لماذا تتوقف قلوبهم؟

ريما فليحان
ريما فليحان

باتت صفحات التواصل الاجتماعي الزرقاء مؤخراً متشحة بالسواد أكثر من أي وقت مضى، وصور الشباب الذين رحلوا تعلن أخباراً حزينة مرة قادمة عمن رحلوا بعمر الورود، شبان توقفت قلوبهم دون سابق إنذار وقرروا الرحيل، وكنا نظنهم في مأمن حيث بلدان إعادة التوطين وكما يفترض على بر الأمان..

شبان وشابات بعمر الورود تنتهي حياتهم في أقل من لحظة، بتوقف القلب عن العمل، أو بالانتحار، وفي بعض الأحيان بجرعة مفرطة من المخدرات، وفي كل تلك الأحوال يكون الجذر المشترك لرحيلهم ومفتاح المأساة هو الكآبة التي تحتل أرواحهم، العزلة وربما الشعور بعدم الانتماء، اليأس، والفقد لكل الأحبة الذين تركوهم خلفهم في بلد يأكلها الموت منذ تسع سنوات دون توقف، ليباغتهم ذلك الموت مجدداً حين ظنوا أنهم تمكنوا من النجاة ممتطياً الكئابة والإحباط هذه المرة، ليقود قلوبهم إلى التوقف بفعل الشدة التي يمرون بها والناتجة عن صدمة التغيير أو الفقد أو أزمة الهوية، او من خلال الانتحار أحياناً أخرى، أو عبر انجراف حياتهم كلها أو ما تبقى منها إلى منحدر المخدرات، والذي غالباً ما ينتهي بجرعة مفرطة تؤدي بهم إلى نفس النتيجة وهي الموت.

والسؤال الأهم لماذا يصل الشباب إلى تلك المرحلة؟ وهل يمتلك مجتمعنا اللاجئ الأدوات اللازمة لمواجهة الاكتئاب الذي يمر به أبناؤنا؟

أثبتت التجربة أن المجتمع السوري سواء في داخل سوريا أو خارجها بأغلبيته ما زال بعيداً عن الإيمان بفكرة اللجوء للطبيب النفسي عند الحاجة، لأن تلك الفكرة مرتبطة بمفاهيم خاطئة وبوصمة اجتماعية مبنية على تلك المفاهيم الخاطئة، حيث يظن الكثير من الناس أن الذهاب للمستشار النفسي أو الطبيب النفسي يعني الجنون، وهو مفهوم خاطئ مؤذٍ يجب العمل على تغييره من خلال منظمات المجتمع المدني والإعلام، والتي نحتاج منها أكثر من أي وقت مضى إلى حملات توعية في هذا المجال، بحيث تتضمن الإضاءة على خطأ هذا الاعتقاد وأهمية مراجعة الطبيب النفسي عند الضرورة، كما يجب أن توضح تلك الحملات عوارض الاكتئاب والمشاكل النفسية الأخرى التي تستدعي مراجعة المختص النفسي، وهو ما قد يكون طوق نجاة للشخص الذي يمر بأزمة صعبة قد لا تحتاج إلا لبعض الجلسات مع المستشار النفسي، تُمكن هذا الشخص من أن يكون قادراً إما على التأقلم مع مشكلته، أو تجاوزها والوقوف على قدميه من جديد. من جهة أخرى يلح السؤال حول كم قدرتنا كسوريين في المنفى أن نقف إلى جانب بعضنا بعضاً ونقدم المحبة والدعم النفسي لمن يحتاج؟

