اللغتين الفرنسية والباسكية، وهم مواطنون فرنسيون يتمتّعون بحقوق ثقافيّة وسياسية كاملة، لا ينقصها كونهم باسكيين. تحترم الدولة خصوصيّتهم، ولا تفرض عليهم شروطاً كي يكونوا مواطنين في الدولة، لديهم نوّاب برلمانيون، ومدنهم الساحلية تعتبر من أهم المقاصد السياحيّة في فرنسا، ويمكن ملاحظة الحالة الاقتصاديّة الجيدة في مدينة مثل بياريتز أو أنجليت اللتين تطلّان على المحيط الأطلسي.

صديقي الباسكي يحفظ التاريخ الفرنسي جيداً، لكنّه لا يحب الجبنة الفرنسيّة التقليديّة كثيراً، هو يفضّل عليها جبنة “بلاد الباسك”، يقول إنّ جبنة “بلاده” أفضل، لأنّ المراعي هناك أفضل، ويمكنك أن تجد في المحلّات الكبرى في جميع المدن الفرنسية الجبنة الباسكية، واللحم المقدّد الباسكي أيضاً، وستجد أنه كتب عليها “فرنسا‪/‬بلاد الباسك”. الباسكي

والآن، يحتفل جمهور الثورة السورية، بالذكرى التاسعة لانطلاق الثورة، سوف لن أتوقف عند الخلاف المعروف، حول اليوم الذي اندلعت فيه الثورة، هل كان 15 أو 18 آذار، لكن المهم بالنسبة لي هو ما وصلنا إليه من حالة مأساوية بكل ما تحمله كلمة مأساة من معانٍ ودلالات، فالثورة التي حملت تسمية ثورة الكرامة تشتّت كثيراً، وفقدت بوصلتها كثيراً، لأنّ أجندات كثيرة رسمت لها وهي في طريقها للبحث عن كرامتها، فهي لم ترسم خطة لمشروعها الوطني السوري حتى يومنا هذا، وما زالت معلّقة في زحام شعارات بالية، فسوريا “قلب العروبة النابض” تلك التسمية التي يتفاخر بها النظام، لا تستطيع العثور على هوية وطنية سورية حتى يومنا هذا، فالسوري، لا يعلم بعد كيف يكون سورياً، وكنت أشرت في مقالة سابقة “ليڤانت يونيو 10, 2019” إلى هذه المعضلة التي نواجهها، لدى سؤالنا عن هويتنا السورية، أو لدى بحثنا عنها، فنحن نتهاوى بين مشاريع لا ندري حقّاً كيف تنشأ، أو إلى أين تذهب، نصرّ على مصطلحات بالية، ونريد تسويقها الآن، قد تبدو هذه العبارات انفعاليّة، هذا صحيح، لأنّ شعوراً بخيبة الأمل يعتري السوريين كلهم، وأقصد تحديداً جمهور الثورة، إذ لا أفق لهذا الانتظار الطويل، سوى تعليل النفس بعبارة أنّ الثورة سوف تنتصر، ولكن لا أحد يمتلك الجرأة على اقتراح حلول شجاعة. الباسكي

منذ أيامٍ دعا أحد الناشطين السوريين إلى توحيد قوى السوريين عرباً وكورداً و تشكيل قوة وطنية سورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالنظام يترنّح منذ سنوات، وصار ألعوبة بأيدي مشغّليه والأوصياء عليه وهذه حقيقة، لكنه بالمقابل لن يجد قوّة قادرة على إزاحته، فالجهود السوريّة تضيع سدىً، لأنّها متفرقة، ولم تجد مشروعها الوطني بعد، والأهم أن جميع تلك القوى السورية ترتبط بشكل أو بآخر بجهات خارجية تديرها، أو تسيّرها إيديولوجيّاً. لماذا لا نستفيد من تجارب غيرنا من الشعوب، ونتخلّى عن شعارات جوفاء لن توصلنا إلّا إلى مزيد من التردّي والضياع؟.

علّق أحد الأصدقاء على أحد منشوراتي متسائلاً: “هل لديك ميول كوردية”، فقلت له: “بل لديّ ميول سورية”، فلتكن مناطق شمال سوريا “بلاد الكورد” ضمن مشروع وطني سوري جامع، ولماذا لا نفكر بهذا الاحتمال؟ هل لأنّ رأس النظام، الذي ثار ضدّه السوريون، قال بأنّه لا وجود لقضية كوردية في سوريا؟؟

ليفانت ثائر الزعزوع

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit