العلمانيّة وموقفها الحقيقي من الدين والإلحاد

رسلان عامر
رسلان عامر

كثيراً ما تغدو الكتابة عن العلمانية أمراً غير مستحبّ، فهذا الموضوع قد طُرق مراراً وتكراراً، لدرجة يبدو فيها وكأنّ الكتابة فيه لن تأتي بجديد. العلمانيّة 

مع ذلك لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لكي ندرك في حالة التردّي الثقافي الشامل التي نعيشها في عالمنا العربي، والجهل المستشري، إنّ الفهم الدقيق للعلمانية يكاد ينحصر في النخبة الثقافية وحدها، لكنّه فهم ملتبس على مستوى عموم المثقفين، وغائب عموماً على مستوى العامة، وهو مدعاة للتشويه من قبل أعداء العلمانية من الإسلاميين، الذين لا يوفرون جهداً في تصوّرها بأسوأ الأشكال، ومن قبل العديد من العلمانيين الذين يسطّحون مفاهيمها، فيكونون بذلك عوناً لخصومهم في الإساءة إليها.

هذه المقالة لا يمكنها بالطبع أن تحيط بكلّ الافتراءات والتسطيحات التي تتعرّض لها العلمانية، وسيُكتفى فيها بالنظر إلى علاقة العلمانية بالدين بشكل موضوعي صريح.

وهذا يقتضي بداية توضيح نقطة جدّ جوهرية بخصوص العلمانية، إذ يتمّ التعامل معها من قبل خصومها والكثير ممّن يعتبرون أنفسهم علمانيين وكأنّها إيديولوجيا محددة أو منظومة فلسفية نسقية. العلمانيّة 

الأمر ليس كذلك على الإطلاق، فالعلمانية ليست إيديولوجيا مثل ما هي الشيوعية، ولا هي فلسفة على غرار الفلسفة الوجودية، وإنما هي منهجيّة كـ “العقلانيّة” أو “العلميّة”، وهي تقوم على الإنسان بصفته كائناً عاقلاً، وبالتالي فهي تعتمد على العقل والعلم أسساً وعلى الإنسانية غاية وقيمة، وهي بذلك تستوعب كل النتاج الإنساني بصفته الإنسانيّة المحضة، وليس لدى العلمانية أي نظرية فكرية أو سياسية أو اجتماعية خاصة، فهذه من شأن الفلسفات والعلوم والمدارس العقائدية المختلفة، وموقف العلمانية من هذه القضايا هو موقف العقل والعلم والضمير الإنساني، وإصرارها التام على فصل الدين عن الدولة هو “مبدأ” وليس “نظرية سياسية”، لكنها لا تحدّد أي شكل نهائي للدولة أو للمجتمع، وتبقي أبواب التغيير والتطور دوما مفتوحة.

وخلاصة الكلام: العلمانية هي منهجية مفتوحة تقوم على الإنسانيّة والعقل لبناء العالم الإنساني من أجل الإنسان.

كثيراً ما يتمّ الخلط بقصد أو بدون قصد بين العلمانية والإلحاد (atheism) أو بينها وبين اللادينية (Irreligion)، وهذا تعززه المواقف الفردية الخاصة لجزء من العلمانيين، أو الحالات الصدامية التي حدثت في التاريخ الغربي بين الحركات العلمانية الناشئة والكنيسة المهيمنة، ولاسيما في الثورتين الفرنسية والروسية.

هذه حقائق لا يمكن إنكارها، ولكنها تغدو مفهومة إذا وضعناها في سياقها الموضوعي والتاريخي. العلمانيّة 

فمن ناحية مواقف أولئك العلمانيين، فمن الطبيعي أن يحدث هذا، فيما إنّ العلمانية ليست إيديولوجيا ولا فلسفة عقائدية محددة، فهي تفتتح المجال أمام التعدّد الفكري والعقائدي في المجتمع، وهذا يعطي الحقّ الكامل للمتدينين بأديان شتّى وغير المتدينين والملحدين بالوجود، وهي تساوي بينهم على أساس إنساني محض، وتتيح لهم جميعاً إمكانية التعبير الحرّ عمّا يفكرون به أو يعتقدونه، كما تتيح لهم إمكانية النقد المتبادل، والمواجهة السلمية، وهي لا تعطي القداسة أو العصمة لأحد.

طبعا الكلام هنا يتمّ عن العلمانيّة الناضجة، لكن هذا النضج لم يتحقق دفعة واحدة، وإنما عبر عملية تاريخية طويلة معقدة، تطورت فيها العلمانية إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي من العلاقة الصحيّة مع الدين.

لكن تاريخياً حدث الصراع، وكان حاداً وعنيفاً في بعض الحالات، وهذا عائد من ناحية أخرى إلى عدم نضج العلمانية نفسها في تلك الآونة، وإلى المواقف السياسية المتناقضة بين الحركات العلمانية الفاعلة في عملية التغيير التاريخي وبين الكنيسة المؤيدة للقوى التقليدية المحافظة، وفي الثورتين الفرنسية والروسية كانت العلمانية تتموقع في صلب الحدث الثوري، فيما كانت الكنيسة في فرنسا متحالفة تماماً مع الحكم الملكي وفي روسيا مع الحكم القيصري، وكانت الثورتان موجهتين ضدّهما، ما يعني إنّ الصراع بين العلمانيين والكنيسة في تلك الآونة كان سياسياً أكثر منه عقائدياً.

اليوم، الموقف الناضج للعلمانية من الدين لم يعد موقفاً صدامياً في المجتمعات المتقدمة، والعلاقة بينهما يسودها السلام والتوافق، فقد تطوّر الفكر العلماني ومعه المجتمع العلماني إلى درجة يتمّ فيها استيعاب الدين كظاهرة بشريّة تاريخيّة موضوعيّة، وكجزء من التاريخ والواقع البشريّ، ولم يعد الدين من وجهة نظر العلمانية الحديثة ظاهرة تنتمي إلى عالم متخارج مع العالم الإنساني والتاريخ الإنساني، رغم إن الدين نفسه يعطي لنفسه هذه الصفة الفوق إنسانية والفوق تاريخية. العلمانيّة 

تتبنّى العلمانية من الدين موقف العلم والعقل الحر، وهي تراه ظاهرة محض بشريّة ظهرت في الظروف التاريخية المناسبة، وسيستمر ما دامت الظروف مناسبة له، ومن الناحية السياسية تؤكد العلمانية على أنّه ليس من شأن الدولة  لا محاربة الدين ولا محاربة الإلحاد أو دعم أي منهما، أو فرض أي معتقد أو إيديولوجيا خاصة بها دون سواها، فكلّ ما يتعلق بقضايا العقيدة والرأي والفكر يدخل في إطار الشأن الخاص، ويندرج في عداد الحقوق المصانة للإنسان، الذي لا يحقّ له بدوره فرض عقائده أو أفكاره على الآخرين أو حرمانهم مما لديهم منها.

هذا الموقف الذي تتخذه العلمانية من الدين يأتي انسجاماً منها مع طبيعتها الإنسانية العقلانية المحضة، فهي تتعامل مع الإنسان بهويته الإنسانية البحتة، التي يكون فيها إنسانا بغض النظر عن جنسه أو دينه أو قومه أو موقفه السياسي أو دوره المهني، فيما يضع الدين الهوية الدينية فوق الهوية الإنسانية ويمايز أو يفارق بين الناس على هذا الأساس.

كما إنّ العلمانية بما هي عقلانية تقوم على العقل فهي لا تعطي أية قداسة لأيّة فكرة، ولا تمنعها من النقد والمحاكمة والمساءلة، والتغيير والاستبدال إن اقتضى الأمر، وهذا كلّه ممكن طالما أنّ كل الأفكار والآراء تعتبر صادرة عن مصدر بشري، أما الدين فهو من حيث المبدأ لا يقوم على العقل البشري، ولا يعتبره مصدراً لحقائقه التي يرجعها إلى مصدر سماوي فوق بشري وفوق عقلاني، ويتقبلها بشكل إيماني تسليمي مترافق مع عاطفة قوية. العلمانيّة 

هذا الموقف العلماني لا يقتصر على الدين وحده، بل يمتد منطقياً إلى كل أشكال العقائد والإيديولوجيات المتطرفة، ذات الطبيعة النسقية المغلّفة، التي تستبدل المقدّسات السماوية بمقدسات أرضية، وتقوم بدورها على فكرة امتلاك الحقيقة التامة دون سوها، وتترافق بدورها بشحن عاطفي عال، وبتمييز على أساس القومية أو العرق أو الموقف السياسي أو المعتقدي، وعليه لا يمكن منطقياُ القول بعلمانية الشيوعية أو الإيديولوجيات القومية رغم “لادينيتها” ومواقفها السلبية من الدين.

العلمانية تؤكد على الحرية التامة للعقل، وعلى التساوي التام بين الناس، وتعتبر هذين المبدأين مطلقين ورئيسيين في عملية بناء الدولة والمجتمع، ومن هنا تنشأ ضرورة فصل الدين -وليس الدين وحده، بل الإيديولوجيا، أي إيديولوجيا- عن الدولة لما في ذلك من تناقض مع هذين المبدأين.

ومن هذين المبدأين تنشأ فكرة حرية الضمير، ويستمدّ الدين مشروعيته في النظام العلماني، وتتكامل العلمانية مع الديمقراطية، التي تقوم على التنوع والاختيار الحرّ، وهذا يقودنا إلى القول بتناقض أي نظام غير ديمقراطي مع العلمانية مهما كان موقفه من الدين. العلمانيّة

ختاماً نكرر ونركّز القول، إنّ الحديث هنا يدور عن العلمانية المعاصرة الناضجة، كما نركّز على أنّ العلمانية الحقيقية هي حالة نموّ وتطوّر للمجتمع وثقافته ككل، ولا تتحقق بقرار سياسي من أي مستوى كان، رغم حاجتها الموضوعية بالطبع للقرار السياسي العقلاني الحازم، وإذا ما وضعنا المشروع العلماني في مواجهة مشروع الحلّ الإسلامي السياسي، فسنجد بأنّ العقل العلمي والإرادة الحرّة والمساواة الإنسانية هي في الصفّ العلماني، رغم إنّ الواقع العربي الراهن ما يزال بعيداً عن هذه المستويات، التي نأمل ونسعى لبلوغها في مستقبل ما.

ليفانت – رسلان عامر

كثيراً ما تغدو الكتابة عن العلمانية أمراً غير مستحبّ، فهذا الموضوع قد طُرق مراراً وتكراراً، لدرجة يبدو فيها وكأنّ الكتابة فيه لن تأتي بجديد. العلمانيّة 

مع ذلك لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لكي ندرك في حالة التردّي الثقافي الشامل التي نعيشها في عالمنا العربي، والجهل المستشري، إنّ الفهم الدقيق للعلمانية يكاد ينحصر في النخبة الثقافية وحدها، لكنّه فهم ملتبس على مستوى عموم المثقفين، وغائب عموماً على مستوى العامة، وهو مدعاة للتشويه من قبل أعداء العلمانية من الإسلاميين، الذين لا يوفرون جهداً في تصوّرها بأسوأ الأشكال، ومن قبل العديد من العلمانيين الذين يسطّحون مفاهيمها، فيكونون بذلك عوناً لخصومهم في الإساءة إليها.

هذه المقالة لا يمكنها بالطبع أن تحيط بكلّ الافتراءات والتسطيحات التي تتعرّض لها العلمانية، وسيُكتفى فيها بالنظر إلى علاقة العلمانية بالدين بشكل موضوعي صريح.

وهذا يقتضي بداية توضيح نقطة جدّ جوهرية بخصوص العلمانية، إذ يتمّ التعامل معها من قبل خصومها والكثير ممّن يعتبرون أنفسهم علمانيين وكأنّها إيديولوجيا محددة أو منظومة فلسفية نسقية. العلمانيّة 

الأمر ليس كذلك على الإطلاق، فالعلمانية ليست إيديولوجيا مثل ما هي الشيوعية، ولا هي فلسفة على غرار الفلسفة الوجودية، وإنما هي منهجيّة كـ “العقلانيّة” أو “العلميّة”، وهي تقوم على الإنسان بصفته كائناً عاقلاً، وبالتالي فهي تعتمد على العقل والعلم أسساً وعلى الإنسانية غاية وقيمة، وهي بذلك تستوعب كل النتاج الإنساني بصفته الإنسانيّة المحضة، وليس لدى العلمانية أي نظرية فكرية أو سياسية أو اجتماعية خاصة، فهذه من شأن الفلسفات والعلوم والمدارس العقائدية المختلفة، وموقف العلمانية من هذه القضايا هو موقف العقل والعلم والضمير الإنساني، وإصرارها التام على فصل الدين عن الدولة هو “مبدأ” وليس “نظرية سياسية”، لكنها لا تحدّد أي شكل نهائي للدولة أو للمجتمع، وتبقي أبواب التغيير والتطور دوما مفتوحة.