التعاضد الاجتماعي وحماية بعضنا بعضاً من العزلة والشعور بالنفي، كم نحن قادرين على استيعاب التحديات والتغيرات التي تعصف بحياة كل واحد منا حين تقوده الظروف لأن يعيش حالة اللجوء. يمارس السوريون كثيراً من السلوكيات التي تعمّق أزمة الكثير من المنفيين، ويعد خطاب الكراهية والتنمر أحد أكثر المسببات شيوعاً لمثل تلك الحالات التي قد تقود البعض للانعزال والكآبة والإحباط وهي مفتاح الدخول للكثير من الأزمات النفسية والأمراض، خاصة حين تكون الظروف المحيطة أصلاً صعبة وهي ما يرتبط بتجربة النفي وما يرتبط بها من صدمة ثقافية أحياناُ، وأزمة هوية واكتشاف جديد للذات، وصعوبات اقتصادية واجتماعية من أجل بداية جديدة ينشدها اللاجئون حين يصلون إلى بلدان إعادة التوطين.

هل فكرنا كيف يمكننا أن نجنّب الكثير من الشبان والشابات أزمات نفسية حادة قد توصل البعض للانتحار حين نتجنّب التنمر مثلاً؟ وخطاب الكراهية لكل شخص لا يعجبنا (رأيه، شكله، ماذا يلبس/تلبس، جنسه، وأحياننا كينونته، ميوله السياسية أو الفكرية وحتى الجنسية)، وبالإضافة لانتماءاته وعقيدته أو لا عقيدته على صفحات التواصل الاجتماعي أو في الواقع الفعلي، كيف يمكننا أن نتعلّم تقبل الآخر كما هو؟ كم يمكننا أن لا ننساق وراء تسويق الإشاعات وإعطاء أنفسنا الحق بأذية الناس وقتلهم معنوياً وأفراد أسرتهم عبر التحريض ضدهم وتبني الإشاعات حولهم؟ هل يمكننا أن نفتح قلوبنا لبعضنا بعضاً وألا نعيّن أنفسنا قضاة وجلادين في آن واحد؟ هل فكرنا أن نتعلّم أن نصغي دون محاكمات؟ نصغي إلى الوجع والأنين والرأي الآخر! لربما مكننا هذا أن نتجاوز كثير من الحالات التي قد تصل بأصحابها للانتحار أو مرورهم وذويهم بشدات نفسيه حادة، هل فكرنا كم نحتاج في هذه المرحلة لأن نحب بعضنا بعضاً؟ وأن نتفهم اختلافاتنا بنفس الطريقة التي نسعد بها بتوافقاتنا؟

أخيراً.. يلاحق الألم والفقد السوريين أينما كانوا، فمن بقي في سوريا يلاحقه القتل، والاعتقال، والتعذيب، والفقر، والتجويع والإذلال، والتهجير، وهي آلام مرعبة لا تشبه أي ألم آخر، وهي بدورها تسبب الشدة النفسية والأزمات الفردية والمجتمعية وتحتاج إلى استراتيجيات عمل ودعم نفسي واجتماعي واقتصادي وهو ما قد لا تتيحه الحرب في معظم الأحيان، لكن هؤلاء الناجين الذين تمكنوا من الوصول إلى بلاد إعادة التوطين، والذين تلاحقهم بها آلام من نوع أخر وهي آلام الفقد، وما بعد الصدمة، والتغيير، والعزلة، والضياع، وأزمة الهوية، والشعور بانعدام الوزن الاجتماعي أو المهني، وفقدان الجذور وهي آلام لا يستهان بها أيضاُ، وهو ما يتطلب منا أن نتماسك كمجتمعات في داخل سوريا أو في الغربة، ونقف إلى جانب بعضنا بعضاً ونقدم الدعم كل حسب طاقاته، وأن نلجأ للمنظمات والجهات المحلية المختصة للمساعدة، خاصة في ظل توافر خدمات نفسية واجتماعية في تلك البلاد يمكن الاستفادة منها من أجل مساعدة هؤلاء الشبان، نحتاج كسوريين أن نسعى من أجل هذا الدعم على المستوى الأهلي كمجتمعات في الغربة وجمعيات ومنظمات، وعلى المستوى المحلي من حيث الخدمات التي تقدم في بلدان إعادة التوطين لربما نتمكن من إنقاذ تلك القلوب، ربما!

