السوري إبراهيم محمود وكتابه المهم: كورونا كورنر

السوري إبراهيم محمود وكتابه المهم: كورونا كورنر
السوري إبراهيم محمود وكتابه المهم: كورونا كورنر

عرض: إبراهيم اليوسف

لا تردوا على أي كلام يقلل من مقداركم في التواصل الاجتماعي

لا تقدّموا أي اعتذار أو تبرير لمن ينتقدكم  على مخاوفكم هذه

فربما يكون هو نفسه حاضناً كورونياً  أو يستخف بأمره

لا تفكّروا بموتاكم

لا تذرفوا دمعة على أي كان

فقد تكون تلك الدمعة الأخيرة لأي منكم

إنما بما تعيشونه وما يمكن أن يقع في أي لحظة

كل القيم على المحك في ظلّ هذا الوباء المعادي لكل حياة تعنيكم

وأنا منكم وإليكم طبعاً

فقط تسلحوا ببعض الأمل

بأن الرعب العالمي من هذا الوباء قد زال

من نصوص كتاب كورونا كورنير لإبراهيم محمود

ثمة مفاجأة كبرى أطلقها المفكر السوري إبراهيم محمود، والذي تجاوز عدد كتبه المئة، وهي متنوعة مابين الشعر والقصة والرواية والدراسة والنقد والبحث والفكر، وحتى الترجمة مابين العربية والكردية والفرنسية، وهو ما يكاد لايحققه أي مبدع عربي، ولربما عالمي، لاسيما إذا وضعنا أمام أعيننا بعض كتبه الأكثر أهمية في إعادة قراءة التراث والفكر والتي صدرت عن أكبر دور النشر العربية، ومن بينها دار مجلة الناقد التي أصدرت عدداً من أعماله. تمثلت هذه المفاجأة بكتاب أصدره بعنوان “كورونا كورنر”، حوارية زمن طارئ  2020، وكما هو واضح من عنوانه يتناول  وباء كورونا الذي ولد ليبدو عصياً على العلاج، كما يشاع عنه، حتى الآن، بالرغم من  مرور أشهر على الإعلان عن ظهوره من مهده الصيني، بعد صمت من الجهات العليا في هذا البلد في بادىء الأمر. السوري إبراهيم محمود

بينما لما يزل العالم يتابع آخر أخبار جائحة “كورونا” التي باتت تتجاوز الحدود والقارات، لتصبح مدعاة هلع ورعب دوليين، نتيجة سرعة انتشارها غير المسبوقة من قبلِ أي جائحة مماثلة من قبل، والإحصاءات التي باتت تظهر أعداد المصابين عبر مهد المرض الأول “الصين”، ومروراً بإيران، وإسبانيا، وإيطاليا، ومن ثم ألمانيا إلخ، حيث إن الخوف من هذه الجائحة -على ضوء سرعة وكيفية عدواها- بات يبثّ الخوف من حرب عالمية مقبلة، أو أي مرض محلي من الأمراض التي بتنا نسمع عنها منذ العام 2002، من ضمن قائمة الأنفلونزات بحسب مسمياتها العلمية sars2002- mers2005- n-cov2019، ما أدى إلى أن يدبّ الذعر والخوف العالم، ولم يبق بلد، أو مدينة، أو حي، أو أسرة أو شخص، إلا وبات مهدداً بالخطر الأعظم، وإن كنا لنجد أن هناك من قابله باستهتار، نتيجة التطمينات التي كانت وسائل الإعلام تبديها في هذا البلد أو ذاك، أمام من أوصلتهم هلوسات تخوفاتهم منه إلى درجة خوفهم حتى من وسائل التواصل الاجتماعي، خشية أن يقفز وحش كورونا من شاشات الحواسيب والهواتف والآيبادات والتلفزيونات تجاههم.

حقيقة، إننا أمام خطر عالمي، خطر دولي، داهم، قد يهدّد بالإبادة الشاملة، لاسيما في ظلّ انعدام أدوات الوقاية أو الرقابة ومن بينها الحجر الصحي إن تطلب الأمر ذلك. وإذ كان ثمة الكثير قد كتب عن هذه الآفة التي يراها بعض الخبراء في عالم الصحة جائحة عالمية، لماذا مازالت شيفرة دوائها أو لقاحها لم تفك إلى الآن، وهو ما زاد من الذعر الشامل إلى الدرجة التي باتت فيها بلدان كاملة ترضخ لقرارات الحجر الصحي من دون أي تذمّر أو احتجاج. السوري إبراهيم محمود

وتسمية إبراهيم محمود لكتابه باسم الجائحة “كورونا” مضافة  إلى كورنر -أي الزاوية- جاءت لتدل على أن هذا المرض وضع العالم، من أقصاه  إلى أقصاه في زاوية كورنير، بعد أن دبّ الهلع في قلوب الكبار قبل الصغار، والقادة قبل المقودين، لاسيما في ظلّ توارد أخبار عن إصابات قادة وزعماء دوليين بهذا المرض الذي أوقف الحياة في أجساد مدن كثيرة، بل يكاد يشلّ العالم كله، ولعل الأمر يغدو أفدح فيما لو أنه لم يوضع حدّ لهذا الوباء الإبادي الشامل، سريع التنقل، بأكثر من سواه من الأمراض السارية المعروفة.

يستهلّ المؤلف كتابه بإهدائه إلى “لي وين ليانغ”، طبيب العيون الصيني الشاب ” 34 عاماً “، في مستشفى ووهان المركزي. قبل كل شيء ، أول من كشف علانية عن وباء الكورونا، وكان أول شهيد له في 6 شباط 2020، موقّعاً الإهداء باسم “نوبين”.

ثمّة فصول تلي إهداءه ذا الدلالة إلى الطبيب الصيني الذي دفع حياته ثمن وفائه مع قسم أبقراط، وإنسانيته، ووطنيته، بالرغم من أنه تعرض للضغوطات نتيجة إعلانه عن حقيقة الوباء، قبل أن تعترف الصين باستفحاله، وعناوين فصول كتابه هي: “ومضات، بدء غير متوقف، حديث المصنف، وحديث حول حديث، ما سيتَّضِح لاحقاً، مدننا، هل من بطاقة محدَّدة للمرض في الحياة، أيكون الوباء مرَضاً؟، عن كورونا وخلاف كورونا، الصين، أوبئة وتواريخ، الطب والتقاليد، الأوبئة والتنقلات، أمراض، هجرات، حروب، في الطب والنبات، الأوبئة والحيوان، في الطب، المرض، السياسات الدولية، التشريح والسياسة، الصحة وخطابها، تنويه.

قارىء كتاب إبراهيم محمود الذي يصل عدد كلماته إلى مائة وعشرين ألف كلمة، بحسب النسخة الإلكترونية التي بين أيدينا -والمنشورة على موقع أمازون 2020_، سيجد أن االمؤلف لم يتناول هذه الآفة، من المنطلق المطلوب يومياً، والذي لن يغدو مهماً فيما إذا تمّ تجاوز هذه الأزمة المهددة للعالم، وإنما من خلال منظور فكري، فلسفي، معرفي، إذ إنه يعتمد على الكثير من التفاصيل من المعلومات الطبية، من خلال سردية الأمراض السابقة، وذلك عبر إيرادها، وتوزيعها على ألسنة ست شخصيات عالمية، على فصول الكتاب، يقدّم عبرها رؤيته، التي تتلخص في اعتباره العالم واحداً، بالرغم من الكثير من محاولات ودواعي تفكيكه وتفككه، وإلا فلمَ ثمة خوف مصيري واحد يربطنا جميعاً، بل إن لاأحد من هذه الشخصيات يتحدر من سلالة نقية، حيث هناك ست شخصيات تنتمي لقوميات، لأوصول مختلفة، يقول ألبرتو: السوري إبراهيم محمود

“تماماً تماماً يا نوبين، كحالنا نحن معاً. كحال منتظري الذي عن نفسه أنه فارسي، ولكن في عروقه دماء بلوشية وآذرية، وكذلك نوبين، الذي يعرّف بنفسه كردياً، سوى أنه لا يستطيع الجزم بأصل نشأته، وأرنست، قال إن أباه إيرلندي، وأمه من أصول هندية، وهومي، أعلَمنا أن أباه انكليزي، وأمه أفريقية، أما صديقنا ألبرتو، فهو ينحدر من أصول صقلّية، وقد أخبرنا كما تذكرون، أن أحد أجداده كان من العرب منذ أيام بدايات انتشار الإسلام في أوربا، وهذا ينطبق على يانغ بدوره، ألم يقل لنا عن أنه صيني، مع فيتنامي، مع ماليزي، فتصوروا أي خلطاتنا تميّزنا”.

