المحامي والحقوقي عمران منصور
المحامي والحقوقي عمران منصور

اللجوء بين الحق القانوني و الابتزاز التركي

تعود جذور حقِّ اللجوء في الاتحاد الأوربي إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث تداخلت الشعوب الأوربية بسبب هول الحرب وعمليات الانتقام والأعمال العسكرية، بجانب هروب الكثير من المواطنين من بلادهم بسبب الاضطهاد والخوف من الانتقام والخلافات السياسية بين المواطنين والسلطات الحاكمة، لذلك اتجهت الدول وبالتعاون مع الأمم المتحدة لإيجاد الاستقرار لهؤلاء الأفراد.

فأقرّت اتفاقيةً خاصةً بوضع اللاجئين في عام١٩٥١ إذ اقتصرت وثيقة حق اللجوء على الأوروبين الذين هربوا من بلدانهم عقب الحرب العالمية الثانية، وبالتالي شملت الجغرافية الأوروبية فقط، ودخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في عام ١٩٥٤ واستندت بشكل أساسي على المادة ١٤ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, حيث عرّفت الاتفاقية  اللاجئ وحددت حقوقه وواجباته والتزاماته اتجاه الدولة المضيفة له بأنّه الشخص الذي يعيش خارج بلاده لأسبابٍ تتعلق بالخوف من الأضطهاد بسبب أفكاره السياسية أو الدينية أو بسبب طائفته أو عرقه أو أسباب جنسية أخرى، وهنا يجب أن لا نخلط بين اللجوء السياسي وقانون اللجوء الجديد والذي يعتبر فرعاً من القانون الدولي ويختص بحماية حقوق اللاجئين، كما يتناول حقوق الإنسان وإدارة الحرب، والذي يواجه هجمات هائلة من النازحين القادمين من الشرق الأوسط  وإفريقيا، أمّا حق اللجوء فهو حقٌّ يعالج وضع الأفراد ويقدَّم قراراً بالحقّ  في اللجوء لكل حالة على حدى.

عام ١٩٦٧ أُلحق البروتوكول المتعلق بأوضاع اللاجئين، وهي معاهدة دولية في قانون اللاجئين الدولي حيث أزال البروتوكول القيود الزمنية والجغرافية وشملت القادمين من خارج الجغرافية الاوربية وقِّعت من قِبل ١٤٦دولة وكان البروتوكول من الضروريات بسبب تدفق اللاجئين الناجم عن انتهاء مرحلة الاستعمار.

بالرغم من القفزة النوعية في جميع المجالات لم يتمكن الاتحاد  الأوروبي المؤلف من ٢٨ دولة أوربية و٤ بلدان شريكة وهي: النرويج وإسلندا وسويسرا وليشْتِنْشْتاينْ من توحيد قانون اللجوء أو بناء  مركزٍ مُوحّدٍ لإقرار الحقوق والواجبات للوافدين القادمين لأوروبا فكل دولةٍ تعتمد على معايير محددة بحسب ظروفها ومستوى الدخل لديها، كما اختلفت في معايير تقديم السكن أو المساعدة المادية وحق التنقل بين الولايات، فلكلّ دولةٍ قانونها الخاص بالإضافة إلى الوضع الخاص بالدول الأسكندنافية، أمّا دول أوروبا الشرقية فتفتقر إلى أبسط مقوّمات الدول الأوروبية الغربية في تقديم المساعدات للاجئين على أراضيها لذلك تعرّضت لهجماتٍ من الوافدين إلى أوروبا فاللاجئ يصل إلى دولٍ آمنة، لكنه لا يستقر فيها بل أصبح يختار الدولة الأوربية التي يرغب في العيش فيها.

مما سبّب في عدم التمييز بين المهاجر بغرض العمل أو الدراسة وبين اللاجئ الباحث عن الأمان, وعلى إثرها تم التوقيع على اتفاقية دبلن لتنظيم اللجوء في أوروبا في عام ١٩٩٠، والتي دخلت حيّز التنفيذ في عام ١٩٩٧ حدّد بموجبها الدولة المسؤولة عن دراسة طلب اللاجئ والاستثناءات بحسب حالة الفرد طالب اللجوء ومدى إمكانية نقل طلبه لدولة أخرى في الاتحاد الأوروبي، وفي ظل الحرب السورية وتدفق اللاجئين إلى أوروبا أُوقف العمل بها في فتراتٍ متقطعة، فقد عبرالغالبية من اللاجئين إلى ألمانيا والدول الاسكندنافية لأسبابٍ كثيرةٍ يطول شرحها هنا.

إذ تُعتبر إجراءات نظام دبلن إلى جانب منظومة اليورودك حجر الأساس في إنشاء قاعدةٍ للبيانات تحتوي على البصمات لجميع اللاجئين غير النظاميين في الاتحاد الأوروبي، حيث تم تقسيمهم إلى ثلاث فئاتٍ الفئة الأولى لطالبي اللجوء تبقى البصمة مدة عشر سنواتٍ أو حتى حصوله على الجنسية، أما الفئة الثانية فهم الأشخاص الذين تم إيقافهم عند عبور الحدود بشكل غير قانوني والتي بصم فيها أول مرة فتحتفظ الدولة ببصمات الأصابع لمدة ١٨ شهر.

