الإخوان المسلمون، التّيار القطبي (الجزء السادس).

عبد الناصر الحسين   
عبد الناصر الحسين   

بإمكان الباحث في تاريخ الإخوان المسلمين أن يميّز بين مدرستين فكريتين حركيّتين في الجماعة: “مدرسة «حسن البنا» مؤسّس الجماعة، ومدرسة «سيد قطب» مفكّر الجماعة”. المسلمون

تأسّست جماعة الإخوان في مصر عام 1928، على يد مؤسّسها «حسن البنّا». بعد سقوط «الخلافة العثمانيّة» سنة 1924، بهدف إعادة الخلافة الإسلاميّة واسترجاع «مجد الإسلام الغابر». وكان لشخصيّة المؤسّس «حسن البنّا الشعبويَّة» دور مهمّ في رسم ملامح عقدين من زمن الدّعوة. فقد حرص المرشد المؤسّس -بعد أن بايعته ثلّة من رفاقه الذين شكّلوا النّواة الأولى للعمل- على نشر أفكاره بشكل عرضاني ليصل صوته إلى كلّ بيت مصريّ، وخاصّة الطّبقة الفقيرة والمتوسّطة.

لم تمضِ سنوات حتى بلغ عدد الإخوان المسلمين مئات الآلاف وخاصّة من فئة الشباب الذين تأثروا بأفكار البنّا وشخصيته، حيث كان يركّز على فكرة أنّ الحياة الإسلاميّة تقوم على أربعة أعمدة: «الحكومة، الأمة، الأسرة، والفرد». المسلمون

وخلال مرحلة البنّا برز اهتمام الجماعة بالقضيّة الفلسطينية فأرسلت آلاف المتطوعين للقتال في فلسطين وقتل الكثير منهم، الأمر الذي جعلهم الجماعة الأقوى في عموم مصر، وربما في بلدان عربية أخرى، كالأردن وسوريا والسودان.

إنّ تضخّم دور الإخوان في المجتمع جعلهم يتصادمون مع سلطة «الملك فاروق»، وكان اغتيال الإخوان لرئيس الوزراء «محمود فهمي النقراشي» في 28 ديسمبر 1948 الشرارة التي جعلت القصر الملكي مع الحكومة الجديدة برئاسة «إبراهيم عبد الهادي» يتّخذ قرار الانتقام من الإخوان، فدبّروا اغتيال «حسن البنّا» المرشد العام للجماعة في 12 فبراير 1949 أمام مقرّ «جمعية الشبّان المسلمين» بعدّة رصاصات استقرّت في جسده، توفّي بعدها بساعات في مستشفى «قصر العيني».

سبق ذلك قرار بحلّ جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالها واعتقال معظم أعضائها باستثناء البنّا، الذي صادرت الحكومة سيّارته، واعتقلت سائقه وسحبت سلاحه، وقبضت على شقيقيه الذيْن كانا يرافقانه في تحرّكاته.

في الوقت الذي قتل حسن البنّا كان «سيّد قطب» مبتعثاً إلى الولايات المتّحدة الأمريكية، في 3 نوفمبر 1948 م من وزارة المعارف للتخصّص في التّربية وأصول المناهج. وكان يكتب المقالات المختلفة عن الحياة في أمريكا وينشرها في الجرائد المصريّة، ومنها مقال بعنوان «أمريكا التي رأيت»، يقول فيه: «شعب يبلغ في عالم العلم والعمل قمّة النموّ والارتقاء، بينما هو في عالم الشّعور والسلوك بدائيّ لم يفارق مدارج البشريّة الأولى، بل أقلّ من بدائيّ في بعض نواحي الشّعور والسلوك». المسلمون

وفي أمريكا تَعرّف «سيد قطب»على حركة الإخوان المسلمين ومؤسّسها حسن البنا، فعندما اغتيل البنَّا تحدّث الإعلام الأمريكي باهتمام عن الحدث مما أثار فضول سيّد قطب أن يتعرّف على الحركة عندما يعود إلى بلده، فبدأ رحلة التحوّل الحقيقي، وعند عودته 1949 أحسن الإخوان استقباله فأحسن الارتباط بهم وأكّد صلته حتى أصبح عضواً في الجماعة عام 1954.