ريما فليحانكاتبة سورية 

باتت صفحات التواصل الاجتماعي الزرقاء مؤخراً متشحة بالسواد أكثر من أي وقت مضى، وصور الشباب الذين رحلوا تعلن أخباراً حزينة مرة قادمة عمن رحلوا بعمر الورود، شبان توقفت قلوبهم دون سابق إنذار وقرروا الرحيل، وكنا نظنهم في مأمن حيث بلدان إعادة التوطين وكما يفترض على بر الأمان..

شبان وشابات بعمر الورود تنتهي حياتهم في أقل من لحظة، بتوقف القلب عن العمل، أو بالانتحار، وفي بعض الأحيان بجرعة مفرطة من المخدرات، وفي كل تلك الأحوال يكون الجذر المشترك لرحيلهم ومفتاح المأساة هو الكآبة التي تحتل أرواحهم، العزلة وربما الشعور بعدم الانتماء، اليأس، والفقد لكل الأحبة الذين تركوهم خلفهم في بلد يأكلها الموت منذ تسع سنوات دون توقف، ليباغتهم ذلك الموت مجدداً حين ظنوا أنهم تمكنوا من النجاة ممتطياً الكئابة والإحباط هذه المرة، ليقود قلوبهم إلى التوقف بفعل الشدة التي يمرون بها والناتجة عن صدمة التغيير أو الفقد أو أزمة الهوية، او من خلال الانتحار أحياناً أخرى، أو عبر انجراف حياتهم كلها أو ما تبقى منها إلى منحدر المخدرات، والذي غالباً ما ينتهي بجرعة مفرطة تؤدي بهم إلى نفس النتيجة وهي الموت.

والسؤال الأهم لماذا يصل الشباب إلى تلك المرحلة؟ وهل يمتلك مجتمعنا اللاجئ الأدوات اللازمة لمواجهة الاكتئاب الذي يمر به أبناؤنا؟

أثبتت التجربة أن المجتمع السوري سواء في داخل سوريا أو خارجها بأغلبيته ما زال بعيداً عن الإيمان بفكرة اللجوء للطبيب النفسي عند الحاجة، لأن تلك الفكرة مرتبطة بمفاهيم خاطئة وبوصمة اجتماعية مبنية على تلك المفاهيم الخاطئة، حيث يظن الكثير من الناس أن الذهاب للمستشار النفسي أو الطبيب النفسي يعني الجنون، وهو مفهوم خاطئ مؤذٍ يجب العمل على تغييره من خلال منظمات المجتمع المدني والإعلام، والتي نحتاج منها أكثر من أي وقت مضى إلى حملات توعية في هذا المجال، بحيث تتضمن الإضاءة على خطأ هذا الاعتقاد وأهمية مراجعة الطبيب النفسي عند الضرورة، كما يجب أن توضح تلك الحملات عوارض الاكتئاب والمشاكل النفسية الأخرى التي تستدعي مراجعة المختص النفسي، وهو ما قد يكون طوق نجاة للشخص الذي يمر بأزمة صعبة قد لا تحتاج إلا لبعض الجلسات مع المستشار النفسي، تُمكن هذا الشخص من أن يكون قادراً إما على التأقلم مع مشكلته، أو تجاوزها والوقوف على قدميه من جديد. من جهة أخرى يلح السؤال حول كم قدرتنا كسوريين في المنفى أن نقف إلى جانب بعضنا بعضاً ونقدم المحبة والدعم النفسي لمن يحتاج؟

التعاضد الاجتماعي وحماية بعضنا بعضاً من العزلة والشعور بالنفي، كم نحن قادرين على استيعاب التحديات والتغيرات التي تعصف بحياة كل واحد منا حين تقوده الظروف لأن يعيش حالة اللجوء. يمارس السوريون كثيراً من السلوكيات التي تعمّق أزمة الكثير من المنفيين، ويعد خطاب الكراهية والتنمر أحد أكثر المسببات شيوعاً لمثل تلك الحالات التي قد تقود البعض للانعزال والكآبة والإحباط وهي مفتاح الدخول للكثير من الأزمات النفسية والأمراض، خاصة حين تكون الظروف المحيطة أصلاً صعبة وهي ما يرتبط بتجربة النفي وما يرتبط بها من صدمة ثقافية أحياناُ، وأزمة هوية واكتشاف جديد للذات، وصعوبات اقتصادية واجتماعية من أجل بداية جديدة ينشدها اللاجئون حين يصلون إلى بلدان إعادة التوطين.

هل فكرنا كيف يمكننا أن نجنّب الكثير من الشبان والشابات أزمات نفسية حادة قد توصل البعض للانتحار حين نتجنّب التنمر مثلاً؟ وخطاب الكراهية لكل شخص لا يعجبنا (رأيه، شكله، ماذا يلبس/تلبس، جنسه، وأحياننا كينونته، ميوله السياسية أو الفكرية وحتى الجنسية)، وبالإضافة لانتماءاته وعقيدته أو لا عقيدته على صفحات التواصل الاجتماعي أو في الواقع الفعلي، كيف يمكننا أن نتعلّم تقبل الآخر كما هو؟ كم يمكننا أن لا ننساق وراء تسويق الإشاعات وإعطاء أنفسنا الحق بأذية الناس وقتلهم معنوياً وأفراد أسرتهم عبر التحريض ضدهم وتبني الإشاعات حولهم؟ هل يمكننا أن نفتح قلوبنا لبعضنا بعضاً وألا نعيّن أنفسنا قضاة وجلادين في آن واحد؟ هل فكرنا أن نتعلّم أن نصغي دون محاكمات؟ نصغي إلى الوجع والأنين والرأي الآخر! لربما مكننا هذا أن نتجاوز كثير من الحالات التي قد تصل بأصحابها للانتحار أو مرورهم وذويهم بشدات نفسيه حادة، هل فكرنا كم نحتاج في هذه المرحلة لأن نحب بعضنا بعضاً؟ وأن نتفهم اختلافاتنا بنفس الطريقة التي نسعد بها بتوافقاتنا؟

أخيراً.. يلاحق الألم والفقد السوريين أينما كانوا، فمن بقي في سوريا يلاحقه القتل، والاعتقال، والتعذيب، والفقر، والتجويع والإذلال، والتهجير، وهي آلام مرعبة لا تشبه أي ألم آخر، وهي بدورها تسبب الشدة النفسية والأزمات الفردية والمجتمعية وتحتاج إلى استراتيجيات عمل ودعم نفسي واجتماعي واقتصادي وهو ما قد لا تتيحه الحرب في معظم الأحيان، لكن هؤلاء الناجين الذين تمكنوا من الوصول إلى بلاد إعادة التوطين، والذين تلاحقهم بها آلام من نوع أخر وهي آلام الفقد، وما بعد الصدمة، والتغيير، والعزلة، والضياع، وأزمة الهوية، والشعور بانعدام الوزن الاجتماعي أو المهني، وفقدان الجذور وهي آلام لا يستهان بها أيضاُ، وهو ما يتطلب منا أن نتماسك كمجتمعات في داخل سوريا أو في الغربة، ونقف إلى جانب بعضنا بعضاً ونقدم الدعم كل حسب طاقاته، وأن نلجأ للمنظمات والجهات المحلية المختصة للمساعدة، خاصة في ظل توافر خدمات نفسية واجتماعية في تلك البلاد يمكن الاستفادة منها من أجل مساعدة هؤلاء الشبان، نحتاج كسوريين أن نسعى من أجل هذا الدعم على المستوى الأهلي كمجتمعات في الغربة وجمعيات ومنظمات، وعلى المستوى المحلي من حيث الخدمات التي تقدم في بلدان إعادة التوطين لربما نتمكن من إنقاذ تلك القلوب، ربما!

ريما فليحانكاتبة سورية 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit