الوطنية وعقدة الإصطفافات العابرة عنها

احمد منصور
احمد منصور

يوجد اقتباس لنيتشه: “من كان يحيا بمحاربة عدوٍ ما، تصبح له مصلحةٌ في الابقاء على هذا العدو حياً؛ ومن يتصارع مع الوحوش عليه أن يحذر أن يتحول هو الأخر إلى وحش”.

من الواجب أن يكون هناك إدراكٌ لأفعال العقلية الأسدية والتي أفرغت فعلاً “الأسديين، الطائفيين، العنصريين، الانفصاليين، النَّفعيين، المرتزقة، الأصوليين”، من مفهوم مجتمعٍ ووطنٍ ووطنية، ولكن في المقابل لم تستطيع تلك العقلية أن تضع كامل المجتمع في سلةٍ واحدة، أي الحظيرة والمزرعة الأسدية التي تحكمها طائفة السلطة، وأن تجردهم من مشاعر الإنتماء للوطن وفضائه الوطني، رغم ما امتلكته تلك من أدوات ووسائل قادرة على قولبة البعض الكثير والكثير من السوريون، بحيث ان يكون سقف الحلم السوري، منتهياً عند مجرد الذكر للأسد الأب أو الأسد العائلة.

وإذا ذهبنا مع فرضية البعض من الذين لهم التقدير لما يقدموه من فكرٍ وطروحاتٍ شأنُها الإرتقاء بالعمل الوطني الإجتماعي والسياسي … إلخ، بأن مفاهيم الوطن و الوطنية السورية مفقودةُ المفهوم والقيمة، إذاً من أين لهم؟ أيْ مَن نحمل لهم ذلك التقدير، وللآخرين في عموم الحراك الوطني السوري, القدرة في الحديث عن وطنٍ، وفضاء وطني، ووطنية، ومواطنة، ووووو … إلخ.

وضمن هذا التصور, أجد بأنه لا يمكن لمُفكرٍ وباحثٍ وسياسي وكاتب وعسكري وناشط ومعارض سواء في صفوف المعارضة الهشَّة، أو حتى لمؤيد وشبيح ومرتزق للنظام المقت المُختطِف لسوريا ومجتمعها، أن يضع أو ينفي ذلك المفهوم وتلك القيم التي تشكل العامل الأساسي لصيغة التشاركية بين أبناء المجتمع، وفق إطار أستيعابه لها أو بحسب إصطفافه المصالحي الضيق، ومن ثم يمنح إلى ذاك الاصطفاف صفة الوطنية او اللا وطنية.

أظن أنه من المُفترض عدم الأخذ بالإعتبار لأي منطقٍ أو قول خلفية أصطفافه ومرجعيته، قادم من الخوف والترهيب التي تمارسها سلطات الامر الواقع اللاشرعية المنتشرة إماراتها على كامل الأراضي السورية، كما لا يمكن لعاقل في قبول أي تعميم وتصنيف للوطنية بحسب رغبة بعض الأدوات، هي ذاتها الراهنة آدائها وفق مصالح لا علاقة لها أساساً بعموم المصلحة والطموحات السورية المحقة. الوطنية 

على الأرجح أن في ذلك خطأ كبير وتاريخي، يمنح المبرر للهمجية المُرتكبة والحاصلة في سوريا والسوريون، كما يضع سوريا وقضيتها في صيرورة التدويل وإستثماراته اللامنتهية في الحرب والفوضى، كما يبرر كل الارتهانات والتبعية للمشاريع الاقليمية والدولية، ويضع أمام فكرة ايجاد مشروع وطني سوري فيه تتلاقى المصلحة والطموح السوري، الكثير من العقبات والصعوبات والتراكمات التي لن تجد لها مخرج أو فرصة ليجد فيها مكانته وتعبيراته. الوطنية 

ووفق السياق أعلاه، أجد أنه ليس من الغرابة تناقض مواقفِ وتصريحات البعض الحاصلة حول كل ما يحدث في عموم سوريا، في الشمال السوري تحديداً، من تداخلات عسكرية إقليمية ودولية نشهد تواجد فعلها وإرادة مصالحها المتعددة الوجودات _أيران، تركيا، روسيا، أمريكا، أوروبا، قطر، السعودية، مصر ويقال “أن هناك أيضاً مصالح لموزمبيق وبوركينا فاسو في سوريا” وهذا منذ بداية إنطلاقة الأنتفاضة السورية والتي تجلت في “بيع، تسليم، تأجير، رهن” مفاتيح مؤسسة السلطة والأمن للأيرانيين الذين قاموا بإدارة مشهد القمع للمظاهرات والتنكيل بالمتظاهرين، ومن ثم إحراقٍ وتدميرٍ للمناطق الخارجة عن السلطة الأسدية، وعلى ما اعتقد، أن بقية التداخلات الدولية وجدت فرصةً تلبي غايتها للتدخل في الملف السوري و على حسب مصالحها وتباعاً. الوطنية 

من المؤكد أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق النظام الأسدي منفرداً، ومن ثم تاتي المعارضة وأمراء الحرب من ميليشيات أمنية, وفصائل رايات متعددة, وتجار الصراع”. أما عن تنظيماتِ ومجموعاتِ التطرف والإرهاب، فذلك شأنٌ مختلف يبدأ من ضرورة القضاء على تلك الصناعة ودُعاتها ومموليها واسباب وجودها وتناميها، والتي تعود مرجعيتها لملفاتٍ عفنةٍ لطالما برع الأسد الأب بالتلاعب فيها وحسب رغباته الأنانية وطموحاته الديكتاتورية والنرجسية. تويتر

وفي النهاية يتجلى لنا وفي وضوح وعبر استعراضٍ من الممكن الأخذ في بعض جوانبه، بأنه لا يوجد حقٌ لأحد ما في إطلاق التقييمات الخاطئة لمواقف الآخرين المتعددة حول ما يحصل، وهذا بحسب إعتباراتٍ هو يجدها وطنية، وغيرها لا يجد فيها مدخل لمفهوم وطنيةٍ او غير وطنية، بل يجد ان هناك دولةً ما تعمل وفق مصلحتها الجيوسياسية أو الأستراتيجية، ولا علاقة لها بالمصلحة السورية، سواء كانت تلك الدولة تركيا او ايران او روسيا أو امريكا او اوروبا او مصر وقطر والسعودية وغيرهم . ليفانت

ومن المؤكد, أن كل ذلك يعود إلى حقائق نعيشها، وهو تشرذم وتقزيم أوراق السياسة السورية في عموم صفوف المعارضة السورية, والتضييع المستمر لفرصة التقاط اللحظة المواتية للخروج في مشروعٍ وطنيٍ مرجعيته وأستناده تنبني على المصلحة والهوية السورية وتلاقيها مع المصالح الدولية، لتشكل تلك اللحظات فرصةً فارقة من شأنها استعادة الاعتبار للسياسة السورية التي تزايدت حساسية المجتمع المكلوم منها، وكذلك عودة الملف السوري إلى مقدمة الأهتمامات الدولية، من أجل اتخاذ قرار إعلان الحل، وليس الاستمرار في تأخير الملف دولياً، واتخاذه دريئة يبرر كل الفوضى والتوتر الحاصل في عموم منطقة الشرق الأوسط البائس.