أما الفئة الثالثة هم الأشخاص الذين يقيمون في دول الاتحاد الأوربي بصفة غير قانونية وهذه الفئة تُسجّل بصمتهم للمقارنة ولا تُحفظ ويتم إزالتها من السجل بعد المقارنة. وتكون الدولة الآمنة المانحة للفيزا أو التي بصم فيها الوافد فيها أول مرةٍ مسؤولةً عن دراسة ملف اللجوء لذلك تعتبر البصمة في أي دولةٍ من دول الاتحاد ذات أهميةٍ بالَّغة للاجئ لتحديد مستقبله واللغة التي يجب عليه أن يتعلمها إضافة إلى ثقافة الدولة, لذلك يحق للدولة التي تدرس الطلب أن تُعيد اللاجئ إلى الدولة الأولى التي بصم فيها.

تركيا والابتزاز مستمر لقضية اللاجئين

وقّعت تركيا اتفاقية اللاجئين  وبروتوكولها، غير أنها تحفّظت على النطاق الجغرافي و لم ترفع الحد في النطاق الجغرافي إلا للأشخاص الفارين من الاضطهاد في البلدان الأوروبية لذلك، لم تعترف تركيا بالأشخاص الطالبين للجوء على أراضيها من غير البلدان الأوربية. لكنها أدخلت مفهوم الحماية الدولية في عام ٢٠١٣ و الذي شمل الأشخاص الفارين من الاضطهاد في الاتحاد الأوروبي، كما شملت فئة من الأشخاص الذين فروا من العنف من بلدانٍ خارج أوروبا وفي عام ٢٠١٤ أضافت تركيا نظام الحماية المؤقتة للسوريين بالإضافة إلى نظامٍ لتصاريح العمل للسوريين في عام ٢٠١٦.

والعام نفسه جاء الإعلان  الأوروبي التركي  بقرار إغلاق طريق البلقان أمام الوافدين الى أوروبا بهدف خفض عدد المغادرين بالقوارب من تركيا إلى جزر اليونان في بحر إيجه  اليوناني وخفض عدد الغرقى، لكن تركيا طالبت بمبالغ مالية من الأوروبين الذين دفعوا ٦ مليار يورو لدعم اللاجئين في تركيا، ولكن لم يحصل اللاجئ على ربع المبلغ المستحق، حيث عملت تركيا على زرع عدم الإستقرار لدى اللاجئين وتحولت حياة الأربعة ملايين سوري في تركيا إلى جحيم وخاصة أن تركيا بدأت بترحيلهم إلى سوريا في نهاية عام ٢٠١٩ .  

تركيا التي وقّعت على اتفاقيات آستانة مع الروس وإيران تتعرض لهجومٍ شرس من حلفاء الأمس الروس وإيران  والنظام السوري، فتهاجم أوروبا بملف اللاجئين وتقف حائرةً في مواجهة الروس والأسد، فهل الأتراك على اتفاقٍ مع الروس بهدف جرّ أوروبا إلى المستنقع السوري بعد أن غاصت روسيا وتركيا فيه ؟؟.

تدرك تركيا حساسية ملف اللجوء لما يمثّله من ضغط الشعوب الأوروبية على الحكومات الأوروبية في ظل تنامي اليمين المتطرف، والذي يهدّد بتفكيك الاتحاد الأوروبي والعودة إلى التأطّر داخل الحدود وإلغاء اليورو، فلجأت إلى العلنية في إرسال السوريين والوافدين الأفارقة إلى الحدود اليونانية بهدف طلب المال من أوروبا وابتزازها، حيث تحول اللاجئ إلى سلاح بيد تركيا وطويت بذلك صفحة ما تسمى المعاملة الإنسانية للاجئ، وكما رأينا تجمع مئات الآلاف على الحدود اليونانية وانتهى بهم المطاف في العراء وأغلقت الحدود اليونانية من جهة ومن جهةٍ أخرى لن يستطيعوا العودة إلى تركيا بعد خروجهم منها فسقطت ورقة التوت وتم تدمير باقي الأمل لهم بالعيش الكريم. 

في حين فشلت تركيا في جرّ الناتو إلى المستنقع السوري وما زاد من إضعاف الحلول لهم هو الدعم الأمريكي المطلق لليونان في قضية إغلاق حدودها، فأمريكا تعاني من نفس المشكلة ولديها تجربة غنية  على حدودها مع المكسيك، فهل ستبني اليونان جداراً على غرار أمريكا في وجه آلاف الوافدين الغير شرعيين الى أوروبا، وبذلك تنسف ملف اللجوء الذي تستخدمه تركيا وتنهي حلم تركيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتغلق ملفها؟؟. مدونة ليفانت

 

شاهد أيضاً

الكورونا المعجزة وحتميّة التغيير

لمن لا يؤمن بالله، لنقل أن الأرض ترسل لنا قرارها وتتصرف بشكل سريع، فما أحدثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.