الكل يسعى وراء أمنه القومي .. أين العرب
الكل يسعى وراء أمنه القومي .. أين العرب

الكل يسعى وراء أمنه القومي .. أين العرب

يعتبر مفهوم “الأمن القومي” من أكثر المفاهيم أهمية في علم السياسة والدراسات الإستراتيجية والمستقبلية، لأنه يمثل وجود الأمة بكل كياناتها وطاقاتها وإمكاناتها المادية والمعنوية المتمثلة بالفرد والدولة والمجتمع، وإن عدم تحديد ماهية “الأمن القومي” لأي دولة أو أمة، سيحدث فراغاً سياسياً يؤدي إلى حدوث ثغرات في أمنه القومي يمكن أن تنفذ من خلالها القوى الدولية والإقليمية لتحقيق مآربها وأطماعها التوسعية في احتلال الأرض ونهب الثروات وإذلال البشر. ويعرّف خبراء السياسة وعلماء الاستراتيجيا “الأمن القومي” بأنه (حماية الأمة من القهر على يد قوة أجنبية) كما في تعريف دائرة المعارف البريطانية، فتقليدياً كان يتم تعريف الأمن القومي على أنه الحماية من الهجوم الخارجي، فبالتالي التركيز على إيجاد سياسات دفاعية في مواجهة تهديدات عسكرية.

كما أن للأمن القومي أبعادا متعددة متفاعلة فيما بينها بحسب المفهوم الشامل للأمن القومي والذي يحوي الأبعاد( السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية،الصحية، الغذائية، المعلوماتية…) يعتبر الوطن العربي منطقة التقاء مصالح اقتصادية واستراتيجية حيوية لكثير من القوى الدولية والإقليمية، فالوطن العربي

يزخر بالموارد الطبيعية وخاصة الطاقة ( النفط والغاز) كما أنه مركز مالي شديد الأهمية وسوق استهلاكية مغرية سواء للواردات المدنية أو العسكرية، كما أن الوطن العربي يمثل واحدا من أهم المواقع الإستراتيجية في العالم، هو نقطة التقاء التجارة والمواصلات العالمية، من يسيطرعليه يستطيع أن يسيطرعلى قلب العالم، لهذه الأسباب مجتمعة كان تاريخ الوطن العربي مفعما بالغزوات والصراعات والتنافس الدولي من أجل السيطرة والاحتواء. ولكن أهمية الموقع والمكانة تحولت إلى مصدرللتهديد والخطر ثم التدخل، أكثر منها فرصا للتقدم والتطور والنهوض، كما أنها استدعت مواجهات مع قوى دولية وإقليمية.

إن العالم العربي لا يملك مشروعاً سياسياً وفكرياً وتنموياً لنفسه ولاللمنطقة، وبالتالي خلق فراغا وأصبح ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين من أمريكان وروس وايرانيين واتراك واسرائليين، وبدلا من أن تكون “الكتلة الإستراتيجية” العربية الحيوية، ذات ثقل نوعي في السياستين الإقليمية والعالمية، أصبحت ذات عبء استراتيجي يصعب معه صياغة مفهوم محدد لأمنه القومي، ولم يزل الفكر السياسي العربي بعيداً عن صياغة نظرية محددة لمفهوم الأمن القومي في الوقت الذي باتت مفاهيم كثيرة للأمن القومي في كثير من الدول واضحة ومحددة ( كالأمن القومي الأمريكي والروسي والأوروبي والاسرائيلي والتركي

والإيراني) .
وهل من مصلحة هذه القوى العالمية والإقليمية، المتلهفة لنهب ثرواتنا، والمتفقة على تدمير تراثنا،

وتشتيت شملنا، وتشويه حضارتنا، أن يكون لهذه الأمة العربية أمنها القومي فهذا لا يصب في مصلحة هذه القوى الطامعة ومشاريعها التوسعية، لأن إنجازهذا المطلب الأمني ينطوي على تحقيق تعاون وتضامن وتفاهم بين الأقطارالعربية، ويبشر باحتمال قيام اتحاد عربي بينها، وهذا ما تخشاه دول الهيمنة والسيطرة، ولذلك فإنها تسعى دائما إلى خلق أساليب تآمرية، أو الترويج لمشاريع تفتيتية، تستهدف الأمة العربية في وجودها الحضاري والإنساني،وفي تطلعاتها إلى غد أفضل.