كان لسيّد قطب مشروع إسلامي مفاده أن لا بدّ وأن توجد طليعة إسلاميّة تقود البشريّة إلى الخلاص. ولذلك كانت بداية العلاقة بين سيّد قطب والإخوان المسلمين من خلال كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» وفي الطبعة الأولى كتب في الإهداء: «الفتية الذين ألمحهم في خيالي قادمون يردّون هذا الدّين جديداً كما يقاتلون في سبيل الله فيقتِلون ويُقتلون». وفهم الإخوان المسلمون أنّ هذا الإهداء يعنيهم تحديداً، فأصبحوا يهتمّون بأمره، ويعتبرونه صديقاً لهم، إلى أن انضمّ فيما بعد إلى الحركة، وأصبح مسؤولا للقسم الدعوي فيها.

التيّار القطبيّ هو حركة فكريّة إسلاميّة، تنسب إلى «سيّد قطب» الذي انتمى إلى الإخوان المسلمين بعد مصرع مؤسّسها حسن البنّا، وأعاد بلورة أفكاره على ضوء أفكارها، ثم صاغ لنفسه نظريّة جديدة للحركة الإسلاميّة، تخالف نظرية الإخوان، طرحها من خلال كتابيه: “في ظلال القرآن” “ومعالم في الطريق”. وقد انتمى للقطبيين الجيل الجديد من عناصر الإخوان في الخمسينيات والستّينيات والذين لم يجدوا في طرح البنّا ما يُشبع حاجاتهم الفكريّة المتحمّسة للمرحلة الجديدة خاصّة فيما يتعلق بالموقف من الحكم.

تتركّز أفكار الدعوة القطبيّة في أنّ المجتمعات المعاصرة «مجتمعات جاهليّة»، بما فيها المجتمعات الإسلامية، وأنّ الحكومات القائمة في بلاد المسلمين هي حكومات كافرة، لا يجوز مشاركتها في الحكم، أو ممارسة العمل السياسيّ في ظلّها، وأنّه من الواجب مجاهدة تلك الحكومات من خلال الدّعوة السرّية، والعمل بالتّنظيم المغلق. المسلمون

ولم تنحصر أفكار سيّد قطب في محيط السّاحة المصريّة، بل امتدّت إلى بقاع أخرى كثيرة من العالم الإسلامي وأوروبا، فقد شكّلت هذه الأفكار بريقاً جذّاباً للمسلمين في كلّ مكان، وتحوّل بالتالي التيّار القطبيّ إلى تيّار عالميّ، ولا يزال الفكر القطبيّ قائماً، بل مسيطراً على نسبة ليست قليلة من شباب العالم الإسلامي، ويعتبر سيّد قطب بهذه الأفكار المرجع الأول لفكر تكفير الحكّام وإحياء الجهاد في هذا العصر وتكفير فكرة «حبّ الوطن».

عانت جماعة الإخوان المسلمين انشقاقاً فكريّاً كبيراً، أثناء محنة «تنظيم الـ65» عام 1965. فقد تأثّر كثيرون بأفكار سيّد قطب، عن الحاكميّة والجاهليّة، وعلى الضفّة الثانية جرت بين القطبيين وبين قيادة الجماعة مناقشات واسعة «أثناء السجن» خاصة بعد أن أصدرت الجماعة رسالتها الشهيرة «دعاة لا قضاة» التي أرادت بها مواجهة ما رأت فيه خروجاً فكريّاً على منهج الإخوان، كما خطَّه مؤسّسها «الإمام حسن البنّا»، وعقدت الجماعة محاكمات داخل السجون لعدد من هؤلاء القطبيين، انتهت بعودة بعضهم وموافقته علي الرسالة التي نُسبت لمرشد الجماعة «حسن الهضيبي»، فيما أصرّ كثيرون على أفكارهم، فخرجوا من الجماعة، وكوَّنوا ما صار يعرف بالتيّار القطبيّ. المسلمون