وفي هذا مايدل على أنّ العالم متداخل حقاً، وإن حاولنا ترجمة الأمر على خلاف ذلك، من خلال لهاثنا وراء مصالحنا الآنية التي قد يكون وقودها وجود الآخر، وهنا يحضر رأي المؤلف إذ يقول: “ولأخذ فكرة عن كورونا، ينبغي التعرف على الأمراض والأوبئة السابقة، والعلاقات فيما بينها، حيث شهد التاريخ أمراضاً وأوبئة مختلفة”.

ويلاحظ قارىء كتاب- كورونا كورنر “حوارية زمن طارىء”، إن مؤلفه الذي قدم شخصيات لاتتصارع عبر حواراتها، لأنها تمثل الجوهر الإنساني غيرالمؤدلج، بل المراقب عن كثب لما يدور في عالمنا، ويعرف كل منهم ببيئته، ومكانه، بالنبات والحياة الاقتصادية، وتاريخ الأوبئة، وسبل مواجهتها، بل إنه يتناول ما ألحقه الإنسان بالبيئة، صيدلية الآدمي، وبالحيوان، وذلك منذ أن قتل جلجامش همبابا حارس الغابة، وهو يبحث عن عشبة الخلود، لتفقد الطبيعة توازنها، فهو لايرى في هذه الجائحة إلا عبارة عن صناعة لها أبعاد  اقتصادية وسياسية وحتى عرقية:

“وكورونا كمرض فيروسي، جرى تضخيمه إعلامياً كثيراً، فعدد ضحاياه منذ أربعة أشهر، لا يكاد يُذكر مقارنة بأوبئة معروفة قبل قرن “، تعدّى ضحايا الإنفلونزا الإسبانية 50 مليون ضحية في أقل من سنتين، وما يجري بين الشخصيات هو اعترافها بما هو إنساني، وأن غرض الطب حماية الحياة في الجسم الذي يكون موضوعاً رئيساً له، وقد مر في مراحل.

ولهذا كانت الحياة بداية، وكيف يصبح المرض وباء، وموقع الصين تاريخياً وصلتها بالأمراض والأوبئة، شهدت أمراضاً وأوبئة كثيرة في تاريخها، ثم الصراع بين الطب “العيادي” و”التقليدي”، في ثقافات العالم، وهل الحيوان فاعل رئيس في نقل الأمراض، أم الإنسان هو الفاعل الرئيس، وكذلك مكانة النبات في التطبيب، وهناك كيفية انتقال أو نقل الأمراض عبر الحروب لغايات تدميرية واستعمارية “ما فعله كولومبس في أميركا”، ودور السياسة الدولية في تصريف المرض، أي مرض لغايات شتّى، وكذلك المفهوم المعقد للصحة، بخطابها غير المستقر، وما يكون للتشريح من دور في ذلك، والتأكيد أن هناك الكثير الذي يلزم للعالم ليتعرف على حقيقة الجسم، وتأمين الدواء اللازم لأمراضه المستعصية. إن التحدي الأكبر للعالم أجمع، هو التعاون في مصير كهذا، وليس الدخول في حروب جانبية، أوما يجري من تطبيق لقاعدة مريعة: مصائب قوم عند قوم فوائد .  السوري إبراهيم محمود

إن كتاب إبراهيم محمود هذا، ليس دراسة بحثية، ولا كتاباً معرفياً، ولامسرحية صرفة. حيث المعلومة إلى جانب النص الأدبي،  فيما يكاد يشبه معجماً، أو ملحمة، أو سفراً مديداً يحاكي أسئلة اللحظة الأكثرحرجاً، وقد رآه الباحث عبدالواحد علواني أقرب إلى الرواية لمافيه من حواريات، وإن سجل ملاحظته على هذا العمل باختفاء الصوت النسائي، إلا أن الكتاب في حقيقته هو معجم في.الجغرافيا والطب والفكر والفلسفة والسياسة،  ولابد أن يكون له شأن كبير، لأنه يقدم أطروحات فكرية جمالية، في مواجهة إحدى أكبرالأزمات الشاملة التي واجهت إنساننا، في لحظته التاريخية، على نحو غيرمسبوق، من خلال اتساع رقعة جغرافيا هذه الجائحة التي أصبحت عالمية، ولعلها الأولى من نوعها، من حيث خطورتها على حياة سكان القرية الكونية الصغيرة.

كتب المقال -مباشرة- بعد الإعلان عن خضوع ترامب للاختبار، وأرسل للنشر في أحد المنابر، وبسبب تأخر نشره كان لابد من هذا التنويه.

ليفانت – ابراهيم اليوسف ليفانت