منظمات المجتمع المدني في سوريا بين الواقع السياسي والمدني

سوريا
سوريا

[author title=”خاص ليفانت ” image=”https://thelevantnews.com/wp-content/uploads/2020/02/بروفايل.png”]أليمار لاذقاني[/author]

لعل أبرز مشاكل دول العالم الثالث، هي الفساد والفشل الوظيفي للدولة، وغياب المؤسسات التي تنمو وتزدهر تحت سقف القانون، القانون الذي يعتبر البوصلة الأكثر دلالةً الآن على مدى تقدم هذه الدول وبالطبع مؤسساتها العاملة في كل المجالات، ولا بد لسيادة القانون أن تلغي الفساد وتنتج هيئات شفافة تعمل وفق منظومات علنيّة قانونيّة.

نسلط هنا الضوء حول نشاطات منظمات المجتمع المدني في سوريا، ومدى قربها من الفعل السياسي أو تأثيرها به، ومدى قدرة هذه المنظمات على خلق بؤر تعمل وفق القانون العام للمنظمة، وبشفافيّة مشابهة للدول المانحة أو المنظمة المانحة، وأبرز المنجزات التي حققتها على أرض الواقع “كأمثلة”، كما تحاول المقالة الإجابة عن تساؤلات تخص النتائج العمليّة لانتشار هذه المنظمات وأثرها على الشارع السوري.

بدايةً ولتجنب الخلط بين منظمات المجتمع المدني التي تموّل من خارج سوريا والتي أطلقت عليها اسم المنظمات الناشئة، وبين باقي النشاطات الأهلية والمحلية التي لا تعتمد على التمويل أولاً يكون التربّح من غايات القائمين عليها، والأحزاب السياسيّة ما قبل الثورة والتي سنتحدّث عنها في الجزء الثاني (أو التي سنتحدّث عنها في مقال آخر).

 

المنظّمات الناشئة:

وهي المنظمات التي تعتمد على دعم مادي أو عيني من أطر خارج المنظمة، أو من منظمات أو هيئات خارج البلد نفسه، ويعتبر عملها مرهوناً بهذا الدعم إذ إنّها تستند عليه بشكل كبير بدءاً من مراحل تأسيسها الأولى، كما تتراوح هذه المنظمات من حيث قوامها التنظيمي من الفاعل جزئيّاً إلى المنظمات الوهميّة، وتتفاوت درجة ابتعادها عن الواقع حسب بعد الداعم عن المنظمة (كأن يكون من نفس الدولة أو الإقليم …أو من فئة دعم الدول الغنية للدول الفقيرة) وبحسب نوايا الداعم ودرجة اقتران الدعم بالنشاط الميداني، ومدى الجديّة والشفافيّة في عمل المنظمة.

 

الواقع السياسي وتأثيراته بعمل منظمات المجتمع المدني:

نستطيع النظر لمنظمات المجتمع المدني كهيئات تقوم على تنظيم الجهد الجماعي لمجموعة من الأفراد ضمن إطار محدد، يخدم في سياقه المجتمع وتسعى لتحقيق أهداف تخص هؤلاء الأفراد ضمن نفس الإطار، إلا أنّ لهذا الجهد أثر سياسي كبير طالما أنّه يمس مجموعة كبيرة من أفراد المجتمع سلباً أو إيجاباً، كما يساهم هذا النشاط المحدد برسم الصورة السياسية الكاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمع وإمكانية وجود هيئات وسيطة وتلعب منظمات المجتمع المدني برسم وتغير السلطة في الدولة الشموليّة حيث تظهر قيادات مجتمعيّة خارج إطار السلطة وبالتالي خلق قوى سياسيّة جديدة على أرض الواقع، تختلف دور وقوة هذه القوى السياسيّة تحت تأثير أسباب كثيرة تتعلق بشكل ومضمون وطريقة عمل المنظمات، ومدى فسادها أو إفسادها، لتتراوح بين الهيئات الكرتونيّة الشكليّة التي تدعم السلطة الشمولية والمنظمات الفاعلة التي تخلق قوى ضغط سياسي تساهم برسم معالم السياسات الحكوميّة.

 

شهادات حية من داخل تلك المنظمات:
يقول “ط. و.” ناشط في منظمات المجتمع المدني: “أقوم كل نصف شهر تقريباً بدعوة بعض الأسر لشرب العصير وتناول الحلوى في إحدى المقاهي حيث أستأجر المقهى كاملاً لبضع ساعات، ومن ثم ألتقط صوراً للأطفال وللنساء وللنساء والأطفال معاً ,أوزع على كل عائلة خمسة آلاف ليرة، ومن ثم أرسل صور الأطفال لمنظمة دعم الطفولة، وصور النساء لمنظمة تمكين المرأة، وصور العائلة لمنظمة الإغاثة والدعم الأسري، يتراوح مدخولي الشهري بين الألف والألفي دولار، وأصرف على النشاطات ما يقارب المئتي دولار، ولا أعتبر نفسي فاسداً، إذ إنني على الأقل أصرف شهرياً مئتي دولار على هذه الأسر، وأعرف أن هناك من يتقاضى شهريّأً أكثر من خمسة آلاف دولار ولا يوجد له أي نشاط على الأرض”.

ويتابع: “أعتبر نشاطي في منظمات المجتمع المدني تجربة جيدة، إذ إنني أسافر بين الحين والآخر لبيروت وتركيّا، وألتقي الكثير من الشخصيّات وكوّنت الكثير من العلاقات، وأستطيع دائماً أن أجد تمويلاً لنشاط ما، حيث تتجه الأنظار الآن للنشاطات الأكثر تخصصاً بالشرائح التي تحتاج الدعم”.

أما “م. خ” التي نشطت لمدة عام في منظمات المجتمع المدني وتركت هذا العمل بعدها، وكانت نشاطاتها في مدينة طرطوس تقول: “العلاقات الشخصيّة هي التي تؤمن لك دعماً لأي مشروع منظمة ستقدمه لهيئات الأمم المتحدة أو لأي منظمة دوليّة، ولا توجد على حد علمي أية أعراف أو شروط كتبعة لتقديم طلب الدعم أو لإنشاء منظمة، وعندما طرح علي رفاقي القيام بهذا العمل، كانت المفاوضات على التمويل أشبه بالبازار، وركزت المنظمة الأم على الصور والفيديوهات، ولم تلقي بالاً على مصير الأموال التي سترسل، كنت أستطيع التربح كثيراً من هذه المنظمة، لكنني لم أفعل وصرفت الأموال على النازحين دون أية أدلة تذكر، ولم ألقى أية شروط أو قوانين تمنع من السرقة، إلى جانب صعوبة العمل الحقيقي على الأرض”.

وتتابع: “تركت العمل بعد أن أيقنت أن هذه الأموال التي تدخل لأرباب المنظمات ليست سوى فتاتاً مما يدفع لهذه المنظمات وأن النظام يستفيد بأكثر من ثمانين بالمئة من أموال المنظمات بالإضافة لشبكة الفساد في الأمم المتحدة وهيئاتها الإغاثيّة، ورؤساء المنظمات الإنسانية الكبرى، وجميعهم لا يأبه لآليات العمل، إنها جوقة كبيرة من الكذابين والفاسدين”.

وتضيف: “كما أعتقد أنّ المنظمات الوحيدة التي تعمل على الأرض بشكل فعّال وغير حيادي هي المنظمات التابعة للنظام بشكل رسمي أو غير رسمي، مع الأسف الشديد فهي ليست سوى ذراع للنظام حتى في أذهان الأهالي فهم يعتقدون أن الهلال الأحمر وجمعية البتول ومسار ومبادرون هي منظمات تابعة للدولة”.

 

الفعاليات المدنية الدينية في الأرياف السورية
لا يوجد في المجتمع السوري أمثلة كثيرة عن جمعيات أهلية تهدف لتنظيم العمل الجماعي لتحقيق هدف اجتماعي أو إنساني أو مادي بعينه، فجميعها تقريباً تعمل لأهداف سياسيّة ظاهرة للعيان وطفيليّة لا تقوى على النشاط دون دعم خارجي، وخارج عن إطار الجمعيّة نفسها، لكن هناك مثال عن نشاط انتشر في الأرياف ويعد نموذجاً رغم الصبغة الدينية التي تبدو كقشرة خارجيّة فقط، ففي جوهرها هي نشاط أهلي بامتياز وهي المبّرات الخيريّة في بعض القرى وبناء المساجد في بعض المدن، حيث استطاع أهالي بعض القرى من تنظيم مشاركات عينيّة سنوية على كل أسرة لقاء القيام بجميع أعمال ومصاريف الدفن، ليصبح هذا التقليد خالي العبء المادي بشكل كامل عن أهل المتوفي، وهذا هدف اجتماعي بسيط تم تحقيقه في أكثر من قرية وبمشاركات بسيطة من الأهالي، وبتنظيم فعاليات اجتماعية في القرية، يعيبها وقوفها عند هذا النشاط وعدم القدرة على التقدم باتجاهات اقتصادية او توعوية لعدم الرغبة والقدرة على التصادم مع النظام.

 

فعاليات دينية بإشراف من سلطات الأسد

إلّا أن سلطة الأسد سمحت بانتشار هكذا نشاطات فقط لدعم التيار الديني، حيث يبقى سقف هذه “المبرّات” محدود للغاية، علماً أنّ البيئات السوريّة بمختلف قطاعاتها وشرائحها جاهزة بنويّاً لتعميم مثل هذه الظاهرة على نشاطات اقتصاديّة وثقافيّة متنوعّة تفتح الأفق أمام بلد يتهاوى بمشكلات اقتصاديّة وسياسيّة مزمنة يوماً إثر يوم، كما أنّ سلطة الأسد دعمت وتدعم منظمات المجتمع المدني الطفيليّة التي تعمل شكليّاً خارج نطاقها، وتسمح لأعضائها بالسفر وتلقّي الأموال من الخارج، وتراقب نشاطاتها عن كثب، حيث تتمحور نشاطاتها خارج دائرة التهديد للنظام، أو تمكين أي من القطاعات المجتمعيّة المناوئة له، وتعمل بجهد على ملء الفراغ القاتل في المجتمع بشكل سيء لردم أيّة محاولة جادة للبناء، بالإضافة لتبديد طاقات الشباب وتحويلهم من نشطاء ومناضلين سياسيين إلى نشطاء منظمات مجتمع مدني، لا يأثرون بمجريات الأحداث بل على العكس يصبحون جزءاً من عجلة النظام، وعصيّاً في النشاطات الجادة في المجتمع.