وخلاصة الكلام: العلمانية هي منهجية مفتوحة تقوم على الإنسانيّة والعقل لبناء العالم الإنساني من أجل الإنسان.

كثيراً ما يتمّ الخلط بقصد أو بدون قصد بين العلمانية والإلحاد (atheism) أو بينها وبين اللادينية (Irreligion)، وهذا تعززه المواقف الفردية الخاصة لجزء من العلمانيين، أو الحالات الصدامية التي حدثت في التاريخ الغربي بين الحركات العلمانية الناشئة والكنيسة المهيمنة، ولاسيما في الثورتين الفرنسية والروسية.

هذه حقائق لا يمكن إنكارها، ولكنها تغدو مفهومة إذا وضعناها في سياقها الموضوعي والتاريخي. العلمانيّة 

فمن ناحية مواقف أولئك العلمانيين، فمن الطبيعي أن يحدث هذا، فيما إنّ العلمانية ليست إيديولوجيا ولا فلسفة عقائدية محددة، فهي تفتتح المجال أمام التعدّد الفكري والعقائدي في المجتمع، وهذا يعطي الحقّ الكامل للمتدينين بأديان شتّى وغير المتدينين والملحدين بالوجود، وهي تساوي بينهم على أساس إنساني محض، وتتيح لهم جميعاً إمكانية التعبير الحرّ عمّا يفكرون به أو يعتقدونه، كما تتيح لهم إمكانية النقد المتبادل، والمواجهة السلمية، وهي لا تعطي القداسة أو العصمة لأحد.

طبعا الكلام هنا يتمّ عن العلمانيّة الناضجة، لكن هذا النضج لم يتحقق دفعة واحدة، وإنما عبر عملية تاريخية طويلة معقدة، تطورت فيها العلمانية إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي من العلاقة الصحيّة مع الدين.

لكن تاريخياً حدث الصراع، وكان حاداً وعنيفاً في بعض الحالات، وهذا عائد من ناحية أخرى إلى عدم نضج العلمانية نفسها في تلك الآونة، وإلى المواقف السياسية المتناقضة بين الحركات العلمانية الفاعلة في عملية التغيير التاريخي وبين الكنيسة المؤيدة للقوى التقليدية المحافظة، وفي الثورتين الفرنسية والروسية كانت العلمانية تتموقع في صلب الحدث الثوري، فيما كانت الكنيسة في فرنسا متحالفة تماماً مع الحكم الملكي وفي روسيا مع الحكم القيصري، وكانت الثورتان موجهتين ضدّهما، ما يعني إنّ الصراع بين العلمانيين والكنيسة في تلك الآونة كان سياسياً أكثر منه عقائدياً.

اليوم، الموقف الناضج للعلمانية من الدين لم يعد موقفاً صدامياً في المجتمعات المتقدمة، والعلاقة بينهما يسودها السلام والتوافق، فقد تطوّر الفكر العلماني ومعه المجتمع العلماني إلى درجة يتمّ فيها استيعاب الدين كظاهرة بشريّة تاريخيّة موضوعيّة، وكجزء من التاريخ والواقع البشريّ، ولم يعد الدين من وجهة نظر العلمانية الحديثة ظاهرة تنتمي إلى عالم متخارج مع العالم الإنساني والتاريخ الإنساني، رغم إن الدين نفسه يعطي لنفسه هذه الصفة الفوق إنسانية والفوق تاريخية. العلمانيّة 

تتبنّى العلمانية من الدين موقف العلم والعقل الحر، وهي تراه ظاهرة محض بشريّة ظهرت في الظروف التاريخية المناسبة، وسيستمر ما دامت الظروف مناسبة له، ومن الناحية السياسية تؤكد العلمانية على أنّه ليس من شأن الدولة  لا محاربة الدين ولا محاربة الإلحاد أو دعم أي منهما، أو فرض أي معتقد أو إيديولوجيا خاصة بها دون سواها، فكلّ ما يتعلق بقضايا العقيدة والرأي والفكر يدخل في إطار الشأن الخاص، ويندرج في عداد الحقوق المصانة للإنسان، الذي لا يحقّ له بدوره فرض عقائده أو أفكاره على الآخرين أو حرمانهم مما لديهم منها.

هذا الموقف الذي تتخذه العلمانية من الدين يأتي انسجاماً منها مع طبيعتها الإنسانية العقلانية المحضة، فهي تتعامل مع الإنسان بهويته الإنسانية البحتة، التي يكون فيها إنسانا بغض النظر عن جنسه أو دينه أو قومه أو موقفه السياسي أو دوره المهني، فيما يضع الدين الهوية الدينية فوق الهوية الإنسانية ويمايز أو يفارق بين الناس على هذا الأساس.

كما إنّ العلمانية بما هي عقلانية تقوم على العقل فهي لا تعطي أية قداسة لأيّة فكرة، ولا تمنعها من النقد والمحاكمة والمساءلة، والتغيير والاستبدال إن اقتضى الأمر، وهذا كلّه ممكن طالما أنّ كل الأفكار والآراء تعتبر صادرة عن مصدر بشري، أما الدين فهو من حيث المبدأ لا يقوم على العقل البشري، ولا يعتبره مصدراً لحقائقه التي يرجعها إلى مصدر سماوي فوق بشري وفوق عقلاني، ويتقبلها بشكل إيماني تسليمي مترافق مع عاطفة قوية. العلمانيّة 

هذا الموقف العلماني لا يقتصر على الدين وحده، بل يمتد منطقياً إلى كل أشكال العقائد والإيديولوجيات المتطرفة، ذات الطبيعة النسقية المغلّفة، التي تستبدل المقدّسات السماوية بمقدسات أرضية، وتقوم بدورها على فكرة امتلاك الحقيقة التامة دون سوها، وتترافق بدورها بشحن عاطفي عال، وبتمييز على أساس القومية أو العرق أو الموقف السياسي أو المعتقدي، وعليه لا يمكن منطقياُ القول بعلمانية الشيوعية أو الإيديولوجيات القومية رغم “لادينيتها” ومواقفها السلبية من الدين.

العلمانية تؤكد على الحرية التامة للعقل، وعلى التساوي التام بين الناس، وتعتبر هذين المبدأين مطلقين ورئيسيين في عملية بناء الدولة والمجتمع، ومن هنا تنشأ ضرورة فصل الدين -وليس الدين وحده، بل الإيديولوجيا، أي إيديولوجيا- عن الدولة لما في ذلك من تناقض مع هذين المبدأين.

ومن هذين المبدأين تنشأ فكرة حرية الضمير، ويستمدّ الدين مشروعيته في النظام العلماني، وتتكامل العلمانية مع الديمقراطية، التي تقوم على التنوع والاختيار الحرّ، وهذا يقودنا إلى القول بتناقض أي نظام غير ديمقراطي مع العلمانية مهما كان موقفه من الدين. العلمانيّة

ختاماً نكرر ونركّز القول، إنّ الحديث هنا يدور عن العلمانية المعاصرة الناضجة، كما نركّز على أنّ العلمانية الحقيقية هي حالة نموّ وتطوّر للمجتمع وثقافته ككل، ولا تتحقق بقرار سياسي من أي مستوى كان، رغم حاجتها الموضوعية بالطبع للقرار السياسي العقلاني الحازم، وإذا ما وضعنا المشروع العلماني في مواجهة مشروع الحلّ الإسلامي السياسي، فسنجد بأنّ العقل العلمي والإرادة الحرّة والمساواة الإنسانية هي في الصفّ العلماني، رغم إنّ الواقع العربي الراهن ما يزال بعيداً عن هذه المستويات، التي نأمل ونسعى لبلوغها في مستقبل ما.

ليفانت – رسلان عامر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit