روجدا علي
روجدا علي

عن فيلم أخوات السلاح.. وأحوال الأيزيديات المنسيّات أيضاً

مثّلت المشاهد الأوّليّة لـ فيلم أخوات السلاح، الذي يتحدّث عن مقاومة الفتيات الأيزيديات في وجه أحد أخطر التنظيمات الجهاديّة الإسلاميّة عبر التاريخ، أحوال المجتمع الأيزيديّ وحيواته، سابقاً لحكم داعش، وتالياً له. كانت تلك المشاهد الأوّليّة قد وظّفت لأن توضّح نقطة التحوّل الكبيرة في حياة الفتيات الأيزيديات، اللاتي وقعن في يد داعش، وحياتهنّ في ظلّ حكم تنظيم الدولة الإسلاميّة “داعش” وما تلا ذلك من تحوّلات كبيرة من الألم والعذاب والمقاومة ومن ثمّ الانتصار.

جسّد الفيلم هذا التحوّل من خلال عرض دخول التنظيم الجهاديّ إلى قريةٍ إيزيديّة، وتحطيمه لـ لوحة الفتاة الأيزيديّة، زارا، التي حمِلت ألواناً متعدّدة يتميّز بها المجتمع الأيزيديّ وطبيعة حياته، وتحوّل تِلك الألوان، فيما بعد، إلى رمادٍ وسواد، بدأت منه فترة طويلة لحكمٍ جهاديّ متطرّف عبث بالحجرِ والبشر في شنكال.

وكسر أخوات السلاح في مشاهده الصورة النمطيّة والذائقة الجمعيّة التي حملتها المجتمعات في المنطقة عن الأيزيديين؛ إذ كانت المجتمعات المختلفة المحيطة بالمجتمع الأيزيديّ، والتي تختلف عنه بالدين والعرق، تجد في المجتمع الأيزيديّ منغلقاً على نفسه، وبدائي، يعتمد على حياة الرعي والقرويّة، لأن يُعيل نفسه ويجتاز الحياة؛ فقدّم الفيلم زارا، الفتاة الكرديّة الأيزيديّة، التي تتقن اللغات إلى جانب إبداعها الفنيّ، وقدرتها على التواصل مع المقاتلات الأجانب بلغاتهنّ، ليبيّن للعالم أنّ الأيزيديّة وبالرغم من كلّ ما مرّ عليهنّ، فهنّ قبل كل شيء، نساء قادرات على أن يصنعن التغيير والمقاومة، والمجتمع الأيزيديّ مجتمع غني بثقافته وعلمه ورغبته في المعرفة.

والحال أنّ ما قدّمه الفيلم، وعرضه، من تحرير النساء الأيزيديات من قبضة تنظيم الدولة الإسلاميّة “داعش” ونهاية التنظيم الجهادي، ما هي إلّا القصّة الحقيقية الناقصة؛ إذ لا تزال آلاف النساء الأيزيديات مختطفات، منهنّ من لا يزلن في قبضة التنظيم في أماكن صحراويّة في العراق وسوريا لا يزال يسيطر عليه داعش، وكذا ذلك وجود آلاف المعتقلين من التنظيم في معتقلات تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الفيدرالية العراقيّة، وآلاف النساء والأطفال الموجودين في مخيّمات ضمن الأراضِ السوريّة، دون أن تتمّ محاسبتهم أو التحقّق من أمرهم، ودون أن تتوضّح أسباب عدم حلّ مشكلة وجودهم في المنطقة.

ظلّ تنظيم الدولة الإسلاميّة “داعش” منذ بداية تكوينه، يقدّم نفسه بصورةٍ مختلفة عن الرؤية التقليديّة للجماعات الجهاديّة الإسلاميّة في العالم. كان هذا التنظيم يطرح نفسه بأسلوبٍ مختلف، ويعتمد على بروباغندا إعلاميّة متقدّمة، ويؤسّس لقاعدة بيانات فكريّة، تميّزه عن باق التنظيمات الجهاديّة، توضّح ذلك منذ بداية عمله؛ حيث أنّ التنظيم اعتمد منذ البداية على أن يتوجّس المدنيون من التنظيم وأفكاره، ومن ثمّ يقوم بالتقدّم للسيطرة على مجتمعاتهم؛ فإلى جانب أنّ التنظيم حارب في سوريا والعراق وتمكّن من السيطرة على مساحات واسعة ومدن استراتيجيّة، قام الجناح الإعلاميّ للتنظيم بتوجيه رسائل توعيد وتهديد بحقّ الأقليات الدينيّة والقوميّة في المنطقة ومنهم الأيزيديين وصنّفهم ككفّار يجب التخلص منهم، عبر مشاهد فيديو احتوت على القتل والذبج والتمثيل بجثث المدنيين.

كسب التنظيم من خلال جناحه الإعلاميّ، تأييد أعداد كبيرة من المتطرفين حول العالم، وصار آلاف الرجال والنساء يتوافدون إلى سوريا والعراق للانضمام إلى داعش، شمِل ذلك الأشخاص الذين يواجهون مشاكل نفسيّة والمتشدّدين الإسلاميين، وصولاً إلى أناس رغبوا في الخوض في مغامرة تجربة داعش، دون أن تُغلق الحدود أمامهم من تركيا.

لكن، في مطلق الأحوال، فإنّه بوجود شواهد من نساء الأيزيديات الهاربات، اللاتي كنّا حاضرين على هذه المشاهد العنفيّة، وقرارهنّ بالانضمام إلى صفوف القتال مع المقاتلات الكرديات، والمقاتلين الكرد للانتقام من داعش، والأخذ بثأرهن وبثأر عوائلهن، وقد ساهموا بدورهنّ كثيراً، في التعرف على أماكن العديد من الفتيات الايزيديات، وتحريرهن من يد داعش، فإنّ ما قدّمه التنظيم إعلاميّاً، خلق في الضفّة الثانية جبهة مقاوِمة، للتخلّص من وجود التنظيم فيزيائيّاً وفكرياً.

خلال التاريخ الحديث والقديم، تعرّض الأيزيديون لـ عشرات حملات الإبادة، شنت ضدهم لأسباب مختلفة، غالبيتها كانت مرتبطة بانتماءهم الدينيّ والعقائديّ، وخلّفت هذه الحملات مذابح وهجرة واسعة لأبناء هذه الديانة، ورغم ذلك، ظلّت الديانة الأيزيديّة من الديانات القليلة غير التبشيريّة، وصار أبناءها ينغلقون على ذواتهم للحفاظ على وجودهم وحماية أنفسهم من حملات جديدة. ولأن تستمرّ معاناة النساء الأيزيديات اللاتي وقعن في الأسر، فإنّ أغلبهنَ بعد أن تعرضنّ للاغتصاب على يد عناصر تنظيم الدولة الإسلاميّة “داعش”، أنجبن أطفالاً من عناصر التنظيم، وتحرّرن مع أطفالهن، فعشن وإلى الآن في خيار بين أن تعدن إلى حياتهن أو أن تخترن حياة ثانية، ذاك أنّ المجتمع الأيزيديّ لا يزال يرفض وجود هؤلاء الأطفال بينهم. كانت مشاهد الخوف هذه، بقتل أهلهنّ أمام أعينهنّ، والتعذيب الذي تعرّضن إليه وهم بيد داعش، خلق الرعب داخل قلوب العديد من الفتيات والنساء الأيزيديات، فكثيرهنّ حاولن الفرار من يد داعش، وكثيرهنّ من لم تحالفها الحظّ ورفضت حياة العبوديّة، فقرّرن التخلّص من حياتهنّ بالموت.

خُلاصة القول؛ لايزال المجتمع الأيزيديّ منهك ومتكئ على ذاته، ولم يصحو من بطش تنظيم داعش وحملة الإبادة التي مُرست بحقّهم، وما فيلم أخوات السلاح إلاّ جزء صغير من معاناة طويلة ومستمرّة يعيشها المجتمع الأيزيديّ، وهو يستحضر مشاهد العنف والقتل والذبح والسبي في ذاكرته، ويتوجّس من أن تُعاد تلك المشاهد مرّة ثانية، طالما أن الخطر ما يزال قائماً.

ليفانتروجدا علي

شاهد أيضاً

الكورونا المعجزة وحتميّة التغيير

لمن لا يؤمن بالله، لنقل أن الأرض ترسل لنا قرارها وتتصرف بشكل سريع، فما أحدثه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.