رامي شفيق
رامي شفيق

الإخوان المسلمون، مسارات التنظيم وأوهام القوة والاستبداد

ليس ثمّة شكّ في أنّ جماعة الإخوان المسلمين تواجه منذ 30 حزيران  (يونيو) العام 2013، أزمة بنيوية على مستوى التنظيم والأيدولوجيا. وتبدو تلك الأزمة متّسقة مع بنية الجماعة، في إطار تاريخ اشتباكها مع العمل السياسي، منذ لحظة تدشين، المؤسس، حسن البنا، رسالة المؤتمر الخامس. بيد إنّ الأزمة الراهنة والتي يقع على إثرها التنظيم تبدو الأصعب في مسيرة الجماعة، عبر كل المراحل التي خاضتها والمحطات التي عبرت إليها، منذ تأسست قبل واحد وتسعين عاماً. الإخوان المسلمون

 تمددت الجماعة على أكثر من مستوى واتجاه، بداية من الوطن الأم (مصر)، وكذا، على امتداد الجغرافيا السياسية، في الشرق الأوسط ودول أوروبا، عبر عقد الخمسينات وما تلاه، مما سمح بظهور شبكة تنظيمية في الخارج، ترتب عليها ظهور منصّة دولية للتنظيم، تمثّلت في ماعرف بـ”التنظيم الدولي للإخوان المسلمين”، بدعم ومساندة إقليمية ودولية، في ظرف تاريخي وسياسي، هيّأ للجماعة هذا النشاط ومهّد لها التمدد في شرايين وخلايا تلك البلاد.

جاء بيان المكتب العام للإخوان، الصادر في ذكرى فضّ اعتصامي رابعه والنهضة، محاولاً نسج وهم أو بالأحرى رؤية تلفيقية، تضع ثمّة علاقة بين أحداث ثورة 25 يناير 2011 وتيار الإخوان، بينما يبرز نداء مزعوم ينطلق عبر سطور البيان، في بعض العبارات التي أوردها عن عمد، ومن بينها: “الثوار من أجل نصرة البلاد”، غافلين عما خلّفته جماعة الإخوان من ندوب غائرة في ذاكرة ووعي المواطن، خلال شهور حكمهم.

إذ ثمّة ضرورة للإرتكان نحو التاريخ يعوزه الباحث، لجهة استعادة وقراءة أدبيات الجماعة، وفحص وثائقها التاريخية، حتى يتسنّى تفسير وتقدير موقف الإخوان، نحو التطورات الجارية في مصر، منذ نحو عقدين، وفهم كيفية تعاطي الجماعة مع سؤال الأزمة، باستمرار، بالإضافة إلى سبب الاحتماء، دوماً، بخطاب المظلومية، الذي يضرب بجذوره في تاريخ الجماعة، ومن ثمّ نضيء على جوانب أخرى، من بينها، تحديد بوصلة مواقفهم المتباينة والمتغيرة، بحسب اعتبارات الموقف الإقليمي والدولي، حيث تشكل هي الأخرى منحى لفهم علاقة الجماعة وقياداتها مع سياسات الدولة المصرية، وكذا، سياق الانشقاقات في صفوف الجماعة، وأثر ذلك على مسار الحركة ومستقبل التنظيم. الإخوان المسلمون

محطات تاريخية عديدة مثّلت واقع حضور التنظيمات المسلحة، واستخدامها العنف مع اللحظة التي مرّر فيها البنّا التنظيم الخاص، بقيادة عبد الرحمن السندي، وقد شحذ له نصل العنف لينحر به عقل وجسد الإنسانية والدولة الوطنية، وقيم المواطنية والمدنية، بواسطة مجموعة من أعمال العنف السياسي، خلال عقد الأربعينات من القرن الماضي.

وكان من بين أبرز العلميات الدمويّة التي قام بها التنظيم الخاص، قتل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، الأمر الذي حدا بالملك فاروق، حينها، بقتل البنا في فبراير  العام 1949، فضلاً عن سعي التنظيم الخاص لتأميم السلطة خارج حدود سيطرة المرشد الجديد، حسن الهضيبي، ومحاولتهم الجادة في اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، في حادث المنشية الشهير 1954، مما حدا بالسلطة وقتها، لكتم صوت الجماعة واعتقال أعضائها، ونجاح بعض العناصر في الخروج من البلاد.

دمج سيد قطب ذلك التيار الجديد من المؤمنين بالعنف والمتدربين على السلاح عقيدة وممارسة، وأعضائه في الخارج المتسقين مع جملة من المصالح الإقليمية والدولية، ممن استهدفوا تقليص التيار القومي وكبح نفوذه ونشاطه، من خلال تأطير الأصولية الدينية، وتعبئة “العصبة المؤمنة” لمواجهة “الطاغوت”، وحلحلة نظام عبد الناصر، كهدف تكتيكي ومرحلي، من ثمّ، بعث أفكار التنظيم، وروجّ لمبادئ الحاكمية، وجاهلية المجتمع حكاماً ومحكومين، وقيم الولاء والبراء، فضلاً عن تكفير من يخالف تلك القيم والأفكار، ووجوب القتال لتخليص المجتمع من حكم الطاغوت بعد هدم كل مؤسسات الدولة التشريعية والقانونية والتنفيذية والدستورية، التي برأيهم تحكم بغير ما أنزل الله وتعطل أحكامه، كما دونتها أدبيات الإخوان، مرة لدى البنا، بشكل ناعم ومتواري، ومرة أخرى،  لدى سيد قطب، بشكل واضح وصريح يتسق وأهدافه الحركية والتنظيمية.