معظم المتابعين لشخصيّة سيّد قطب مجمعون على أنّ الرجل متواضع لا يسيء للآخرين، ويكره الشّقاق والانشقاق. لكن مقرّبين من الدّائرة الضيّقة لقطب كانوا يسمعون منه كلاماً يشير إلى أنّه يرى حجمه الفكريّ أكبر من حجم الجماعة الإخوانيّة، ولأنّه يكره الانشقاق فقد حرص على جرّ الجماعة إلى مدرسته الفكرية، وكانت الفئة الشبابيّة تستجيب لأفكاره سريعاً، بينما «الحرس القديم» في الإخوان المسلمين كانوا رافضين للتوجّه القطبي، ليس لأنه سيشكّل خطراً لاحقاً على الثقافة الإسلاميّة من النّاحية «العنفيَّة» بل لأنّه خرج عن المحدّدات التي رسمها المرشد المؤسّس حسن البنّا، وبعبارة أدّق، لأنّ سيّد قطب بدأ يسحب البساط من تحت أقدام «محتكري السّلطة» في الجماعة.

من المهمّ القول بأنّ سيد قطب قدّم «مدرسة فكريّة إسلاميّة متكاملة»، بخلاف سابقيه الذين قدّموا أفكاراً متراشقة مفككة، بمن فيهم البنّا، لكن مدرسة قطب المتماسكة والمتصالحة في أجزائها الداخلية، كانت متصادمة مع المجتمع ومع «الصيرورة التاريخيّة». تطرح «نظريّة التغيير» لكن بكثير من العدوانيّة، لا بروح الدّاعية المشفق على الناس. الأمر الذي جعل من تلك المدرسة تمثّل «البنية التحتيّة» للحركات «الرديكالية» اللاحقة، وأبرزها «تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة- داعش» والتي اعتمدت «ثقافة الدمّاء» والطّيش الجنوني، حركات جلبت للأمّة متاعب فكرية يصعب علاجها وانحرافات سلوكيّة تصل إلى حدّ الجريمة، وتزيد عليها، حتى شبَّه البعض «سيّد قطب» بالرّجل الذي ألقى في البئر حجراً كبيراً ابتُلِيت الأمّة بإخراجه.

لقد فرض واقع السّجن والاعتقال إيقاعه على أفكار سيّد قطب،حيث بدأت محنته باعتقاله، بعد «حادثة المنشيّة» في عام 1954م، حيث اتّهم الإخوان بمحاولة اغتيال الرئيس المصري «جمال عبد الناصر»، وحكم عليه بالسجن 15 سنة،كانت ضاغطة عليه بشكل كبير، فأخرج كتيِّب «هذا الدّين والمستقبل لهذا الدين»، كما أكمل تفسيره «في ظلال القرآن». لكنّ واقع الاعتقال أنتج لدى «سيّد قطب» حزمة من الأفكار كانت تميِّز المدرسة القطبيّة، كالولاء والبراء، والعزلة الشعورية، وسريَّة التنظيم، وجاهليّة المجتمع، وتكفير الحكّام، وتكرُّر الأدوار، وصدام الحضارات، واستعلاء الإيمان.   المسلمون

أُفرج عن «سيّد قطب» بعفو صحيّ في مايو عام 1964م، وكان من كلماته وقت ذاك: «إنّ إقامة النّظام الإسلامي تستدعي جهوداً طويلة في التربية والإعداد، وإنّها لا تجيء عن طريق إحداث انقلاب». ثم قُبض عليه في 9 أغسطس عام 1965م، بعد أن قُبِضَ على أخيه «محمد قطب» يوم 30 يوليو 1965، وقدم مع كثير من الإخوان للمحاكمة، وحكم عليه وعلى سبعة آخرين من رفاقه بالإعدام، بتهم عديدة، أهمّها التخطيط لقتل «جمال عبد الناصر» والتآمر على الدولة، وتم تنفيذ الحكم في 29 أغسطس 1966م. ليفانت

طُويت صفحة سيّد قطب لكنّها فتحت الباب موارباً على جحيم أعطب كميَّة كبيرة من العقول الشبابيّة، تأسّست على التطرّف، ثم التكفير، ثم الإرهاب، في حالة لا تقبل التّراجع، تشبه الإدمان على المخدّرات، مما يترتّب على أولي الشأن مسؤوليّات مضاعفة، بتجهيز مراكز بحث وتأهيل ومعالجة، موجَّهة لشباب المستقبل، قبل أن نقف على أطلال الأمّة وقد صارت ثقافتها وقيمها أنقاضاً وخراباً.

ليفانت –  عبد الناصر الحسين.