 استراتيجية الأمن القومي الأمريكي

لم يكن العالم العربي على امتداده الجغرافي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا محط اهتمام كبير لعلماء الجيوبولتيك من ناحية خرائط السيطرة والنفوذ، حيث دائماً ما كانت تعتبر المنطقة العربية تابعة جيوبوليتيكيا لمناطق ذات الثقل الجيوستراتيجي في العالم، كأوروبا الشرقية وصولاً لآسيا الوسطى، ولكن الصعود الأمريكي، واعتماد واشنطن على نظرية ( ألفريد ماهان) في أهمية القوة البحرية للسيطرة القطبية على العالم، وضمان الرخاء الأمريكي، جعل المنطقة العربية والمحيطات والبحار المطلة عليها محط اهتمام أمريكي كبير، كون تلك النظرية حددت كل من الرغبة الحكومية بالهيمنة على البحار، ووجود الشواطئ المناسبة من حيث الموانئ والموارد الأولية كأهم شروط السيطرة على العالم انطلاقاً من
المياه، ما زاد من أهمية المنطقة العربية جيوستراتيجيا إلى درجة أصبحت هذه المنطقة الجغرافية تشغل جزءاً كبيراً من استراتيجيات الأمن القومي لواشنطن في القرن الحالي. وينقسم النفوذ الأمريكي لنفوذ عالمي ونفوذ على الشرق الأوسط تحديداً، ففي فترة الحرب الباردة كان صراعها متمركزاً ضد الاتحاد السوفيتي، أما بعد ذلك أصبح هذا الصراع ضد العالم، وإن لم يكن صراعا فهو تحكم. “فالحرب العالمية الثانية عندما استنزفت قوى المتنافسين، عندها أصبحت أمريكا بصدارة الدول الصناعية، وعند انتهاء الحرب استحوذت على نصف ثروات العالم، والهيمنة على جانبي المحيط الأطلنطي والهادي وأدرك مخططو السياسة الخارجية الأمريكية أن أمريكا ستخرج من هذه الحرب قوة وحيدة لامثيل لها في تاريخ العالم، فحرصوا خلال الحرب وبعدها، على تشكيل عالم ما بعد الحرب”.

إذ مثل انتهاء الحرب والفراغ الكبير الذي خلفه التفكك المذهل للاتحاد السوفيتي على مستوى التوازن الاستراتيجي والاستقطاب الإقليمي وبروز الولايات المتحدة كقطب مهمين على النظام الدولي، واندلاع أحداث 11/ سبتمبر 2001، واحتلال العراق في 2003، فرصة تاريخية غير مسبوقة لأمريكا لتنفيذ مخططاتها الرامية لاعتلاء العرش العالمي والهيمنة على مقدراته، فمع اتساع المصالح الحيوية الأمريكية على المستوى العالمي ازدادت أهمية المنطقة العربية لتحتل الأولوية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي سواء لتحقيق الهيمنة الأمريكية وضم المنطقة إلى سيطرتها، أو استخدامها وسيلة لكبح جماح القوى المنافسة. تربط الولايات المتحدة الأمريكية بين المصالح الأمريكية وبين أمنها القومي، مهما كان حجم تلك المصالح ومهما كان موقع وجودها، وفي القلب من تلك المصالح تقع المنطقة العربية باعتبارها أحد أهم المناطق الإستراتيجية الموجودة في العالم والتي تتميز دون غيرها من المناطق، بحجم المصالح الأمريكية الكامنة فيها.

وقد جاء الاهتمام الأمريكي بالمنطقة العربية من زاوية مصلحتين أساسيتين هما:

أولاً: مصلحة الأمن الاقتصادي الاستراتيجي، وهي تدور حول حاجات الولايات المتحدة المتزايدة للنفط العربي، وهذه مصلحة حيوية ترتبط مباشرة بالكيان الأمريكي ككل.
ثانياً: مصلحة الأمن العسكري- السياسي الاستراتيجي، وتدور حول توفير عناصر القوة اللازمة لضمان النصر الأمريكي في حسم معركة الزعامة والهيمنة على العالم
وفي ذلك يشير(روبرت كومر) وكيل وزارة الدفاع في إدارة الرئيس(ريغان) إلى “أن للنفط صلة وثيقة بالقدرات الذاتية لأمريكا، وإذا أصابها الوهن، فإن الجسد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري للولايات المتحدة سيرتعش، لهذا يعد النفط مصلحة تقع في كبد الأمن القومي الأمريكي”
وإن السبب الأبرز لاهتمام أمريكا بمنطقة الشرق الأوسط هو عرقلة قيام كتلة أوراسية يمكنها أن تهمش أمريكا وتعرقل مخططاتها في الهيمنة على العالم. إذن فالأمن القومي الأمريكي هو مجموع مصالحها الحيوية والهامة، ومن ثم فإن تحقيق الأمن القومي الأمريكي إنما يتم بحماية هذه المصالح عن طريق التصرفات التي تسعى الدولة من خلالها إلى تأكيد حقها في البقاء كمصلحة أساسية وأولوية استراتيجية.

روسيا الاتحادية واستراتيجية الأمن القومي

يعد مفهوم الأمن القومي في صلب السياسة الروسية، فلقد مثلت التغيرات المحيطة بروسيا الاتحادية، عوامل تبدل وتغير في اعتبارات الأمن القومي وفي الإستراتيجية الروسية خلال العقدين المنصرمين، حيث تغيرت تلك الاعتبارات وفقا لمتطلبات كل مرحلة واستحقاقاتها وظروفها، ارتباطا بالعوامل الذاتية والموضوعية التي حكمتها، وأثرت بكل جوانبها السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، فمنذ مجيء بوتين إلى السلطة عام (2000)، عملت روسيا على استدراك ما اعتبره الكثيرون (خطأ القرن الاستراتيجي)؛ أي قرار الرئيس الأسبق (غورباتشوف) بحل الاتحاد السوفيتي.

فمنذ ذلك الوقت وروسيا تعاني أزمة جيوبوليتيكية تهدد أمنها القومي بفعل الامتداد الأطلسي إلى جوارها القريب. والتهديد القادم من حلف شمال الأطلسي الناتو مثّل هذا محور اهتمامات وأولويات القيادة الروسية عند وضع إستراتيجية الأمن القومي، والتي انعكست بشكل واضح في السياسة الخارجية الروسية، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، فجرت محاولة روسية لاستعادة دور الدولة الكبرى التي تدافع عن مناطق نفوذها القريبة، تمهيدا لاستعادة دور عالمي يتجاوز الأقاليم المتاخمة سواء أكانت آسيوية ام أوروبية.
إن عودت روسيا إلى منطقة الشرق الأوسط عامة وبروز دورها في سورية خاصة لاسيما بعد تدخلها العسكري فيها يمثّل امتداداً لنمط سلوك الدول الكبرى التي تسعى لحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في مجالها الحيوي، هذا النمط تكرر منذ بداية الألفية الجديدة في مواقف روسيا، كما أن روسيا تسعى للتصدي للتوسع الغربي الذي يهدف لمحاصرتها وإضعافها، ومنعها من تحقيق طموحاتها في أن تصبح قوة مؤثرة في الساحة الدولية تكون هي أحد اقطابها، لذلك لجأت الإستراتيجية الروسية للدفاع عن مناطق نفوذها في آسيا الوسطى والقوقاز عن طريق العودة لمنطقة الشرق الأوسط من بوابة سوريا التي لها أهمية جيوستراتيجية بالنسبة لروسيا، فسوريا تمثل القلعة الروسية الوحيدة خارج الاتحاد السوفيتي السابق، بينما يشكل ميناء طرطوس المنفذ الوحيد خارج الأراضي السوفياتية سابقا والاتحاد الروسي الحالي على المياه الدافئة. ويعتبر دعمها للنظام السوري امتداداً لأمنها القومي.

وفي ظل الوضع الإنقسامي للنظام العربي المقترن بافتقاد الفاعلية سواء على مستوى القيام بالوظائف المنوطة به أو على مستوى مواجهة التحديات التي تواجه الأمة تتفاقم كارثيته في ظل بروز خريطة صراعات وتحالفات إقليمية جديدة وحدوث استقطاب حاد لقلب نظام توازن القوى في الشرق الأوسط وتركزه في ثلاث قوى إقليمية اساسية هي: إيران وتركيا وإسرائيل، وتحول العرب إلى مجرد طرف تابع في تفاعلات النظام الشرق أوسطي الأوسع. إن التفاعل بين هذه المشروعات الثلاثة يؤثر بقوة على الأمن القومي العربي، ويزيد الخيارات العربية تعقيداً.

فجوهر التفاعلات الإقليمية الآن، وكما تعبر عنها خريطة توزيع القوة بين الفواعل الأساسية للنظام تقول

إن هذا النظام يتجه إلى هيكلية قيادة ثلاثية متصارعة حيث تسعى إسرائيل إلى أن تفرض نفسها كقوة إقليمية عظمى مسيطرة، انطلاقا من مشروع الشرق الأوسط الكبير ودخولها في المجال الحيوي لسياسة الشرق الأوسط وتهيئة الأجواء للاعتراف العربي الشامل بها كجزء من المنطقة وأنها إحدى المرتكزات الأساسية في السياسة الشرق أوسطية، وما ( صفقة القرن) إلا لدمج إسرائيل بالمنطقة كقوة إقليمية اقتصاديا وعسكريا لتصبح القوة المهيمنة.

في حين ترفض إيران ذلك وتقوم بدور القوة المناوئة والساعية لفرض نفسها كزعامة مهيمنة إقليمية بديلة باحتلالها أربع عواصم عربية، وتعتمد على استراتيجية شاملة لحيازة المكانة والنفوذ الاقليميين، قائمة على تعزيز عناصر القوة وملء فراغاتها الناشئة عن التغيرات الحادثة في اختلالات التوازن المستمرة التي تشهدها المنطقة باستمرار. كما وتسعى تركيا أيضا على أن تكون قوة منافسة على الزعامة الإقليمية في المنطقة من خلال التدخل في سوريا.

فهي تريد تحقيق المشروع الأهم الذي يهدد أمنها القومي كما تقول وهو تغيير التركيبة الديموغرافية

لشمال شرقي سوريا وخلق “حزاماً عازلاً” على الحدود التركية، بل ترغب بحضور دائم في سوريا يعيد رسم خرائط البلاد والمنطقة ككل لعقود عديدة مقبلة.

إذن المنطقة العربية تعاني من تخمة في اللاعبين الاقليميين والدوليين الطامعين فيها في ظل غياب مخيف للأنظمة العربية وقياداتها في هذه اللحظات التاريخية العصيبة التي تهدد وجود الأمة ومصيرها، إن الأحداث الجسيمة التي تجري حاليا على الساحة العربية تؤكد خطورة هذا التدخل والاختراق على مستقبل الأمة العربية وأنه بات لزاما على أنظمة الحكم فيها أن تعمل بجدية وبأسرع وقت ممكن على معالجة هذا الشرخ الكبير والواسع في الأمن القومي العربي الناتج عن خصومة الأنظمة فيما بينها وخصومة الأنظمة مع شعوبها.

فلا يمكن المحافظة على الأمن القومي العربي من الاختراق الخارجي، دوليا واقليميا، إلا من خلال تفعيل “مبدأ المواطنة” الذي هو الأساس والركيزة في العلاقة بين طرفي المعادلة “الشعوب والحكومات” إن الأنظمة التي تصر على إبقاء المواطن العربي محاصراً وضعيفاً، وخائفا ومنزوع الكرامة والحقوق، فإنها لا تبحث عن أمن قومي عربي .

ليفانت – محمد الشوا 

شاهد أيضاً

نوبة هلعي الأولى

نوبة هلعي الأولى

شاهدت اليوم تقريراً عن شابة وشاب تزوجا في لبنان، أمر طبيعي يحدث كل يوم لكنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.