وعبر عقود تالية، استطاع هذا التيار أن يزيح من أمامه الأصوات الأخرى على خلفية التباين في الرؤى والمواقف، غير إنّ الحدود الفاصلة بين التيارين، تتجلى يقيناً عبر الأمور التكتيكية، وتتبقى واحدة في القضايا الاستراتيجية، التي تتمركز نحو أسلمة المجتمع كخطوة في إطار تأسيس الدولة الاسلامية العالمية “دولة الخلافة”. الإخوان المسلمون

على هذا النحو تأسّس التيار القطبي في صفوف الإخوان، ونما وتتطور مرحلياً حتى تسنّى له الاستحواذ على هيكل وقيادة الجماعة والتنظيم الدولي، عبر مجموعة من أبرز رفقاء وتلاميذ سيد قطب، ومن بينهم: محمد بديع، ومحمود عزت، ومحمود حسين، وخيرت الشاطر، وآخرين.

ظلّت الجماعة منذ تلك اللحظة عالقة في خيالات الماضي، وتتحدث عن شرعية رجل يلاحق، وآخرين أمام العديد من الاتهامات أمام المحاكم المصرية، دون فهم الانزياحات الجديدة التي جاءت على إثر المتغيرات التي طاولت الأوضاع الدولية، بنهاية ولاية الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، الذي ساند ودعم عبر منصّات اقليمية، أنقرة والدوحة، عمليات تموضع الإسلام السياسي في عدد من الدول العربية، التي عصفت بها أحداث الربيع العربي وانتفاضات العام 2011.

دأبت قطر على شحذ كل إمكانياتها، وتطويعها لخدمة الجماعة، بينما استضافت بعض قادة الجماعة بعد أحداث ٢٠١٣، وفتحت لهم منصّة “الجزيرة” لممارسة كافة دعايتها وحتى تحريضها على الأنظمة المناهضة، والتشنيع ضدّها، بخطاب أيدولوجي وموجّه. غير إنّ قطر كانت وما تزال في خلاف استراتيجي مع الرياض وابوظبي، على خلفيّة دعم واستضافة الدوحة لبعض قادة الجماعة.

وفي ظل الضغط الخليجي، اضطرت الدوحة إلى تقديم تنازلات، وتخفيف وطأة الخطاب الإعلامي التعبوي والهجومي، فيما يخص الرياض وأبوظبي والقاهرة، وبالتبعية، أرسلت الدوحة إلى الإخوان الموجودين بالداخل القطري تبلغهم فقدانهم الدعم، وانتفاء الرغبة في تواجدهم بالأراضي القطرية. الإخوان المسلمون

إنّ العلاقة بين الإخوان وأنقرة تتحكّم فيها محدّدات وسمات الأدوار الوظيفية في العلاقات السياسية المرتبطة بالجغرافيا السياسية، واعتبارات المشهد الاقليمي، ورهانات أردوغان الذي يتطلع إلى ملء الفراغ السياسي في الشرق الأوسط. كما شهد التنظيم الدولي تحركات مكثفة طوال العقد الماضي، وبلغت هذه التحركات ذروتها مع بدايات العام 2003، بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم في تركيا، وبعد ذلك فوز حركة حماس بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، مما سمح لها بتشكيل الحكومة في العام 2006.

يجسّد هذا المشهد الأخير في السياسة حالة الصراع بين البلدين حول عدد من الملفات الاقليمية، سيما السودان، سوريا، ليبيا، وملف غاز المتوسط. ومن جانبها، تعمل تركيا على تغطية تلك الأجواء المشحونة إقليمياً بسحابة سوداء، عبر إثارة ملف الإخوان، وإعلاء خطاب المظلومية، كورقة ضغط، يتمّ استخدامها عبر عدة محاور تتموضع في إطار سعي أردوغان، بغية توجيه خطاب يستهدف فئات محلية داخل مجتمعه، للاستثمار السياسي البراغماتي في لحظات العبور الانتخابي، ودعم القيادات الإخوانية التي تحتضنهم أنقره، بينما تعيش الجماعة دوماً عبر تناقضات الأوضاع الإقليمية المضطربة، مثلما فعلت في عقود الستينات والسبعينات، من القرن الماضي. ليفانت

ليفانت – رامي شفيق

شاهد أيضاً

ماهين شيخاني

قليلاً من الإنصاف أيّها المتسلّق

للمفكر المغربي المهدي المنجرة كلمة مشهورة يعرّف بها الأميّ، فيقول: “إن الأميّ ليس من لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.